أثار خطاب الأمريكي الطيب "باراك حسين أوباما" الكثير من الضوضاء واللغط حول أمريكا ودورها الجديد. خاصة أنه قد جاء بعد ثماني سنوات عجاف من حكم الأمريكي الشرير "جورج دبليو بوش".

 

وحتى لا نضلل ولا نضل السبيل، ومن أجل أبنائنا من الشباب الذين لم يعاصروا الحكاية من أولها، فإنه من الأفضل أن نتتبع المسألة من جذورها.

 

* * *

بدأت مشكلتنا الكبرى مع أمريكا، منذ أن ورثت عن بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية مهمات قيادة الاستعمار العالمي، ومن ضمنها تأسيس ورعاية دولة "إسرائيل"، وحماية وجودها وضمان أمنها، والانحياز إليها على طول الخط، ودعمها دعمًا كاملاً بالمال والسلاح، وضمان تفوقها العسكري على كافة الدول العربية مجتمعة.

 

ولذلك بدأت منذ الخمسينيات تمارس علينا الضغوط السياسية والاقتصادية، لكي نعترف بالكيان الصهيوني ونوقع معه معاهدة صلح، وعندما لم تفلح في ذلك، استخدمت معنا الخديعة في حرب 1967م لتتيح "لإسرائيل" توجيه الضربة الأولى في العدوان؛ الأمر الذي  أدى، ونتيجة للخلل الكبير في بنيتنا العسكرية، إلى احتلال سيناء بالإضافة إلى الجولان والضفة الغربية وغزة.

 

وبعدها قامت أمريكا بالدور الرئيسي لاستمرار الاحتلال الصهيوني لأراضينا المحتلة، بالمخالفة الصريحة لميثاق الأمم المتحدة، فحالت دون صدور أي قرار دولي من مجلس الأمن بالانسحاب، إلا بشرط الاعتراف "بإسرائيل" والتنازل عن فلسطين 1948م، وهو ما جاء بالنص في قرار الأمم المتحدة 242 لعام 1967م.

 

وعندما رفضنا الاستسلام، وقررنا مواصلة النضال لتحرير الأرض المحتلة وإزالة آثار العدوان، وحققنا إنجازًا عسكريًّا كبيرًا في بدايات حرب أكتوبر 1973م؛ تدخلت الولايات المتحدة تدخلاً عسكريًّا مباشرًا أثناء الحرب، لدعم العدو، وسرقت منا النصر، ثم مارست ضغوطها على الرئيس السادات، فانكسرت إرادته، وانسحب من الصراع، واصطلح مع العدو، منفذًا الشروط الأمريكية التي سبق ورفضتها مصر والعرب جميعًا منذ عام 1948م، وهي الحالة والوضع الذي ما زلنا نعيش فيه حتى الآن.

 

هذا هو ملخص حكايتنا مع أمريكا، ونستطيع أن نتعرف على تفاصيلها من الرئيس السادات نفسه، الذي اخترناه للشهادة؛ لأنه هو الذي أدخل الأمريكان مصر، تطبيقًا للقول المأثور "وشهد شاهد من أهلها".

 

* * *

الخديعة الأمريكية في 1967م:

* في 12/11/1970م قال الرئيس أنور السادات في خطابه:

"في مايو 1967م يبعث تبليغ رسمي لنا ولإسرائيل وللمنطقة كلها أن أمريكا ضد من يطلق أي طلقة في المنطقة.. وأن أمريكا حتكون ضد المعتدي، وبعدين إسرائيل اعتدت.. إيه اللي جرى بعد عدوان يونيو.. نسيوه..... وجم في مجلس الأمن ولأول مرة في التاريخ يصدر قرار بايقاف القتال ولا يذكر فيه الانسحاب وكلنا عارفين إيه اللي عمله المندوب الصهيوني الأمريكي اللي كان رئيس وفد أمريكا في ذلك الوقت وبيفتخر بأنه صهيوني..".

 

* وفي خطاب آخر للسادات قال: "إن إسرائيل لم تكن لتمضي على هذا النحو الذي  مضت به إبان معارك الأيام الستة سنة 1967م إلا بإشارة ضوء أخضر من الولايات المتحدة.. بعد العدوان مباشرة كتبت الصحف الأمريكية والمجلات أن خطة العدوان عرضت على الرئيس الأمريكي جونسون.. ووافق الرئيس الأمريكي وأعطى مباركته".

 

أمريكا هي العدو الأصلي:

* في 10 يناير 1971م قال السادات في إحدى خطبه: "إن أمريكا تقف خلف إسرائيل بأن لا تجلو من أي شبر".

