أسامة جادو

 

أسجل بدايةً أن المشاركة السياسية في العالم العربي ومصرنا الحبيبة ضعيفة للغاية؛ يستوي في ذلك مشاركة النساء والرجال، وهذا الضعف يعود لأسباب عديدة؛ منها ما هو متعلق بالمناخ السياسي الذي يسود عالمنا العربي وفي المقدمة منه مصر، وشعور الشعوب بصعوبة الإصلاح وضعف الأمل في التغيير السلمي عبر صناديق الانتخاب، وكثرة العقبات القانونية والاجتماعية والاقتصادية التي تحُول دون تفاعل غالبية الشعب وانخراطه في الممارسة السياسية.

 

والمرأة جزء من المجتمع، ويسري عليها ما يسري على بقية المجتمع وإن كانت مشاركتها السياسية أقل من الرجل، إلا أن الفترة السابقة شهدت بعض التحولات الإيجابية نحو تفعيل مشاركة المرأة في العمل السياسي، وكافة التيارات السياسية المصرية التفتت إلى ذلك الأمر، وأولت قضايا المرأة أهميةً بالغةً، ورأينا التيار الإسلامي- ممثلاً في الإخوان المسلمين- يأخذ زمام المبادرة ويقدم المرأة مرشحة في النقابات المهنية والعمالية ومجلس الشعب والمجالس المحلية، فضلاً عن المشاركة الواضحة للمنتميات للإخوان في فعاليات الانتخابات البرلمانية وخاصة دورتي (2000، 2005)م.

 

(1)

ويُطرح على ساحة التشريع الآن قضية هامة وهي تخصيص عدد من مقاعد مجلس الشعب للمرأة عبر دوائر انتخابية تتنافس فيها المرأة دون الرجال، وهذا النظام ليس بجديد، بل سبق أن طبق في الحياة السياسية عام 1979م حين صدر القانون رقم 21 لسنة 1979م بتخصيص ثلاثين مقعدًا للمرأة عبر ثلاثين دائرة انتخابية، وقد تمَّ العدول عن ذلك النظام في الفصل التشريعي الرابع حين عرفت مصر نظام القوائم الحزبية، وفي الآونة الأخيرة تجدد الحديث بقوة عن عودة نظام الحصة (الكوتا) وتخصيص عدد من المقاعد النيابية للمرأة على سبيل الدعم التشريعي والتمييز الإيجابي تعويضًا للمرأة عن ضعف تمثيلها النيابي في الفترات الماضية.

 

فما هي مبررات هذا النظام؟ وهل يتوافق مع الدستور المصري؟ وهل تصلح المادة 62 من الدستور أن تكون ظهيرًا دستوريًّا لنظام الحصص؟ وما هي التصورات البديلة لتفعيل المشاركة السياسية للمرأة؟

 

(2)

تتلخَّص مبرِّرات نظام تخصيص حصة من المقاعد النيابية للمرأة (الكوتة) في التغلب على العقبات التشريعية والاجتماعية التي تحُول دون تمثيل المرأة نيابيًّا بنسبة متكافئة مع عددها في المجتمع، وذلك عن طريق التمييز الإيجابي الذي يعطي دفعةً للمشاركة السياسية للمرأة، ويضمن لها حدًّا أدنى من التمثيل النيابي، ويرمز لها بتكافؤ النتائج بديلاً عن تكافؤ الفرص.

 

ويؤكد أنصار نظام (الكوتة) توافقه مع الدستور، وأنه ويلبي احتياجات المرأة المصرية، ويراعي مصالحها دون إهدار لحقوق المساواة بين المرأة والرجل، ويتعللون بأن تطورات المجتمع المصري والاتجاهات والميول السياسية لدى الناخب المصري بطيئة جدًّا في تحولها تجاه المرأة، وأن على المرأة المصرية أن تنتظر عقودًا ودهورًا من الزمن حتى تحظى بالثقة الكاملة من الناخبين الذين يصوِّتون عادة للرجل ويستوي في ذلك الناخبون والناخبات.

 

(3)

وعلى الجانب الآخر يؤكد الكثيرون من معارضي نظام الكوتة (وأغلبهم من القانونيين)، أن نظام الكوتة مخالف للدستور ومعارض للمبادئ الدستورية العامة.

 

فهذا النظام يخل بمبدأ المواطنة

وهو من المبادئ التي نصت عليها المادة الأولى من الدستور "جمهورية مصر العربية دولة نظامها ديمقراطي يقوم على أساس المواطنة".

 

فالمواطنة عقد دستوري بين المواطن والوطن بمقتضاه يصير جميع المواطنين سواسية متساوين في الحقوق والواجبات، وتخصيص عدد من المقاعد النيابية لفئة دون غيرها يهدِّد مبدأ المواطنة ويهدر حقوق باقي المواطنين.

