منذ أكثر من سنة مضت على برنامج المفوضية التعسفي بحق اللاجئين الفلسطينيين في البرازيل؛ البرنامج المبني على كل أُسس الكراهية والطغيان، على أساس تدمير وتفكيك اللاجئين على كافة الأصعدة المعيشية والنفسية والأُسرية، فما من برنامج إنساني يبيح إلقاء الناس في الشوارع وتشريدهم، كما بدأ يحدث الآن، ولطالما أثار هذا البرنامج حفيظة اللاجئ ومن حوله من الأشخاص المحايدين الذين لا تربطهم أي صلة برءوس الكذب والنفاق.

 

فما مصير نهاية هذا المطاف في بلد فيه ما يكفيه من الفقر والبطالة والفوضى؟!!.

 

اعتقدت رءوس النفاق والكذب أن في تفريق اللاجئين على شتى المناطق البرازيلية البعيدة عن بعضها، وتقطيع الوصل بينهم، متبعين في ذلك سياسة "فَرِّقْ تَسُد"؛ أن هذا سيكون الحل الأمثل؛ كي لا تطفو المشاكل على السطح، لكن سوء الوضع الذي يعيشه اللاجئون بكافة المناطق التي يسكنونها أصبح مثل البركان المكبوت الذي بدأ يغلي ويغلي إلى أن حانت لحظة الانفجار، وبدأ هذا البركان يصب غضبه في اتجاه واحد، وذلك إذا أكَّد إنما يؤكِّد أن مشكلة اللاجئين على الرغم من توزيعهم بمناطق مختلفة هي مشكلة واحدة.

 

وعندما حانت هذه اللحظة التي بدأ فيها اللاجئون البحث عن طريقة يوصلون فيها صوتهم، طريقة للتعبير عن الاستياء من الوضع المأساوي، طريقة في النهاية تحسم هذا الوضع، وتضع حدًّا لمعاناة تزداد يومًا بعد يوم؛ لم تلبث المسألة أن تطول، فمن الطبيعي أن الإنسان في بادئ الأمر في مكان جديد عليه لا يعرف فيه شيئًا، سوف يكون كالمقيد، لكن سوء الأوضاع التي عاناها اللاجئون جعلتهم يكسرون هذه القيود بأسرع وقت.

 

فمنذ الأشهر الأولى لم يكن اللاجئون راضين عن هذا الوضع، فكان وليد هذا المشروع الفاشل الاعتصام الذي بدأه بعضٌ من الإخوة المسنين والمرضى؛ احتجاجًا على سوء الأوضاع المتردية، وكذب وإهمال المفوضية والمؤسسات المشرفة عليهم؛ ليبدأ المنتفعون من المفوضية بتشويه الكلام والصور والحقائق؛ بحجة أن المعتصمين يطالبون مطالب غير واقعية بالذهاب إلى لندن وباريس، بينما كنا نرى أن المعتصمين يرفعون علم فلسطين، وكان مطلبهم الأساسي العودة إلى فلسطين، ولم يرفعوا علم باريس ولندن.

 

وأكبر برهان على أن الغرض من هذا الاعتصام والمطالبة من كافة الإخوة الرافضين للبقاء في البرازيل هو الخلاص من هذه المعاناة ومن هذا الظلم؛ أنه عندما أشاعوا مسألة إعادة اللاجئين إلى المخيمات في الصحراء، لاقى الموضوع الترحيب والفرحة العارمة من كافة اللاجئين، ألا يكفي هذا كبرهان على سوء الأوضاع التي يعيشها اللاجئون في البرازيل؟!.

 

لكن ماذا نقول؟! فالديمقراطية هنا تحتِّم على اللاجئ أنه- شاء أم أبى- يجب عليه قبول ما هو عليه الآن، وما سيكون عليه بعد أشهر قليلة!!.

 

ولمجرد أن لمس البعض حركة رفض واسعة من قبل اللاجئين ومطالبات قاطعة انحصرت بمطلب واحد هو الخروج من هذا الجحيم؛ حتى انهالت الألسن أحدَّ من السيوف، تقطع بمن طلبوا ذلك المطلب، وكأنهم يأخذون منهم شيئًا، فإذا كان هذا عشقًا للبرازيل، فنحن لسنا عشاقًا.. ولسنا ملزمين بذلك، لكم دينكم ولنا ديننا، وكلٌّ حر بما يراه لنفسه.

