الصورة غير متاحة

 د. حلمي محمد القاعود

 

باتت إيران تشكل قلقًا حقيقيًّا للغرب الاستعماري الصليبي وصنيعته الصهيونية في فلسطين المحتلة؛ بعد أن تمكنت من بناء قوتها العسكرية الاقتصادية في وقت قياسي، واستطاعت تخصيب اليورانيوم في ظل الحصار الغربي القاتل، وتهديداته السافرة.

 

استغل الغرب الاستعماري الصليبي وأتباعه من المخلفين من الأعراب مناسبة لانتخابات الرئاسية العاشرة في إيران (يونيه 2009 م)، لتحقيق الأحلام الاستعمارية الإجرامية لإسقاط النظام الإيراني، واستعادة إيران بثرواتها وتراثها وموقعها إلى الحظيرة الصليبية الصهيونية بعد أن خرجت منها بسقوط النظام الشاهنشاهي وجهاز السافاك الدموي الذي خلف شهيدًا في كل بيت من بيوت المدن الإيرانية.

 

كانت الانتخابات أمام العالم كله وجرت مناظرات تليفزيونية حادة أمام الجماهير الإيرانية وغيرها، واستمع الناس إلى اتهامات متبادلة بين المرشحين الأربعة، وتدفقت الملايين تدلي بأصواتها لمن تحب، وتصورت المؤسسة الاستعمارية الصليبية ومن والاها من المخلفين من الأعراب أن الوقت قد حان لقطف الثمار بإزاحة الرئيس المزعج "محمود أحمدي نجاد" ولكن الرياح جاءت بما لا تشتهي السفن، فقد فاز نجاد بفارق هائل (أكثر من عشرة ملايين صوت) وبدا الاحتجاج من جانب المرشحين المهزومين وتصور الغرب الاستعماري الصليبي أن النظام الإيراني سوف يسقط لا محالة وسوف يفعل بإيران ما فعله بالباكستان ومن قبلها أفغانستان والعراق!

 

وظف الغرب الاستعماري الصليبي أجهزة دعايته للوقوف وراء المظاهرات والاحتجاجات التي قام بها أنصار المرشحين المهزومين، وقامت الشبكة الضوئية (النت) بتقديم خدمات باللغة الفارسية لخدمة المحتجين، وتوالت تصريحات قادة الأوروبيين الصليبيين تؤيد المنشقين وتعادي المرشح الفائز، وصور المستعمرون الصليبيون الموقف بأن إيران على وشك السقوط لا محالة وأن انتهاء الثورة الإسلامية بات وشيكًا.. وتابع المخلفون من الأعراب بقنواتهم التليفزيونية وصحفهم الحكومية وشبه الحكومية موقف الغرب الاستعماري الصليبي، وباتت بعض القنوات العربية تشبه القنوات الغربية والعبرية، وتتطابق معها في عدائها لإيران والإسلام والحرية جميعًا. وراحت أقلام النائحات المستأجرات والرداحات الفاجرات تتفرغ لهجاء النظام الإيراني وتبشر بسقوطه الوشيك وتنعي الديمقراطية المزيفة وعدم (الشفافية) في انتخاباته، وارتكابه جرائم (التزوير) والإعلان عن (ثورة) الشعب ضد ثورة النظام!

 

حتى كتابة هذه السطور ما زال النظام الإسلامي الإيراني قائمًا, وتقلصت المظاهرات والاحتجاجات بعد خطاب المرشد الأعلى للثورة. وإعلان الحرس الثوري الإيراني أنه سيتصدى لعمليات التخريب والتدمير التي تقوم بها بعض الجماعات. وأعلن أحد المرشحين أنه مع المظاهرات السلمية وليس العنف!

 

نسي الغرب أن الكيان النازي اليهودي الغاضب كان يقتل بطائرات الإف 16 والفوسفور شعب فلسطين في غزة على مدى 22 يومًا دون أن يهتز له جفن أو يصدر عنه تصريح يدين المذابح التي يرتكبها الغزاة اليهود، بل كان زعماء الغرب: ميركل وساركوزي وبيرلسكوني وبراون وبلير وبوش يؤيدونهم ويدينون الضحايا. واختفت تقريبًا منظمات ما يسمى بحقوق الإنسان والتي ظهرت في جو المحرقة؛ ساوت بين القاتل والضحية في مشهد من مشاهد النفاق الاستعماري الصليبي يجللها بالعار والشنار، ونستغرب أن ينهض هؤلاء جميعًا اليوم مع حكومات الغرب من أجل حقوق الإنسان في طهران؛ ويهددون بفرض المزيد من العقوبات على النظام الإسلامي الإيراني إذ لم يستسلم ويرضخ لإعادة الانتخابات، ليأتي على هواهم من يريدونه ويرضون عنه، ثم أخرجوا من ملفاتهم القديمة ابن الشاه الراحل ليظهر في الصورة ويناشد مواطنيه إسقاط النظام الإسلامي ليعود بسيرة أبيه عميلاً مخلصًا للغرب الاستعماري الصليبي والكيان النازي اليهودي الغاصب.

