![]() |
|
د. حلمي محمد القاعود |
من حق إيران الإسلامية أن تفخر بانتخاباتها النزيهة، وتداول السلطة في حكومتها، ومن حقها أن تفاخر العالم الإسلامي وغير الإسلامي بأنها انتقلت من مرحلة الاستبداد والظلام والسافاك إلى عصر الشورى والنور وكرامة الإنسان.
ومن واجب المخلّفين من الأعراب الذين استناموا إلى خطبهم البليغة وقصائدهم العصماء وعصيِّهم الغليظة ضد شعوبهم ومواطنيهم وأهليهم؛ أن يتعلموا الدرس من الجار الفارسي، حتى لو وصفوه بالشيعي الفارسي المجوسي الرافضي الباطني.. إلخ؛ فهو لن يكون أخطر من مؤسسة الاستعمار الصليبي الصهيوني الذي أذلهم، وهيمن على مقدراتهم، واستولى على ثرواتهم ومدخراتهم، وحوَّلهم إلى أتباع مخلصين؛ يزرع في أراضيهم القواعد العسكرية ومخابراته العسكرية والبوليسية، ويأمرهم فيطيعون، ويخطط لهم فينفذون، ويضحك عليهم بالكلام المعسول، فيسعدون ويزغردون.
أجرت إيران الإسلامية انتخابات الرئاسة العاشرة منذ قيام الثورة ضد الشاه وحكمه الإمبراطوري الفاسد الذي كان أول نظام إسلامي يتعامل مع العدوِّ النازي اليهودي الغاصب في فلسطين المحتلة، جاء مراقبون من شتى أنحاء العالم، وشهدوا الانتخابات ووقائعها، فلم يرَوا تزويرًا ولا غشًّا، ولا مطاردة للناخبين ومنعًا لهم من الوصول إلى مقرات التصويت، ولا اعتقال المرشحين أو افتعال المشاجرات والمعارك بوساطة البلطجية والأشرار والمأجورين، ولا التحايل ومنع المرشحين من تقديم أوراقهم إلى اللجان المختصة، ولا تحديد نسبة للعمال والفلاحين، مهمتها الهتاف والتصفيق للنظام، ولا "كوتة" للمرأة، ولا إلغاءً للإشراف القضائي، ولا إهانةً للقضاة ومندوبي المرشحين.
في إيران الإسلامية اتفقوا على نظام- حتى لو لم يعجبنا- يقوده مرشد الثورة، ورئيس جمهورية وآخر للحكومة وثالث لمجلس النواب، ومؤسسات تنفيذية وتشريعية وقضائية ومجلس لمصلحة النظام، مع مؤسسة عسكرية قوية؛ تقوى مع كل يوم بالعمل والتدريب والابتكار والتسليح المتطوّر، برًّا وبحرًا وجوًّا واستطلاعًا وأداءً.. ونهضة علمية عسكرية تضع العلماء قبل "العوالم" و"الغزاة" قبل "الغوازي.. وإعلام حرّ ينقل ما يجري في الدنيا، ويعرض كل ما يحدث.. وقبل ذلك وبعده يملك إرادة غلابة لا تُقهَر من أجل الاستقلال الحقيقي الذي لا يركع أمام الغزاة ولا ينبطح أمام الطامعين.
انتخابات الرئاسة الإيرانية العاشرة، ليست حدثًا عابرًا في زمن عابر وكلام عابر، ولكنها درس بليغ للقاعدين عن الجهاد المتراضخين للكسل، الذين يقولون لجيوشهم وعقولهم: لا تنفروا في الحر! ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ (التوبة: 81).
كان الرئيس التاسع- الذي أصبح الرئيس العاشر- صوت إيران المستقلة، حين تحدَّى الإجرام النازي اليهودي الغاصب، وشكَّك في المحرقة، وأنذر الكيان الصهيوني العدواني بالزوال، وشجع المقاومة الإسلامية الباسلة في لبنان وفلسطين، وتحدَّى الشيطان الأكبر، ولم يكن ذلك عن عاطفة خطابية هوائية أمام عدسات التلفزة وميكروفونات الإذاعة وصفحات الصحف الحكومية، ولكنه كان معتمدًا على الله أولاً، ثم العمل الجاد الدءوب الذي يقوم به شعب بأكمله، يعرف أهدافه، وغاياته وإن اختلفت وسائله ووسائطه، مع اقتناع كامل بأن "كرامة" المواطن الإيراني مقدَّمةٌ على كل الاعتبارات، وأن الوطن الإيراني يستحق التضحيات الجسيمة، وفي مقدمتها "الشهادة".. هل سمع المخلفون من الأعراب عن مفهوم الشهادة ومعطياتها في مجال الاستقلال وتعظيم القوة الروحية والإرادة الوطنية؟!