 

هذا النظام يخل بمبدأ تكافؤ الفرص

وهو مبدأ دستوري هام، وعنوان دستورية الدولة وتحضرها، وقد نصت المادة الثامنة من الدستور على "تكفل الدولة تكافؤ الفرص لجميع المواطنين" وهذا التزام الدولة عبر مؤسساتها العامة أن تكفل تكافؤ الفرصة لجميع المواطنين "دون تمييز سلبي أو إيجابي، ويتساوى الجميع أمام الفرص المتاحة" فإذا ما اتجهت مؤسسة التشريع إلى إقرار نظام انتخابي يتيح للمرأة عددًا من المقاعد النيابية تقتصر المنافسة عليها بين النساء فقط دون الرجال، فهذا هدرٌ لحقوق الرجال في الفرص المتاحة وشل أيديهم عن المنافسة على تلك المقاعد، ولا شك أن هذا الهدر يخالف الدستور.

 

هذا النظام يخل بمبدأ المساواة ويعد تمييزًا بين المواطنين بسبب الجنس

فمبدأ المساواة بين المواطنين مبدأ دستوري هام نصت عليه المادة الأربعون من الدستور "المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة"، والمساواة في الحقوق تقتضي معاملة كافة المواطنين معاملة واحدة لكافة ما يقرره القانون من حقوق وحريات عامة وعلى الأخص الحقوق السياسية من انتخاب وترشيح وتمثيل نيابي.

 

فكيف يتساوى المواطنون أمام القانون في الحقوق والواجبات العامة دون تمييز بينهم، ثم يأتي التشريع فيحابي فئة من المواطنين دون غيرهم، ويقرر لهم حقوقًا قاصرة عليهم، ويحظر على غيرهم مشاركتهم فيها؟

 

إن خضوع الدولة للدستور يستلزم أن كل ما يصدر من مؤسسات الدولة يراعي المبادئ العامة للدستور، ويتوافق معها دون مخالفة، وفكرة (الكوتة) تناقض المبادئ العامة للدستور وخاصة مبدأ المواطنة ومبدأ تكافؤ الفرص ومبدأ المساواة دون تمييز.

 

فخضوع الدولة للدستور والقانون هو أساس دستورية الدولة وعنوان دولة المشروعية.

 

(4)

وتبقى مسألة هامة

هل تصلح المادة 62 من الدستور أن تكون سندًا دستوريًّا وظهيرًا لنظام الكوتة؟
أم أن ذلك متوقف على مدى توافق النظام المقترح مع المبادئ العامة للدستور وقد أسلفنا الحديث عنها؟

 

الراجح عندي: أن المادة "62 دستور" مادة مستحدثة أضيفت إلى الدستور ضمن تعديلات مارس 2007م والمادة أجازت أن يأخذ القانون بنظام يجمع بين النظام الفردي ونظام القوائم الحزبية وأن يتضمن حدًّا أدنى لمشاركة المرأة في مجلسي الشعب والشورى.

 

ولي ملاحظتان هامتان على المادة 62 دستور:

الأولى: أن المادة المذكورة لا تتناول صراحة نظام الكوتة، بل أجازت أن يتضمن القانون حدًّا أدنى لمشاركة المرأة في المجلسين، ولم تحدد صورة الضمان ولا كيفية المشاركة.

 

الثانية: أن ضمان الحد الأدنى لمشاركة المرأة في مجلسي الشعب والشورى ينبغي أن يكون منضبطًا بالمبادئ العامة للدستور ودون إخلال بها، فهناك مبادئ عامة نص عليها الدستور وأوجب على مؤسسات الدولة احترامها وعدم مخالفتها، ويقع على عاتق السلطة التشريعية أن تصدر القوانين والتشريعات التي تجعل المبادئ العامة الواردة في الدستور مطبقة، ولا تصدر تشريعات تخالف تلك المبادئ الدستورية العامة.

 

ولذلك..

أقرر أن المادة 62 دستور لا تكفي أن تكون سندًا دستوريًّا لنظام تخصيص حصة من المقاعد النيابية للمرأة (الكوتة) وذلك لإخلال هذا النظام بمجموعة من المبادئ الدستورية العامة.

 

وختامًا.. إذا كنا نؤكد جميعًا أهمية تفعيل دور المرأة المصرية والارتقاء بمشاركتها السياسية وزيادة فاعليتها ومن ثمَّ زيادة تمثيلها النيابي؛ فهذا يتطلب إزالة كافة المعوقات وإزاحة جميع العقبات التي تسمم المناخ العام وأجواء العمل السياسي والحزبي.

 

فالمرأة ليست وحدها من يحال بينها وبين التمثيل النيابي؛ بل هناك شرائح وفئات كثيرة في المجتمع المصري انعزلت عن العمل السياسي ونأت بنفسها عن المعترك النيابي وهجرت العمل العام في مصر.

 

كما أن تقرير مزايا إيجابية من قِبل الدولة للأحزاب والقوى السياسية التي تدفع بالمرأة المصرية وتقدمها في قوائمها وترشيحاتها ومواقعها؛ أمر من شأنه توسيع وتنمية قدرات ومشاركة المرأة المصرية في الحياة السياسية.

------------

** عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين وعضو اللجنة التشريعية بمجلس الشعب.