 

ازداد المعتصمون، وازدادت الحالات الإنسانية.. أطفال ونساء ومسنون ومرضى، ومفوضية هاربة من مسئولياتها، وطرد من مكان إلى مكان، وعندما تحرَّك القانون تحرَّك لطرد هذه العوائل بعد فرار المفوضية وعدم تحركها لنصرتهم، وهذا ليس غريبًا؛ لأننا كفلسطينيين نعرف أن مآسينا لا تحرك ساكنًا عند أحد ليتحرك لها القانون البرازيلي، وربما إذا تحرَّك القانون البرازيلي يتحرك ضد اللاجئين الفلسطينيين وليس معهم.

 

ما الذي نفهمه من هذا كله؟ هل هي تصرفات طائشة ليس لها مبرِّر من قِبل اللاجئين؟! أم هي نتيجة ظلم يقاسيه اللاجئون في البرازيل على أيادٍ طاغية، أم هي مثلما صرَّح الأرعن مدير المفوضية خافيير لأحد الصحف البرازيلية أن هذه ليست إلا مجموعة من المشاغبين؛ أم مثلما تصرِّح مؤسسة آساف المؤسسة التي لم تقل شيئًا حقيقيًّا لهذا اليوم بأن اللاجئين لا يريدون فعل شيء، ويريدون أن يتقاضوا رواتب مدى الحياة!.

 

ليطمئنوا من هذه الناحية.. لو أعطونا قصورًا ورواتب لأبناء أبنائنا، لن نتراجع عن مطلب الخروج من هذا البلد.

 

أصبح اللاجئون الفلسطينيون مشاغبين، ويريدون البقاء عالةً عليهم، ولربما يكونون هم المضطهدين، وفرَّت المفوضية من مكتبها؛ نتيجة اضطهاد اللاجئين لها.

 

إن اللاجئين الفلسطينيين في البرازيل يتعاملون مع أُناس في قمة النفاق والطغيان، ويتعاملون مع أُناس كالمجانين غير مسئولين عن تصرفاتهم، ولا يوجد من يحاسب على شيء، وبالذات من جهة اللاجئين الفلسطينيين لا دولة ولا قانون، الكل يغض النظر، وما دمنا تحدَّثنا عن مصير الشوارع والضياع في البرازيل، وفعلاً نرى اليوم لاجئين أصبح مصيرهم الشوارع وبقي الضياع.. فهل من محاسب؟!.

 

وهناك وضع مأساوي لمريض في فينانسيو أيريس المريض لؤي سمير عودة على أعتاب الموت في كل يوم يمضي عليه؛ نتيجة الأضرار في رئتيه، وعدم قدرته على التنفس، ويتم التلاعب بكل متعلقات هذا المريض، فمنذ أشهر قام مدير المفوضية خافيير، ومعه موظف يدعى فرناندو، بالإضافة إلى مديرة آساف، وبصحبتها بعض الموظفات من نفس المؤسسة بزيارة للاجئين، ومن ضمنهم الأخ لؤي سمير.

 

وأكد خافير أن حالة لؤي غاية في السوء، وأنه لن يعيش لأكثر من ثلاث سنوات، وأنه يجب أن يداوم على الأوكسجين بشكل متواصل، وسيتم إدراجه ببرنامج حكومي خاص بمثل هذه الحالات، وأنه سيتم تأمين ودفع مصاريف الأوكسجين وعلاجه، بالإضافة لأكاذيب أُخرى تصل من الأرض للسماء من هذا كله، ما الذي حدث؟!.

 

تمَّ دفع 50 ريالاً فقط لما يصرفه جهاز الأوكسجين من كهرباء، ومن جهة أُخرى تمَّ قطع غالبية الأدوية التي يستعملها، وقبل أسبوعين أفادت المؤسسة الملعونة أهل المريض لؤي أن رئتيه سليمتان، وليس فيهما شيء من أي مرض، وليس بحاجة للأوكسجين وأنه لا يعاني شيئًا، وأن هذا حسب تقارير طبية!!.

 

وأُحب أن أُوضح هنا أن حالة المريض لا تحتاج لتقارير طبية؛ فلمجرد النظر لها من قبل شخص عادي، وليس طبيب وبالعين المجردة، سيتضح مدى سوء حالته وحجم معاناته، لكن على ما يبدو أن هذه المؤسسة تنوي تزوير تقارير طبية لهذا المريض، تثبت فيها أنه لا يعاني شيئًا، ونحن نتمنى لو كان كذلك كي لا يعيش ذليلاً تحت رحمة من لا يرحم ولكن للأسف!.