إن الذين يتصوَّرون أن حكومة إيران مجموعة من "الشيوخ أو الفقهاء" لا يدرون من أمور الدنيا شيئًا واهمون، ولا يعرفون ما ذا يدور في إيران الإسلامية ولا ما يجري في أحشائها من مخاضٍ يصنع دولةً إسلاميةً قويةً، لا يحكمها الفساد والزيف والتمييز بين الطبقة المتحكمة وبقية أبناء الشعب، وتفرض وجودها الحي والفعَّال على دول الإقليم، بل العالم بأسره، ويكفي أنها صنعت برنامجًا نوويًّا وسط حصار مشدَّد صنعته المؤسسة الاستعمارية والصهيونية، وفي مواجهة تهديدات صليبية غشوم يحركها التعصب والإجرام والرغبة في الهيمنة، واستطاعت الرئاسة التاسعة ومن قبلها الرئاسة الثامنة أن تفاوض الوحشية الاستعمارية ببراعة، وأن تستخدم الكرَّ والفرَّ، من خلال إرادة قوية، وإصرار أكيد وعزم راسخ، وعمل دائب يضيف إلى القدرة الإيرانية كل يوم قوة جديدة.
خرجت إيران بعد حرب مدمِّرة مع العراق، فُرضت عليها، واستمرت ثماني سنوات، أهلكت الحرث والنسل، ولكنها بدأت البناء والعمل حتى صارت شريكًا فاعلاً في الخليج والعراق وأفغانستان وباكستان والهند، ولم لا تكون شريكًا فاعلاً؟!
إنها القوة التي يحترمها العالم، أما الضعفاء فلا يحترمهم أحد، ولا يلقي إليهم بالاً حتى لو انبطحوا بزاوية مستقيمة، وقارِنْ بين كوريا الشمالية والدول العربية التي استسلمت للمؤسسة الاستعمارية العالمية بلا قيد ولا شرط؛ لترى أيهم أكثر كرامةً وأحق بالوجود؟!
لقد لجأ المخلَّفون من الأعراب إلى هجاء إيران، ونبش القبور عن معارك بين السنة والشيعة؛ ليصرفوا الأنظار عن تخلُّفهم عن العمل والجهاد واحترام شعوبهم وإرادة هذه الشعوب، وانبطاحهم المزري أمام الأعداء، ولو أنهم عملوا وجاهدوا وأخذوا بأسباب القوة كما طالبهم رب العزة سبحانه؛ لاستطاعوا أن يقطعوا لسان من يسبُّ أبا بكر وعمر، ويغلقوا فم من ينال من أم المؤمنين عائشة، ويجعلوا الناس يلتحقون بركب أهل السنة والجماعة، ولكنهم وا أسفاه تصوَّروا أن الهجاء والسبَّ والشتم عبر أجهزة الدعاية سيحُول دون إيران وتنفيذ ما تريد.
لو أنهم ساعدوا المقاومة الإسلامية العراقية الباسلة ما تدخلت إيران في شئون العراق، ولو أنهم شكلوا مقاومة إسلامية سنية قوية في لبنان ما انفرد حزب الله بالساحة هناك، ولو أنهم احتضنوا حماس والجهاد في فلسطين ما وجدت إيران قدمًا في الضفة ولا في القطاع، ولو أنهم جعلوا مهمة جيوشهم ووزارات داخليتهم تصبُّ في مواجهة العدو النازي اليهودي والعدو الوحشي الصليبي بدلاً من قهر شعوبهم ومواطنيهم لاحترمهم الغرب الاستعماري، وخشيتهم الصهيونية، ولكنهم.. يستبيحون دماء شعوبهم، وكرامة أهليهم، فلعب بهم الشرق والغرب، وانظر إلى ما يحدث الآن في باكستان على سبيل المثال.
أيها المخلَّفون من الأعراب.. حين تصبحون أقوياء فلن تزعجكم إيران ولا غير إيران، بل إنها يمكن أن تتحوَّل إلى قوة مضافة، تسندكم وتدعمكم وتسلِّم بمطالبكم حول الصحابة الأجلاء، وتصغى لما يقوله أهل السنة في الفقه والتشريع، وللأسف.. فأنتم ضعفاء أمام الخارج، لا تعرفون الرحمة في الداخل، فجعلكم الله عبرةً لمن لا يعتبر!.
