إن محنة الزمن الذي يعيشه العالم العربي والإسلامي تفرض على كل مثقفٍ منتمٍ أن يُسهم بقدرٍ في صناعة وعي بمخاطر المرحلة التي لا مزاحَ يكتنفها أو يُحيط بأجوائها.
وقد يصح أن نقرر أن مهمة كل مسلم معاصر في تنمية الوعي العام بمخاطر المرحلة التي تكتنف الحالة الإسلامية صارت ضرورةَ وقتٍ، وغدت فريضةَ دين ربما يعلو فوق ما يسميه الجهاز الاصطلاحي لعلم الأصول باسم الفروض الكفائية.
ولعله من المفيد أن نقف أمام مجموعة من العلامات الدالة في هذا الخطاب الذي يمثل بحق نموذجًا مهمًّا لما يسمى باستثمار اللسان في الحروب المعاصرة حتى صح أن نستنبط أن استثمار إنجازات اللغة تكاد تضارع إنجازات القذيفة أو القنبلة، وهو ما يصح معه أن نقرر أن علوم اللسان صارت جزءًا من الآليات في ركب حركات الاستعمار.
إن هذه البلاغة التي بدت ملامحها في بناء نص الخطبة وحسن تقسيمها، واستثمار الوقفات المختلفة، واستثمار النبر والتنغيم في سياقات مخصوصة يُعيد إلى الذهن المخاطر الحقيقية التي يمكن أن يحققها سحر الكلام، وهو بعض ما فهمه شُرَّاح السنة النبوية تعليقًا على حديث أبي داود "أسجعًا كسجع الجاهلية؟!" في الإنكار على الأعرابي الذي أبدى اعتراضًا على النبي صلى الله عليه وسلم في حكمه بدية الجنين؛ لقد رأى الشراح أن النهي مؤسس على ما تبدَّى من إرادة استرهاب العقول من خلف كلام الأعرابي المسجوع الذي واجه مقام النبوة الكريم.
وهو ما يصح أن نعممه بمعنى: أي كل كلام يصاغ وصاحبُه يستهدف استرهاب العقول واستلاب إرادتها وتخديرها؛ هو من قبيل السحر الحرام، وهذا الوجه الذي تبدى من خلف صياغة نص خطبة أوباما عكسَ شيئًا مهمًّا متعلقًا بمواجهة الذين حاولوا كثيرًا أن يقللوا من قيمة الكلام وتأثيره في نفوس الجماهير العريضة.
كما ظهر من السياق الخارجي ممثلاً في المكان الذي تم منه إلقاء الخطاب، وربما في الموعد الذي تم إلقاء الخطاب فيه، والطريقة التي أُلقي بها، وعدم مصاحبته بترجمة فورية بلسان القوم؛ مجموعة من العلامات التي لا يصح أن نهملها؛ ولاسيما إذا سرنا مع الذين يقررون أن ما حدث كان عن وعي تام مخطط له ومدروس مقنن، أو ليس هو أوباما- أيها السادة- كما قال السادة المراقبون والمحللون؟
وأول هذه العلامات التي لا يصح إغفالها تكمن في الإعلان الدائم والمستمر عن الإيمان بالعلم إيمانًا مطلقًا قادرًا على حل المعضلات، ولو كان معزولاً عن الإيمان بمواريث السماء.
تم إلقاء الخطاب في الواحدة ظهرًا، وهو الوقت المرصود لإقامة صلاة الظهر، وهي علامة ليست شكلية بأي حال.
وثانية، هذه العلامات ماثلة في التبشير الدائم بفرض الإنجليزية لغة كوكبية، وهو بعض الذي تم الدعوة إليه سلفًا في الأروقة الأكاديمية، كما نرى في كتاب اللساني الإنجليزي المتعصب دافيد كرنستال "اللغة الإنجليزية لغة كوكبية" الذي استثمر فيه نسقًا مغالطًا ومخادعًا للتبشير باكتساح الإنجليزية لغيرها من اللغات.
المهم أن الطريقة والمكان واللسان أسهمت بقدرٍ وافرٍ في صناعة الفتنة التي سهَّلت على كثيرين من المنهزمين نفسيًّا بمنطق كونهم متلقين مغلوبين أمام ملقٍ غالب محفوفٍ بآليات التأثير؛ أن يُخدَّروا وأن يستقبلوا الكلام وهم خاضعون لاستلاب ساحر خطف عقولهم قبل أبصارهم وربما قلوبهم أيضًا.
في طريق الانتصار للعقيدة الأمريكية
وإذا كان كل كلامٍ أصلاً- فضلاً عن أن يكون الكلام في السياق الذي نقف أمامه- غرضه توصيل رسائل؛ فإن كلَّ إغفالٍ لِما تمَّ إلقاؤه يُعَد خيانة للعقل العربي المسلم ولا شك.