 

إننا هنا في فينانسيو أيريس مهملون أشد الإهمال؛ حتى في المساعدات التي وزعتها السفارة الفلسطينية على اللاجئين جميعًا البالغة 100 دولار للفرد، تمَّ توزيعها على اللاجئين بكل مناطق سكنهم؛ من أكبر فرد إلى أصغر فرد إلا هنا، فأنا لدي عائلة مكونة من أربعة أفراد، تسلمت المساعدة عن ثلاثة فقط، وعند سؤال الشخص الذي سلَّم، قال: هذا ما وصل من السفارة، وعند الاتصال بالسفارة، أكَّدوا أنهم أرسلوا للجميع وسيرون الموضوع، وهذا الكلام قبل أربعة أشهر من الآن، ولم يردّ علينا أحد والعلم عند الله، وما خفي من معاناة  كان أعظم من ذلك!!.

 

ولو أردنا أن نلخِّص الكلام بمفردات واختصارات عن وضع اللاجئين في البرازيل؛ لن نجد سوى كلمات؛ مفادها: "مسنون، ومرضى، إهمال، وسوء أوضاع نساء وأطفال شوارع، وضياع، وكذب، ونفاق، ومصير مجهول"، أين يجد اللاجئ نفسه من هذه المفردات، وكيف يستبشر منها خيرًا؟!.

 

عوائل شُرِّدت في الشوارع، وعوائل لم تعد تطيق الوضع الذي تعانيه، أين يصب كل ذلك؟! وأين القانون الذي يتحدثون عنه؟! لماذا لا يتدخل قانون الديمقراطية الذي يدعون فيه لحل هذه المشكلات؟!، لم نر القانون هنا تدخَّل إلا لقمع اللاجئين الفلسطينيين ونصرة المفوضية.

 

لن يعيش لاجئ مرغمًا في أرض، يعاني فيها ورافضًا لها، إذا فهموا ذلك أم لم يفهموا..

هناك مؤامرة يشترك فيها الجميع هنا ضد اللاجئين الفلسطينيين؛ فإن غض النظر من قِبل الجميع على الإطلاق إذا كانت جهات برازيلية أو جهات أُممية أو سفارات، فإن ما يجري من عدم المبالاة بمريض أو معاق أو مسن؛ لم يحدث بسابقة أخطر من التي تحدث مع اللاجئين الفلسطينيين، بل أصبح دور الجميع هنا؛ إما المشاركة بأذية اللاجئين، أو غض النظر، والسكوت عما يحدث معهم، عدا المحاولات التي كانت قائمة من قِبل البعض من الكذب على اللاجئين بما يصب بمصلحة المفوضية والمؤسسات المشرفة على اللاجئين.

 

لكنَّ حبال الكذب قصيرة جدًّا، فلم يلبث الموضوع أن يطول، حتى انكشفت جميع الأكاذيب؛ فإن بلدًا بمثل أوضاع البرازيل لا يحتاج من الإنسان أن ينصت لما يقوله الآخرون، فلمجرد أن يعايش وضعه فترة بسيطة؛ حتى يرى الصورة الحقيقية فيه.

 

أيها الإخوة الأفاضل.. لا نعلم إلى متى يظل هذا السكوت على أوضاع متدهورة لأُناس لا يتحملون الإهمال أكثر من ذلك لمرضى بأمَسِّ الحاجة للعلاج؟!.

 

هناك سؤال يطرح نفسه: لو كان هؤلاء اللاجئون من جنسية غير الفلسطينية هل سيعامَلون بنفس هذه الطريقة؟!، ولماذا هذا السكوت.. السكوت البرازيلي.. سكوت المفوضية.. سكوت الإعلام.. سكوت السفارة والهيئات الفلسطينية؟ لماذا؟!.

 

ماذا ينتظرون؟! ينتظرون موت المرضى، ضياع الأطفال، ينتظرون رؤية اللاجئين الفلسطينيين الذين عاشوا مرفوعي الرأس طيلة حياتهم، يشرَّدون في شوارع البرازيل، ويبحث أبناؤهم في "المزابل" عما يسدُّون به جوعهم، أين الإنسانية؟! هل هذا هو البرنامج الإنساني؟!.

 

لقد قلناها لأكثر من مرة، وسنظل نقولها: أخرجونا من البرازيل من هذا الجحيم من ضياع مستقبل أطفالنا؛ من موت مرضانا، إننا نفضل العودة إلى المخيمات في الصحراء أفضل لنا مما نعانيه هنا، وإذا لم يسمعنا أحد، ولم ينصرنا أحد... لنا الله خير السامعين وخير الناصرين.