منذ قام الكيان الصهيوني منذ ستين عامًا على أنقاض دولة فلسطين العربية المسلمة والجسم العربي يلفظه كما يلفظ الجسم البشري العضو الغريب المزروع فيه، ومن يومها وهو يحاول والدول الاستعمارية الكبرى التي زرعته في هذه المنطقة أن يكسر الحصار المفروض عليه، ويدفع ولو حكومة عربية واحدة إلى الحديث معه في العلن والتعاون معه في أي مجالٍ من المجالات؛ تمهيدًا للاعتراف به، ولكنه لم يفلح لمدةٍ طويلة.

 

وكان هذا هو الموقف الطبيعي، فهؤلاء القوم عانوا المذابح والاضطهاد والتهجير من كثير من دول أوربا؛ نتيجة سلوكهم المادي والأناني فى تلك البلاد، وما من مرة حاق بهم العذاب، وطُردوا من حيث يقيمون، إلا ووجدوا دولة الخلافة الإسلامية ملاذًا آمنًا وموئلاً مطمئناًّ لهم يمنحهم بجانب الأمان فرص العمل والإقامة والكرامة والتملك؛ بل ووظائف الدولة أيضًا، ثم إذا بهم يهاجرون بمئات الآلاف من كلِّ دول العالم إلى فلسطين تحت دعوى الرغبة في حياة مسالمة بجانب أهل فلسطين دون إزعاجٍ أو عدوان في الوقت الذي كانوا يخططون للاستيلاء على كل فلسطين، بل وإقامة مملكة صهيون من النيل إلى الفرات، وتآمروا في ذلك مع الإمبراطورية البريطانية التي كانت تحتل فلسطين فمنحتهم بريطانيا وعدَ بلفور وسهلت لهم كل سبل الهجرة، وسمحت لعصاباتهم المسلحة بالاستيلاء على الأراضى والقرى العربية بعد قتل سكانها العرب أو طردهم وحرق ديارهم، فوقعت مجازر تشيب لهولها الولدان، وعندما انتفض الشعب الفلسطيني بإمكاناته الضعيفة في ثورات عديدة ابتداءً من انتفاضة القدس 1920م مرورًا بانتفاضة يافا 1921م إلى ثورة البراق 1929م إلى الثورة الفلسطينية الكبرى التي استمرَّت من 1936م وحتى 1939م قمعتها القوات البريطانية بالحديد والنار.

 

وعندما اطمأنت إنجلترا أن الصهاينة أنشأوا جيشًا قويًّا من مجموع العصابات المسلحة وأمدَّته الدول الغربية بالأسلحة والذخائر والطائرات والدبابات انسحبت من فلسطين فأعلن الصهاينة قيام دولتهم، وانطلق جيشهم يتوسع ويستولي على الأراضي، ويقتل السكان العزل أو يدفعهم للهجرة تاركين خلفهم كل شيء، وحتى عندما تدخلت جيوش عربية لم تستطع صد الصهاينة وإن كان المتطوعون قد أبلوا أحسن البلاء في هذه المعارك وعلى رأسهم متطوعو الإخوان المسلمين، إلا أن النتيجة أن الصهاينة استولوا على حوالي 80% من أرض فلسطين ومن يومها لم تعرف المنطقة هدوءًا ولا استقرارًا، فالدولة الصهيونية دولة عدوانية عنصرية استيطانيةً توسعيةً تسعى لجلب يهود العالم ليعيشوا فيها، وتسعى لطرد مَن بقي من العرب والمسلمين منها؛ لتكون دولة يهودية خالصة، ومن ثَمَّ لم يتوقف عدوانها على الدول المحيطة بها للاستيلاء على الأراضي والمياه.

 

وبقيامها حقق الغرب الاستعماري كثيرًا من أهدافه، فقد تخلَّص من المشكلة اليهودية وصدَّرها إلى الشرق، وأقام عازلاً قويًّا بين الدول العربية الإفريقية والآسيوية أو بين مصر والشام على وجه الخصوص؛ مما يحول دون قيام دولة عربية قوية سبق لها أن هزمت الصليبيين في العصور الوسطى، وأوجد عنصرَ تهديدٍ لدول المنطقة يدفعها للارتماء في أحضان الغرب طلبًا للأمان، ومن ثَمَّ أمِن على استمرار إمداد البترول وفتح الأسواق واستنزاف الأموال، إضافةً إلى التقاء عقدي بين اليهود والبروتستانت؛ فكل منهما ينتظر (مسيحه) وكل منهما يعتقد أنه لن يبعث أو لن ينزل إلا إذا قامت دولة اليهود في فلسطين.

