لست ممن يناورون ولا يزينون الكلام، ولست ممن يبحثون عن كلمات مبهمة للتعبير عن واقع أو حدث، وعليه، وبصراحة مطلقة فقد شعرت بارتياح كبير؛ بل لا أبالغ إن قلت سعادة كبيرة بعد سماع كلمة نتنياهو أمس، والتي جاءت- كما وصفها أركان أوسلو- "غير مفاجئة"؛ لكنها وضعت نقاط ما يسمى العملية السلمية على الحروف، وقطعت شك كل متشكك باليقين، ووضعت من يتمسكون ويتغنون بعملية السلام والمفاوضات على المحك.

 

لقد صنّف نتنياهو القضية الفلسطينية في آخر سلم أولوياته الثلاث، وحدد شروطه بوضوح شديد لا لبس فيه، وأسقط كل ثوابت قضيتنا بلا استثناء، فماذا بقي للمتباكين على السلام، الذين يضربون بعصا المحتل ويحمونه ويسهرون على راحته؟

 

لا دولة فلسطينية إلا بعد اعتراف العرب جميعًا بيهودية "إسرائيل" اعترافًا واضحًا موثقًا ضمن اتفاقيات، وبعدها تكون دولةً مسخًا منزوعةَ السلاح وبلا سيادة، وبسيطرة "إسرائيلية" برًّا وبحرًا وجوًّا، والقدس عاصمة موحدة أبدية لـ"إسرائيل"، واللاجئون مشكلة تُحل بعيدًا عن نتنياهو وكيانه، والمستوطنات باقية وستتوسع، والمستوطنون مساكين لا خطر منهم! أهناك أوضح من ذلك؟ هل بقي بعد ما قاله هذا المتطرف العنصري كلام يقال؟

 

بالمناسبة فإن موقف نتنياهو هذا هو موقف جميع الحكومات والأحزاب الإسرائيلية دون استثناء، إلا أن بعضهم يضحك ويقبل ويعانق، ويضرب ويتوسع ويغتال، وبعضًا آخر يمارس دور الحمَل الوديع المسالم، ويتبنى ذات الأفكار، والبعض الأوضح هو بعض نتنياهو وقبله شارون وبعده آخرون، المحصلة أن هذا هو سقف السلام المزعوم لديهم، لا يحيدون عنه وإن تعددت الوجوه والوسائل.

 

وبالمناسبة أيضًا فإن هذا هو موقف الإدارة الأمريكية، وعلى ذات الطريقة كانت الإدارة السابقة تتعامل بالخشونة، وجاءت الإدارة الحالية بالليونة، كان لديهم رئيس مليء بالرعونة، وجاء آخر يتعامل بالمرونة؛ لكنه أيضًا ورغم معسول الكلام أكّد ويؤكد دون مواربة على كل ما سبق، ولمن أعجبته وأبهرته كلمة أوباما في القاهرة واعتبرها فتح الفتوح، وهي التي جاءت خالية من أي مضمون أو وعد، ليستمع ويشاهد ما سبق وصرح به وبشكل أيضًا واضح وضوح الشمس، وبوعود لا تختلف إطلاقًا عما سمي في حينها وعد بوشفور (نسبة إلى بوش- بلفور)، وذلك في شهر أبريل/ نيسان من العام 2004م، يومها رفض الجميع كلام بوش، واليوم يرحبون بمبادرة أوباما، وقبلها كان رابين وأولمرت وليفني شركاء سلام، واليوم نتنياهو نصاب ومحتال وكذّاب كما صرح عبد ربه، والجوهر والمضمون لجميعهم واحد. (راجعوا هذا الشريط لأوباما) (http://www. youtube. com/watch?v=67N3UtMy75U ) لم يسدد نتنياهو ضربة لعملية السلام كما صرح أقطاب أوسلو، فهي عملية فاشلة عبثية مقيتة لم تحصد سوى ضياع الحق الفلسطيني، وظهور طبقة من العملاء في ثوب الأتقياء، دعاة النضال والوطنية، لكن الضربة الحقيقية هي للواهمين الحالمين اللاهثين وراء سراب التسوية السلمية.

 

نعم وضعهم نتنياهو في خانة اليك، ولم يترك لهم إلا منفذًا واحدًا، لن يبقى مفتوحًا للأبد، هذا المنفذ الوحيد هو العودة للأصالة، إلى حضن الشعب، إلى الحقوق والثوابت، إلى التوبة النصوح على ما اقترفوه ويقترفونه، إلى العودة لجاد الصواب، إلى ترك المحتل والتعاون والتنسيق معه، إلى الاعتذار عن كل جرائمهم وتفريطهم، إنه قطار الوطنية والأخلاق والشرف الذي قفزوا منه وتركوا ما فيه، لكنه القطار المتحرك الذي لا ينتظر كثيرًا.

 

لكل ذلك شعرت بالسعادة بعد أن أُسقط في يد "السلاميين"- نسبة لعملية السلام- لأنني وبصراحة أكبر وأشد من تلك في بداية هذا الموضوع أنتظر- وبشماتة كبيرة- موقفهم، أنتظر تصريح عبّاس القادم أو أي من أركان زمرته، أنتظر يوم تنتهي صلاحيته فيُحاصر كسلفه، وأنتظر حديث أي منهم عن الثوابت والحقوق التي ستنتزع بالنضال التفاوضي، هذا التعبير السخيف الذي باتوا يرددونه بعدد أنفاسهم، أنتظر حديثهم عن شركاء في سلام الشجعان المزعوم.

 

إنها ربما- ونقول ربما- الفرصة السانحة ليتخذوا موقفًا رجوليًّا وطنيًّا واحدًا، ربما الفرصة الأخيرة، وقد قلنا الأخيرة مرات ومرات، نهجهم فاشل، ومفاوضاتهم أفشل، ورهانهم على عدوهم خاسر، ومعاداتهم لأبناء شعبهم والتنكيل به لعنة ستلاحقهم طال الزمن أو قصر، ونتنياهو قصّر عليهم الطريق كثيرًا، ألا يحق لنا بعدها أن يُسعدنا خطابه؟

 

عدو متطرف شرس واضح، أفضل مائة مرة من عدو ثعلب خبيث يبتسم في وجوههم ويطعنهم في ظهورهم، وكلاهما مجرم، أفلا يعقلون؟

لا نامت أعين الجبناء..

---------

* DrHamami@Hotmail. Com