وربما كان من المفيد جدًّا أن نقسم ملاحظاتنا على محاور ونقاط تأتي على ما نراه يمثل أجندة قادمة للقوة الأمريكية في مواجهة العالم الإسلامي ترعى مخاوفنا الحقيقية، وهي كما يلي:
أولاً: أرجو ألا ينخدع أحد بالوصف الذي تقدَّم بين يدي القرآن في المرات التي استشهد فيها بآيات منه، وهو الوصف بالمقدس "holy" ذلك أن المقدس الأمريكي لا يعني أكثر من وصف خارجي لا يستلزم أن يكون إقرارًا بصلته بالسماء، ولا سيما أن هذا الوصف هو نفسه الذي استُعمل في وصف الكتاب المقدس التوراة والإنجيل، مع توافر الدراسات هناك، والتي يعلمها هو أيضًا، والتي تقرر بَشَرِيَّة الكتاب المقدس.
ثانيًا: ظهر في مقدمة خطاب أوباما التصريح بكونه مسيحيًّا وهو شجاعة مفهومة من رئيس أكبر قوة في العالم؛ ولكنها رسالة يُرجى أن ترد على الذين يجادلون في غياب النصرانية عن قيادة القرار في البيت الأبيض، وهي النصرانية المتحالفة مع اليهودية، باعتبار ما جاء في خطابه؛ حيث لم يستشهد بنص واحد من العهد الجديد (الإنجيل)؛ وإنما كانت كل تصريحاته كما جاءت في نصه مسبوقة بتعبير "holy bible" أي الكتاب المقدس، وهو الذي يترجَم ويفسَّر بالعهدين الجديد والقديم معًا.
علينا أن نتفق على أن الإستراتيجية الأمريكية القادمة الحاكمة لحركتها في التعامل مع العالم ستسير مهتديةً بهدي نصرانيته وبهدي الكتاب المقدس، وهو ما ظهر منذ فترةٍ وجيزةٍ في عنوان كتاب البروفيسور الأمريكي مختار بن بركة (المسيحية هي الحل.. إنجيليون في البيت الأبيض).
ثالثًا: إن التصريح بأن الولايات المتحدة الأمريكية لن تدخل في حرب مع الإسلام- على ما جاء في خطاب أوباما- يحتاج إلى شيءٍ من التأمل وقراءته في ضوء افتراضية أصلين هما:
- هل صرَّح أوباما بهذا تخديرًا للعالم الإسلامي ونزعًا وإسكاتًا لفتيل المقاومة والاستعداد لمواجهة مخاطر الغزوة الأمريكية؟.
- أم هل صرَّح أوباما بما صرَّح به وهو صادق واعٍ جاد فيما صرَّح به؟
ووعي بمنجز القوة التي يحظى بها الرجل، وتقف في خلفيته قوة الوطن الذي يُمثله يجعلني أركن إلى الافتراض الثاني، وهو أن أوباما صادق جاد فيما صرَّح به من أنه ساعٍ إلى إنهاء حالة الحرب بين أمريكا (النصرانية) والعالم الإسلامي (الإسلام)، ولكن بمنطقٍ آخر ومن منظورٍ آخر.
وأرجو أن نقف مليًّا وطويلاً أمام الإستراتيجية التي أعلنها أوباما فيما يتعلق بتدشين أكبر حملة للتبادل العلمي والتقني بين شباب أمريكا وشباب العالم الإسلامي، وهذه النقطة مهمة جدًّا في هذا السياق؛ بمعنى أن المرحلة الأمريكية تسعى إلى اللعبِ في مناطق تغيير الإدراك في العقل الإسلامي والعربي، وأن استثمار التعليم وفق المنظور والمحتوى الأمريكي هو الأمل الذي يتعلق به أوباما لأنها حالة الحرب بين المعسكرين.
إن التعليم واللعب في مؤخرةِ الرأس الإسلامي، هو الحكيم الذي سيتولى نزع فتيل الحرب، وأُحبُّ أن أقرر بوضوحٍ تام أن أوباما يُراهن على تشويه الإسلام وإفساد المسلمين وإبعادهم عن روحِ دينهم، وهو الطريق الذي سيتحقق له إسكات صوت الحرب مع فرضِ صدقه وهو صادق!.
إن هذا التصريح استمرارٌ لسلسةٍ ثابتةٍ مستقرة من أيام أول توصيات مؤتمرات التنصير العالمية في مفتتح القرن الماضي، وهو ما عبَّر عنه صموئيل زويمر بأن طريقنا هو نزع القرآن من قيادةِ العالم الإسلامي تربويًّا وأخلاقيًّا وعلميًّا وسياسيًّا، وهو الذي كان يقرر أنهم لا يحتاجون إلى تحويل المسلمين إلى نصارى، ولكن يكفي أن نُشوِّه دينهم.
رابعًا: من جانبٍ آخر مهم جدًّا فإني أحبُّ أن أقف قليلاً أمام النغمة المستمرة في تفسير الارتباط بين أمريكا والكيان الصهيوني اعتمادًا على رهان المصالح، وهو صحيح لكنه صحيح لا يحتل مرتبة الصدارة.
والذي يصح في هذا السياق أن نفسر هذا الارتباط (الأبدي) بمنطق الإيمان بالكتاب المقدس "holy bible" وبمنطق الفعل الجازم لأثر التعليم الذي ضد وَهْم المحرقة (الهولوكست) النازية عقيدة راسخة في الضمير الأمريكي والغرب كله، مدعومًا بقوانين ثابتة مستقرة في الغرب كله تُجرِّم الاقترابَ من فتح هذا الملف بغرض التشكيك فيه.