 

وظلت هذه الدولة العنصرية في دورها العدواني فاشتركت في مؤامرة العدوان الثلاثي على مصر 1956م ثم قامت بالعدوان على مصر وسوريا والأردن سنة 1967م، واحتلت سيناء والجولان والضفة الغربية للأردن والقدس الشريف، وارتكبت جرائم بشعة في كلتا الحربين، فقد قتلت الأسرى المصريين ودفنت بعضهم أحياء، ثم استمر عدوانها على مدن القناة وأماكن مدنية داخل مصر، ومع ذلك رفض العرب الاستسلام لها أو الاعتراف بها، وإنما استمروا في المقاومة وحرب التحرير حتى جاءت حرب 1973م فانهزمت الدولة العبرية عسكريًّا وتراجعت داخل سيناء، وعند التوظيف السياسي لهذا النصر الأول على الصهاينة تدخلت الولايات المتحدة الأمريكية بكل ثقلها كي توقع مصر وحدها اتفاقية سلام مع الكيان الصهيوني تعود بمقتضاه سيناء إلى مصر منزوعة السلاح منقوصة السيادة في مقابل إقامة علاقات كاملة مع ذلك الكيان المغتصب، تاركة الدول العربية الأخرى المحتلة أراضيها تواجه مصيرها بمفردها بعد أن خرجت مصر تمامًا من معادلة الصراع العربي الصهيوني، وكان هذا الخروج مشجعًا لهذا الكيان المغتصب على اجتياح لبنان واحتلال بيروت وطرد المقاومة الفلسطينية منها، إضافةً إلى إقامة مذابح صابرا وشاتيلا قُتل فيها مئات الفلسطينيين والفلسطينيات، واغتصبت الفتيات، ثم قامت أيضًا بتدمير المفاعل النووي العراقي، وأغارت على مواقع مختلفة داخل سوريا، ليس ذلك فحسب بل إنَّ مصرَ نفسها عانت من تجسسها عليها في مختلف المجالات وقتل بعض جنودها على حدود سيناء والعبث بمياه النيل بالتعاون مع بعض دول المنبع الإفريقية، وإشاعة الفتن في السودان التي تعد الامتداد الإستراتيجي لمصر؛ بل وصل الأمر إلى حدِّ التهديد بتدمير السد العالي وإغراق الوادي والدلتا.

 

إضافةً إلى الاستيلاء على القدس والسعي لتهويدها وتدنيس المسجد الأقصى ومحاولة هدمه، ومنع كثير من المسلمين من الصلاة فيه في تحدٍّ واضحٍ واستخفاف شديد بمشاعر ملايين المسلمين في بقاع العالم، إضافةً إلى امتلاك مائتي رأس نووية تهددنا بها صباح مساء.

 

ومع ذلك كله فما زالت هذه الدولة تبحث عن أمنها وتعقد الاتفاقات والتحالفات وتأخذ الضمانات من الولايات المتحدة الأمريكية والدول الكبرى في العالم للحفاظ على أمنها رغم أن الدول العربية مجتمعة لا تمثل خطرًا عليها؛ لكنه شعور اللص المغتصب الذي يشعر دائمًا بالقلق ما دام صاحب الحق موجودًا ويرفض التنازل عن حقه مهما كان ضعيفًا ولا يستطيع استرداد حقه في الوقت الحاضر.

 

فيمكن للظالم القوي أن يفرض الأمر الواقع على المظلوم الضعيف، بيد أن هذا الأمر الواقع يظل غير شرعي، إلا أن يتنازل صاحب الحق عن حقِّه ويقر بشرعية الاغتصاب.

 

ولقد أقرَّت الدول العربية في مؤتمر قمتها في بيروت 2002م مبادرة أسمتها مبادرة للسلام مع الكيان الصهيوني المغتصب تقر له بحقه في اغتصاب 80% من أرض فلسطين إن هو وافق على الانسحاب من 20% منها التي احتلها 1967م، إضافةً إلى اعترافها بهذا الكيان، وإقامة علاقة كاملة معه ليست على مستوى الدول العربية فقط، وإنما على مستوى الدول الإسلامية أيضًا، والتي تزيد عن خمسين دولة، ومع ذلك يتدلل هذا الكيان ويستعلي على هذا العرض؛ مما يدل على مدى الهوان الذي وصلت إليه الأمة العربية ومدى الصلف الذي يتسم به هذا الكيان الذي كان يتطلع إلى اعتراف دولة واحدة به، ويدل على أن هذا الكيان له مشروعٌ عنصري تَمَثَّل في سعيه لجعل دولته دولة خالصة لليهود بمعنى أنه يتطلع لطرد مَن بقي فيها من العرب والمسلمين، كما أنه مشروعٌ استيطاني توسعي يتمثل في الاستيلاء على أي أرضٍ تقع تحت أقدامه يقيم فيها مستعمرات ويجلب إليها يهود العالم.