 

* و"الأمريكان هم الأعداء الأصليون وليس الإسرائيليين لأن إسرائيل خط الدفاع الأول لمصالح أمريكا في المنطقة".

 

* وفي 11 يناير قال: "أمريكا تعطي السلاح وتريد أن تذل كرامتنا"..

 

* وفي 11 نوفمبر 1971م قال: "إننا نعتبر الولايات المتحدة هي المسئول الأول عن إسرائيل.

 

إن سيل الأموال الذي يتدفق في الاقتصاد الإسرائيلي والسلاح الذي تمسك به إسرائيل يجيء به كله من من الولايات المتحدة الأمريكية. إن طائرات الفانتوم التي أغارت على مدننا ومصانعنا وعلى مدارسنا ليست مجرد صناعة أمريكية ولكنها غطاء أمريكي لإسرائيل".

 

هدف أمريكا هو عزل مصر عن الأمة العربية:

* وقال في خطابه في افتتاح الدورة الأولى لمجلس الشعب بتاريخ 11 من نوفمبر 1971م: "أوضح الأهداف الأمريكية في المنطقة هي: عزل مصر عن الأمة العربية. ونحن لا نستطيع القبول تاريخيًّا ومصيريًّا بمثل ذلك لأن مصر جزء من الأمة العربية قدرًا ومستقبلاً".

 

* وقال في 2 أبريل 1972م: "نحن نعرف أين تقف أمريكا وما هي سياستها وأهدافها، أمريكا تدعم إسرائيل لتحافظ على استغلالها لثروة العرب".

 

* وفي خطابه بالإسكندرية يوم 27 يوليو 1972م قال: "إن موقف أمريكا هو عملية استدراج لكي نسلم ولكن أمريكا بعساكرها ليست ربنا"..

 

سياسة أمريكا واحدة لا تتغير:

* وفي 9 يناير 1973م قال: "إنه لا أمل في أن يكون لأمريكا نظرتها الموضوعية إزاء مشكلة الشرق الأوسط.."

 

* وفي 23 يوليو 1973م قال: "إن سياسة أمريكا تنطلق من منطلق واحد وهو تجميد الموقف وفرض الأمر الواقع. جونسون هو نيكسون. سياسية واحدة وتخطيط واحد وسيسير من يخلف نيكسون على نفس الخط".

 

أمريكا تدخل الحرب ضد مصر:

* قال الرئيس أنور السادات في 16 أكتوبر 1973م: "إن الولايات المتحدة، بعد أن فتحنا طريق الحق بقوة السلاح اندفعت إلى سياسة لا نستطيع أن نسكت عليها أو تسكت عليها أمتنا العربية ذلك أنها أقامت جسرًا بحريًّا وجويًّا لتتدفق منه على إسرائيل دبابات جديدة وطائرات جديدة ومدافع جديدة، وصواريخ جديدة والكترونيات جديدة".

 

* وقال في 16 سبتمبر 1975م: "إنه في ليلة 19 من أكتوبر 1973م كان بقي لي عشرة أيام أواجه أمريكا بذاتها. اتخذت من العريش خلف خطوطنا مباشرة بكل وضوح قاعدة وكانت بتنزل في العريش علشان الإمداد يروح للجبهة في أقل وقت ممكن. طبعًا كل شيء كان في خدمة إسرائيل وبعدها عرفت أنه كان القمر الصناعي الأمريكي بيصور كل يوم ولما انتقلت فرقة من فرقنا المدرعة من الغرب إلى الشرق كطلب سوريا لتكثيف عملنا العسكري علشان نجدتها، على جبهتنا إحنا.. صوروا الأمريكان هذا ونقلوه للإسرائيليين ووضعت عملية الثغرة من وقتها.. وكل الكلام ده قاله اليعازر (رئيس الأركان الإسرائيلي المعزول) في مذكراته مش محتاج إن إحنا نستشهد بأحد عليه.. يوم 19 أكتوبر لقيت أنني أحارب أمريكا عشرة أيام لوحدي في الميدان ونزلت أمريكا بكل ثقلها".

