![]() |
|
البدوي عبد العظيم البدوي |
وما من شك في أن صانعي السياسة والقرار الأمريكي قد وجدوا فيه ضالتهم المنشودة؛ لما يتمتع به من مهارات مختلفة، ليكون رمزًا للتغيير في أمريكا، مما يُعطي الإحساس لشعوب العالم بأن أمريكا بالفعل قد تغيَّرت تغيرًا جذريًّا؛ حتى إنها انتخبت رئيسًا أسود ولعائلة جذورها إسلامية، فلا يوجد تغيير بعد ذلك، بل هو زلزال أكثر منه تغيير.
ولا أخفيكم سرًّا أنني- ورغم علمي بعمق وطبيعة الصراع- انتظرت الكثير من التغيير في السياسة الأمريكية بجلوس هذا الرئيس في المكتب البيضاوي، خاصة بعد الشعارات التي قام برفعها وتابعناها أثناء حملته الانتخابية؛ إلا أنني بدأت أفيق شيئًا فشيئًا، وعلى مراحل بدأت قبل أن يتولى أو يتسلَّم دفة الحكم في الولايات المتحدة، حين اجتاحت عصابات (الهمج) الصهيونية أراضي غزة، محاولةً إذلالها، وطُلب من أوباما التعليق على تلك المجزرة، فرفض التعليق عليها؛ لأنه ليس رئيسًا حتى تاريخه!!، وانتظرت مع المنتظرين حتى يتم تشكيل الإدارة الأمريكية الجديدة؛ كي أتعرف على المساعدين الذين سيختارهم فيها؛ فإذا به يختار يهوديًّا، ليتولى تشكيل تلك الإدارة، ثم يبقي على عددٍ كبيرٍ من المساعدين المنتمين للحزب الجمهوري، والذين ساعدوا بوش في سياسته القديمة، والتي تسببت في إشعال فتيل الكراهية لأمريكا عقب الحروب التي شنَّتها على دول العالم المختلفة، فيما سُمي بالحرب على الإرهاب وفي تصريحات لبوش الصغير (الحرب الصليبية على الإسلام).
وأمام ذلك التراجع لشعبية الولايات المتحدة الأمريكية والزلزال الاقتصادي الذي تعرَّضت له فيما سُمي بالأزمة الاقتصادية أو المالية العالمية (والتي تُعتبر وفي حقيقة الأمر عملية سرقة جديدة تقوم بها الولايات المتحدة بعد سرقة الغطاء الذهبي للعملة الأمريكية)، وما لحق بها من تداعيات فقدان الثقة؛ لذا كان لا بد من تحسين صورة الولايات المتحدة في العالم، فكانت فكرة الخطاب الذي كان الجميع ينتظره أملاً أن يجد فيه تغييرًا حقيقيًا في الإستراتيجية الأمريكية ونظرتها للعالم؛ خاصةًَ العربي والإسلامي.
وجاء الرئيس الأمريكي إلى العالم العربي والإسلامي؛ ليوجه رسالته إلينا من على منبر جامعة القاهرة، وبرفقته حملة دعائيةً ضخمةً أعطتنا الإحساس أن ما سوف يقوله أوباما سيمثل تغييرًا جوهريًّا في السياسة الأمريكية تجاه العالم العربي والإسلامي، وتراجعًا عن خطاب الحرب الذي تبناه بوش الصغير قبل أن يترك الرئاسة، فانتظرنا الفرج، وجلسنا أمام شاشات التلفاز، فلم نجد إلا ترديدًا لعباراتٍ عامةٍ ومفاهيم كُلية من تلك التي يتم تداولها حول الموائد المستديرة وحوار الحضارات، وليست أسسًا للتحول في السياسة والإستراتيجية الأمريكية تجاه العالم العربي والإسلامي.
لم يتحدث الرئيس الأمريكي بالتفصيل- الذي ينبئ عن عدم تغير في السياسة الأمريكية- إلا فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وعلاقات العرب باليهود، في محاولة لوضع النقاط فوق الحروف، ولما كان السيد أوباما قد تحدث عن الصراحة والوضوح في الحوار، وما دمنا استمعنا إلى وجهة نظره فيما يخص طبيعة الصراع بين العرب واليهود؛ لذلك فلا بد من أن يستمع السيد أوباما إلى وجهة نظرنا كشعوبٍ حول تلك القضية وبذات الصراحة التي طلبها.
فعلى الرغم من نبرة الحديث العالية التي يتحدث بها الرئيس الأمريكي مؤخرًا تجاه الكيان الصهيوني، والتي تعتبر أقوى وأعلى نسبيًا من تلك التي كان يستعملها سلفه، وهو ما يمكن اعتباره أمرًا إيجابيًّا؛ خاصةً مع وجود اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، والذي يُحرِّك السياسة الأمريكية؛ إلا أن المنطلقات التي أقام عليها أوباما موقفه من الفلسطينيين وقضيتهم قد جاءت مُخيبةً للآمال ومليئةً بالمغالطات والتناقضات عبَّرت وبوضوح عن مدى اتساع الهوة بين الموقف الأمريكي والموقف العربي والإسلامي للصراع العربي الصهيوني.