 

وإذا كان الغرب واليهود الغزاة يتصرفون بمنطقهم الإجرامي الطبيعي فإن تصرف الأعراب الذين لم يدخل الإيمان إلى قلوبهم، يبدو غريبًا ونشازًا ومضحكًا. فالصليبية الاستعمارية ومعها الصهيونية تكره الإسلام والمسلمين، سنة وشيعة، وتعمل لإذلالهم وقهرهم والسيطرة على ثرواتهم ومقدراتهم، فضلاً عن أراضيهم.. فلماذا يتهالك المخلفون من الأعراب على التماهي معها واتخاذ موقف مماثل لها وتسخير الأبواق الكاذبة والطبول المأجورة للتنديد بالديمقراطية والنزاهة والشفافية في إيران؟

 

لا يوجد في معظم البلاد العربية ديمقراطية ولا نزاهة ولا شفافية فضلاً عن افتقاد الحرية والكرامة الإنسانية، ومع ذلك تجأر الأبواق وتدق الطبول استنكارًا لإيران التي داست على الديمقراطية وغيرها، وقمعت المظاهرات واعتقلت بعض المتظاهرين، وكرّست ولاية الفقيه المضادة لمفاهيم الإسلام..

 

في محرقة غزة التي أشعلها اليهود النازيون الغزاة أصدر مشايخ دول الاعتدال والوسطية وعدم الثورية فتاوى بتحريم المظاهرات من أجل التضامن مع الشعب الفلسطيني الذي يحترق في غزة، وأدان بعضهم منظمات المقاومة الإسلامية لأنها تتلقى مساعدات من إيران.. وهو أمر يثير الضحك حين يخرج هؤلاء ليؤيدوا مظاهرات الإيرانيين ضد نظامهم ويسكتوا على ولاء أنظمتهم للغرب الصليبي المعادي للإسلام والمسلمين سنة وشيعة!

 

ما رأي مشايخ دول الاعتدال والوسطية وعدم الثورية في الأنظمة التي توالي الكفار وتبرأ من المسلمين؟ إن درس الولاء والبراء، من الدروس المقررة في مادة الفقه، وفي بعض الدول العربية يدرسه الأطفال في سن مبكرة، ويكاد الولاء والبراء يكون موضوعًا مطروحًا في كل المناسبات وملخصه أن يكون المسلم مواليًا لله ورسوله بريئًا من المشركين والكفار.. ولكن معظم حكوماتنا المعتدلة والممانعة تفعل العكس، وتذل شعوبها وتحرمها من التظاهر والاحتجاج، وإذا تظاهر عشرة أشخاص على سلم إحدى النقابات؛ فإن مئات الجنود المدججين بالسلاح والخوذات والعصي الغليظة يطوقونهم، ويمكن أن يبيتوا في المعتقلات إلى ما شاء الله!

 

 مشكلة الأبواق والطبول في الدول العربية الموالية للكفار والمشركين أنها لا تحسن التعبير عن أصحابها وتكتفي بالهجاء الأهبل الرخيص الذي يدفع بالناس في الاتجاه المعاكس، وتنسى خصائص الشعب الإيراني الذي تجاوز الحصار والحروب التي فرضت عليه، واستطاع أن يبني نفسه في سنوات قليلة، وأن يقترب من النادي النووي وأن يكتفي ذاتيًّا من القمح والمواد الغذائية، وأن يصنع سلاحه العسكري برًّا وبحرًا وجوًّا، ويثبت للعالم أنه شعب حي يشارك في مقدرات بلاده ومصيرها وليس شعبًا من العبيد الذين تجمعهم "زمارة" وتفرقهم "عصا".

 

أيًّا كان مستقبل إيران وأيًّا كان نظام الحكم الذي سيسود، فإن شعب إيران مهما اختلفنا معه ومن حوله يعطي درسًا بليغًا للمخلفين من الأعراب الذين كذبوا على الله ورسوله، وقعدوا عن الجهاد والعمل، وفرطوا في إرادتهم واستقلالهم، واكتفوا بإطلاق الأبواق الكاذبة والطبول المأجورة!

-----------

* drhelmyalqaud@yahoo.com