إن الذين قالوا بتغير نغمة مخاطبة العالم الإسلامي واهمون في بعض تقديرهم لوزن هذه النغمة التي يرونها حانيةً مهذبةً، فهل وصف الآخر الذي يتشكك في رقم الستة المليون بالجهل- على ما جرى على لسان أوباما- يصدق وصفهم بحنو أسلوبه ورقي طريقته في خطابنا هكذا إجمالاً.
خامسًا: لقد انفعل الأخوة النصارى في مصر في يومٍ ما قبل سنوات قليلة؛ لأنهم وُصفوا بأنهم أقلية، وهو ما عكس تعاطفنا نحو انفعالهم هذا، وتسابقت الأقلام في وصف الميزة المنفردة لنصارى مصر بما هم جزء أصيل في النسيج الوطني للشعب المصري، وهو الحق الذي نؤمن به ونسعى لاستمراره.
ولكن المؤلم أن أحدًا من هؤلاء النصارى ولا من هؤلاء الذين تعاطفوا معهم قديمًا لم يُعلِّق على وصف بالأقلية في خطاب أوباما، ما الذي حدث؟ فغيَّر المواقف؟ ولماذا رضي قادة النصارى الآن بهذا الوصف؟ ولماذا لم يروا فيه خدشًا لمشاعرهم وإهانةً لوجدانهم؟!!.
إن أسئلةً كثيرةً وخطيرة تفرض نفسها في هذا السياق، وبعد هذا الصمت.. هل ما زال الكلام عن عدم وجود تأثيرٍ لأقباط المهجر القرار الأمريكي صحيحًا؟ وهل مطلوب منا أن نستمر في تصديق أنه لا توجد ملامح تنسيق بين الكنيسة المصرية وبين الإدارة الأمريكية فيما يتعلق بما يرونه حقوقًا مهضومةً لهم؟ وهل صحيح أن نصارى مصر أقلية مهضومة الحقوق كسيرة الجناح.
لقد ردتني هذه العبارة بعنفٍ إلى اليوم الذي رفع فيه بعض شباب الكنيسة منذ سنواتٍ للأعلام الصهيونية والأمريكية، وردتني بعنفٍ إلى ذلك اليوم المشابه لليوم هذا الذي رفع فيه شباب الكنيسة أصواتهم بدعوة أمريكا لإنقاذهم.
هذه أسئلة واجبة منذ زمنٍ بعيد، وهي أوجب ما تكون بعد الذي ظهر في جملة أوباما الرهيبة!.
سادسًا: إن أي تحليلٍ لخطاب أوباما سيتجاهل البعد الإيماني المسيحي/ اليهودي، ويمثل حالة من حالاتِ إهانة العقل المناصر الذي تابع هذا الخطاب، وأي تحليلٍ لا يواجهه بنهجٍ مكافئ لا يماري الإهانة نفسها، وربما الخيانة نفسها.
وأنا أعجب العجب الذي لا ينتهي عندما أسمع كلامه حول عدم جدوى المقاومة المسلحة، ولا سيما، وهو يتكلم عن قضية فلسطين، وبالأخص في التعليق على نهج حماس.
ومسوغات العجب الذي لا أجد وصفًا يكافئه أنه رجل درس التاريخ، فليقل لنا في أي تاريخٍ جرَّم حق أي شعب أو حركة في استرداد أراضيها وتحرير أوطانها ولو بسبيل الحرب وسيلان الدم! لقد كتب نيلسون مانديلا في مذكراته مسيرةً طويلةً نحو الحرية ص 89 عن محاولات الحصول على السلاح لدعم المقاومة ضد العنصرية.
إن إخفاء الطريقة التي تم بها سرقة وطن من أيدي أبنائه وتشريدهم والدعوة إلى اقتسام الأرض فيما سُمِّي بحل الدولتين أكبر جريمة عرفها التاريخ كله قديمه ومعاصره.
لقد جاءنا أوباما بسحره فخلب عقولاً واسترهب نفوسًا، وختل أفئدةً، وقد كان ما كان بسببٍ من ضعفٍ مزرٍ في الواقع العربي والإسلامي شعبيًّا وحكوميًّا.
إن الواجب يقضي بأنَّ على كل مثقفٍ مسلم- وهذا الوصف يشمل الجميع بمَن فيهم نصارى مصر الوطنيون- واجبًا مؤكدًا يفرض مواجهة سحر أوباما قبل أن يسرق الوطن العربي والإسلامي بأكمله.
باسم الغلبة المعاصرة والحضارة المتفوقة صدع الصوت الأمريكي شمولاً بلباس الكتاب المقدس، وليس أمام العالم الإسلامي سوى الحركة بيقينٍ قرآني ولباس الحقيقة القرآنية، وإلا فإن المصيرَ مرعبٌ إلى أبعد الحدود.
------------
* كلية الآداب- جامعة المنوفية