المعلوم في العلاقات الدولية أن الدول تحدِّد سلوكها تجاه قضايا الدول الأخرى، وفق مصالح سياسية- أحيانًا- تتوافق مع بعض القيم الأخلاقية، فإذا تصادمت فإنها تكشف زيف التستر وراء القيم الأخلاقية لمجرد تحقيق مآرب سياسية في الغالب غير مشروعة، على خلاف حول معايير المشروعية في هذا المجال.
وتطبيقًا لهذه القاعدة تحدَّد موقف واشنطن من انتخابات إيران؛ حيث لوحظ على هذا الموقف أن واشنطن لم تشكِّك في نزاهة الانتخابات؛ لأنها لا تملك أداةً للتحقق من ذلك، ولكن واشنطن تدرك أن هذا النظام الذي أعلنت تخليها عن إسقاطه قبل الانتخابات بأيام يؤيده الشعب الإيراني، بدليل الارتفاع التاريخي لنسبة المشاركين في التصويت، وإنْ كان بعضه فقط هو الذي اختار أحمدي نجاد؛ ولذلك تُدرك واشنطن أن نقطة الخطر في هذا النظام أن يتمَّ تقزيمه؛ لكي يصبح أحمدي نجاد هو النظام الإسلامي في إيران.
لوحظ أيضًا على الموقف الأمريكي أنه ينتقد فقط قسوة النظام في قمع الاحتجاج على النتائج، رغم أن أوباما يُدرك جيدًا أن للاحتجاج سقفًا، وأن تحت ستار الاحتجاج تجري أمور أخرى لا علاقة لها بالانتخابات، وأن للاحتجاج وظيفةً؛ لأن الاحتجاج والتعامل معه ليست غايات بذاتها، ولكنها من مظاهر حيوية الشعب وسماحة النظام، ولكن لكل من الحيوية حدود في التحرك، وللسماحة حدود في الاحتمال.
فالمحقق إذن في الموقف الأمريكي هو أنه يريد أن تسمح السلطات الإيرانية بالاحتجاج، وأن تتجاوب هذه السلطات مع هذا الاحتجاج بصرف النظر عن الآثار السياسية والأمنية المترتبة على ذلك، ولا يزال أوباما يذكر مظاهرات الثلاثين مليونًا حول العالم؛ تحتج على الغزو الأمريكي للعراق، ومع ذلك لا يزال أوباما يصرُّ على أن الغزو قرارٌ عمدي صحيح، وربما تجاوزت آثاره السلبية قصد صانع القرار.
من ناحية أخرى، هل كان موقف أوباما سوف يختلف لو كانت إيران دولة صديقة أو حليفة، وهل هو حقًّا يتمنى أن يرى الديمقراطية مزدهرة في هذه المنطقة؟!.
هذا السؤال يلح علينا في مصر منذ أن أعلن أوباما في تصريحات متعاقبة، قبيل زيارته لمصر في أوائل يونيو 2009م، بما يعني في إجماله أنه لا علاقة له بما يجري في مصر.
ثم جاء موقفه من إيران فجدَّد التساؤل: هل موقف أوباما من مصر كما هو عندما تُجرى الانتخابات، ويُحجب مرشحون في الانتخابات التشريعية والرئاسية عن الترشيح، ثم يُحجب الناخبون عن الوصول إلى صناديق الانتخابات ثمَّ تزور النتائج؛ حتى قبل إجراء الانتخابات، خاصةً أنها تجرى لأول مرة دون أي إشراف قضائي معتبر؟! وما موقف أوباما إذا طالبت القوى الوطنية في مصر بإرسال مراقبين دوليين؛ حتى لا تترك الانتخابات تحت رحمة الحكم الذي يعلم أوباما سجله "الناصع" تاريخيًّا في تبييض النتائج، ولا بد أن أوباما يعرف بحكم أستاذيته في تاريخ النظم السياسية أن الديمقراطية في مصر بدأت هزلاً، وظلت حلمًا يحبط حتى الآن ويرفع كشعار؛ لكنه ليس له من اسمه نصيب، ولا بد أنه قد سمع عن النكتة أيام السادات، عندما طلب منه صديقه كارتر أن يرسل له وزير داخليته المتخصص في التزوير- رحمهم الله جميعًا- لمساندته ضد ريجان، وأبرق الوزير إلى السادات قبيل الانتخابات بساعات يبارك له نجاح السادات وليس المرشح الأمريكي في الانتخابات الأمريكية!!.
ولكن الحق أن أوباما أعلن أنه لا علاقة له بكل ذلك، ولم يدَّعِ أنه يستطيع أن يفعل شيئًا، ولكنه سوف يهتمُّ فقط بحسن معاملة السلطات المصرية للمحتجين على النتائج إن بقي أحد في مصر يستطيع الاحتجاج؛ لأن التزوير إذا طال كل شيء بدءًا بجداول الانتخابات، فلا قيمة لتحدي النتائج، وهي مجرد تحصيل حاصل، أم أن أوباما سيطبق المثل العربي الشهير: "وعين الرضا عن كل عيب كليلة"، وسوف نعذره مقدمًا في فساد بصره وبصيرته، ما دام الأمر يتعلق بالمصالح السياسية غير المشروعة!!.
إنني أرجو أن يدرك أوباما أن صورة بلاده تتشكل في الشارع المصري- أوسع الشوارع تأثيرًا في العالم العربي- وأنه لا بد أن يلحظ أنه لا يجوز أن ينتظر حتى تُجرى الانتخابات، وإنما يجب أن يلحظ أن دستور مصر قد عُدِّل عدة مرات؛ حتى يمنع المستقلين من الترشيح، وسوف يسمح من الدوائر الرسمية أن حجب المستقلين- وهم القوة الضاربة في المجتمع المصري، بعد أن اصطفت الأحزاب وراء حزب الحاكم- مفيدٌ لواشنطن؛ لأن المستقلين معارضون للتحالف المصري الأمريكي، ولكنك بذكائك سوف تدرك أن كل مصري يرحب بصداقة واشنطن في عهدك، القائمة على المصارحة، والاعتراف بقدر مصر الديمقراطية التي يشرِّف أمريكا التحالف معها؛ قوة للاستقرار والعدل، وتصحيحًا لعلاقات مختلة؛ بسبب مشاكل الحكم في القاهرة وواشنطن أيام سلفك.
فلنبدأ من الآن في فك أسر المستقلين، وأن تضمن مناخًا حرًّا للترشيح والانتخاب، ثم يقبل الجميع بكل الرضا النتائج.
إن هذا الإعداد المحكم لضمان نتائج معينة سيكون وصمة عار في جبين علاقتك بالشعب المصري وفي فترة حكمك كلها.