 

في ضوء كل هذه الحقائق فإن العلاقات الطبيعية بيننا وبين هذا الكيان لن تكون إلا علاقة العداوة والبغضاء والسعي لاسترداد الحق وتطهير المقدسات وعودة اللاجئين إلى ديارهم وعدم الاعتراف به أو منحه الشرعية التي يصبو إليها، وإن كنا اليوم ضعافًا لا نستطيع فلا يصح أن نصادر على حقوق الأجيال القادمة في السعي لاستخلاص أرضها ووطنها ومقدساتها.

 

هل هناك إنسان ذو فطرة سليمة وإنسانية طبيعية وإحساس قويم يرى أهله يبادون ويشردون ووطنه ودياره وأمواله تُغتصَب وأجياله ومستقبله ومستقبلهم يضيعون ثم يحب قاتلهم وطاردهم وغاصبهم ومذلهم ويرحب به ويعترف به.

 

هل من الطبيعي أن يجتمع الماء والنار، أو الحق والباطل، أو الخيانة والأمانة، أو القاتل والمقتول، إن الذي يطالبنا بالنسيان والتسامح ودماؤنا لم تجف بل ما تزال تنزف ومقدساتنا تدنس وتهود وأوطاننا وخيراتنا ينعم بها الغرباء والقتلة ونحن نعيش في الخيام في الحر والقر ولا نجد مقومات الحياة لنا ولأبنائنا إنما يطالبنا أن نكون غير طبيعيين وقديمًا قال الشاعر:

ومكلف الأشياء ضد طباعها        ...      متطلب في الماء جذوة نار

والله عز وجل يقول: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ﴾ (البقرة: من الآية 191)، وهل يملك فرد أو أفراد أو حتى جيل أن يتنازلوا عن وطن؟ ثم لماذا لم يتسامح الأمريكان إزاء إنجلترا وثاروا عليها وطردوها باعتبارها دولة احتلال؟ ولماذا لم يتسامح الغرب إزاء دول المحور حينما احتلت أوروبا، وأصر على أن يهزمها ويدمرها؟ ولماذا لم يتسامح اليهود وتعقبوا النازيين في كل مكان في العالم، واختطفوا مَن استطاعوا اختطافه منهم وحاكموهم وأعدموهم؟

 

ثم لماذا يذكروننا بالهولوكوست (المحرقة) النازية لليهود؟ هل نحن الذين فعلناها أم أن الأوربيين هم الذين اضطهدوا اليهود عبر تاريخهم وآخرهم الألمان؟

 

وما جريرتنا حتى يُنزلوا بنا محرقة أشد وأنكى طيلة قرنٍ من الزمان ويغتصبوا أوطاننا ومقدساتنا؟

 

إنني أرى نشاطًا محمومًا وناعمًا وخبيثًا لتصفية قضية فلسطين في ظل الهوان العربي وغيبوبة المسلمين لمنح الصهاينة الشرعية لكل ما اغتصبوه في مقابل منح الفلسطينيين وهمًا اسمه دولة عبارة عن مساحات مقطعة بالجدار العنصري، مجردةً من السيادة والسلاح وإسقاط حق العودة لخمسة ملايين فلسطيني في الشتات، وحرمان المسلمين من السيادة على مقدساتهم.

 

ولذلك فأدعو العرب والمسلمين والفلسطينيين إلى رفض الخديعة بالحلول المنقوصة، والاستمساك بالحق الكامل، وإعادة القضية إلى وضعها الصحيح، فهي قضية العرب والمسلمين وليست قضية الفلسطينيين وحدهم، فهذا هو التطبيع الحق، وليس ما يريده المغتصبون والظالمون أن تُسوَّى القضية بثمنٍ  بخس، فهذا لا تقره طبيعة صحيحة ولا فطرة سليمة ولا شرع ولا دين ولا حتى قانون.

 

إن الذي يمثل الحق والعدل والتطبيع الحقيقي إنما هو موقف المقاومين من الفلسطينيين، وواجب العرب والمسلمين هو دعمهم وكسر الحصار عنهم ونصرتهم بكل وسائل النصرة، فذلك هو التطبيع.

------------

* عضو مكتب الإرشاد