 

أمريكا تهددنا لكي لا نقضي على الثغرة:

* قال السادات في حديث لمجلة "الحوادث" اللبنانية نشرته في 8 أغسطس 1975م: "جاءني الدكتور كيسنجر في 11 ديسمبر 1973م وكان جيب الدفرسوار موجودًا، وكان لنا حول الجيب 800 دبابة، بخلاف خمس فرق كاملة حشدناها شرق القناة، منها الفرقتان التابعتان للجيش الثالث، وهذه الفرق الخمس كانت بكامل أسلحتها ودباباتها ومعداتها تكون حلقة تحيط باليهود مع حائط صواريخ أروع من الحائط الذي اشتكت منه إسرائيل.. وسألني كيسنجر أنت ناوي تعمل إيه؟ فقلت: هذه أعظم فرصة لتصفية الجيب الإسرائيلي.. لقد تورطوا في دخول منطقة لا تتسع لأكثر من لواء أو لواءين من الدبابات فادخلوا أربعة ألوية على أساس أنها عملية سياسية أو كما سميتها من قبل معركة تليفزيونية.. فلا هم قادرون على الدخول إلى الكثافة السكانية في مصر، وليس من السهل أن ينجحوا في قطع المائة كيلو متر حتى يصلوا إلى القاهرة عن طريق الصحراء، وفرقي جاهزة لتقفل الممر الذي أوجدوه بين قواتي في أقل وقت ممكن، والخطة موضوعة وجاهزة تنتظر صدور الأوامر. وقال كيسنجر: كل ما تقوله صحيح وقد تلقيت من البنتاجون قبل أن أحضر لأقابلك تقريرًا كاملاً بعدد الدبابات التي أعددتموها.. عندك كذا.. وعدد بطارياتك وصواريخك كذا، والقوات المحتشدة حول الجيب قادرة فعلاً على تصفية الجيب ولكن لا بد أن تعرف ما هو موقف أمريكا.. إذا أقدمت على هذه العملية فستضرب".

 

* * *

شهادة الرئيس الأمريكي نيكسون:

كانت هذه هي شهادة السادات عن الدور العدواني الأمريكي ضد مصر، ولقد أكد الرئيس الأمريكي نيكسون هذه الحقائق في كتابه "نصر بلا حرب" الصادر عام 1999م فقال: "لقد أمرت في حرب 1973م ببناء جسر جوي ضخم للمعدات والمواد التي مكنت إسرائيل من وقف تقدم سوريا ومصر على جبهتين".

 

***

وتفصيل ذلك أنه في 19 أكتوبر تقدم الرئيس الأمريكي نيكسون إلى الكونجرس بالموافقة على اعتماد جديد لبرنامج المساعدات الأمريكية العسكرية لإسرائيل يصل في مجموعه إلى 2200 مليون دولار، وذكر نيكسون في تبريره لهذا الطلب أن نفقات تعويض إسرائيل عن خسائرها في السلاح والعتاد عالية جدًّا، وأن الحكومة الأمريكية تكلفت ما قيمته 825 مليون دولار من الأسلحة والعتاد لإسرائيل خلال الاثني عشر يومًا الأولى فقط من بدء القتال.

 

وقد بلغ إجمالي ما نقلته الولايات المتحدة في هذه الفترة ومن خلال 566 رحلة جوية ما يبلغ 22.395 طنًا من الإمدادات والتي سبقها 5.500 أطنان حملتها طائرات العال الإسرائيلية، هذا بالإضافة إلى عمليات الاستطلاع التي قامت بهما طائرتا التجسس الأمريكيتين (س: ر71) اللتان حلقتا فوق منطقة القناة، والتي أمدت إسرائيل بالمعلومات التي مكنتها من القيام بالثغرة. بالإضافة إلى مشاركة مباشرة من أعداد من الطيارين الأمريكيين في الحرب.

 

*** 

إذن فأمريكا في حالة حرب مع مصر بموجب قواعد القانون الدولي:

* تنص المادة 17 من الاتفاقية الخامسة من اتفاقيات لاهاي الخاصة بالحرب التي أبرمتها الدول عام 1907م وما تزال مرجعهم في تحديد المواقف القانونية من الحرب والسلام، تنص على أن الدولة المحايدة تصبح شريكة في الحرب إذا قامت بأعمال عدائية نحو أحد المتحاربين. ومن بين الأعمال العدائية التي تنفي موقف الحياد كما حددتها تلك الاتفاقيات، الاشتراك في القتال الفعلي أو تقديم المساعدات أو الذخائر الحربية أو الإعانات المالية أو نقل المهمات الحربية.

 

* وتنص المادة السادسة من الاتفاقية الثالثة عشرة صراحة على أنه محرم على الدولة المحايدة أن تقدم لدولة محاربة، مباشرة أو بالواسطة أي مراكب حربية أو ذخيرة أو مهمات عسكرية.

 

***

أما بعد:

إنه في الفترة 1967- 1973م أعلنت الولايات المتحدة الحرب ضد مصر، وشاركت في العدوان علينا، فأصبحت بموجب قواعد القانون الدولي عدوًّا صريحًا لنا، تمامًا مثل العدو الصهيوني.

------------------

Seif_eldawla@hotmail.com