هل هناك إشارات معينة وُجِّهت للحركة الإسلامية عمومًا، ولجماعة الإخوان المسلمين خصوصًا، في خطاب الرئيس الأمريكي باراك أوباما للعالم الإسلامي؟ وما دلالتها؟!.
القراءة المُدققة للخطاب توضح أنَّ هناك عددًا من الإشارات المهمة، والتي يُفترض أنها تُظهر موقف الرئيس الأمريكي من الحركة الإسلامية، كذلك فإنَّ بعض التحليلات والتعليقات توضح هذا الجانب، خاصةً التعليقات الصادرة في الصحافة الغربية والأمريكية، وبالطبع هناك أهمية نسبية للتعليقات التي تصدر في الولايات المتحدة الأمريكية، سواءً من الحزب الجمهوري المعارض للرئيس الأمريكي، أو الحزب الديمقراطي المؤيد له؛ لأنَّ هذه التعليقات تُوضح ما يُمثل تغيرًا ليس بالنسبة لنا، ولكن بالنسبة للمتلقي الأمريكي، وأيضًا ما يمثل تغيرًا عن السياسات المعتمدة في عهد الرئيس الأمريكي السابق "جورج بوش الابن"؛ لذا يصبح من الأهمية رصد الإشارات التي تخصُّ الحركات الإسلامية، ومعرفة مدى تأثيرها في الواقع العملي.
وفي البداية؛ يجب تأكيد أن ما نبحث عنه هو موقف الإدارة الأمريكية من دور الحركات الإسلامية في المجال السياسي، ونعني بهذا الحركات الإصلاحية السلمية؛ أما الموقف من الحركات المسلحة مثل شبكة القاعدة، فهو أمرٌ آخر، وقد حدَّد الرئيس الأمريكي موقفه من شبكة القاعدة وحركة طالبان؛ حيث أعلن حربًا مفتوحةً ومستمرةً في أفغانستان وباكستان، وهذه قضية أخرى.
بجانب هذا، علينا تأكيد أنَّ المقصود من موقف الإدارة الأمريكية من الحركة الوسطية الإسلامية، مثل جماعة الإخوان المسلمين، لا يعني البحث في ما إذا كانت الإدارة الأمريكية تؤيد هذه الحركات أو تؤيد نشاطها السياسي، أو تؤيد وصولها للحكم؛ فهذا الأمر غير وارد أساسًا، فأي مقارنة بين سياسات الولايات المتحدة الأمريكية وبرنامج عمل الحركة الوسطية الإسلامية، يؤكد وجود اختلافات كبيرة في وجهة النظر بينهما؛ ولهذا نرى أنَّ الإدارة الأمريكية لن تساند أي حركة إسلامية لتصل للسلطة، خاصةً جماعة الإخوان المسلمين، وبالطبع فجماعة الإخوان المسلمين ترفض من جانبها أي ضغطٍ خارجي من أجل التحول الديمقراطي، ولا تطلب مساندةً أو دعمًا من أي جهة، سوى من جماهير الشعب.
وإذا كنا نبحث عن موقف الإدارة الأمريكية من الدور السياسي للحركة الإصلاحية الإسلامية، بعيدًا عن موقفها من الجماعات المسلحة، فنحن أيضًا لا نبحث عن موقف الإدارة الأمريكية من أي فصيل إسلامي ترى الإدارة الأمريكية لسببٍ أو آخر أنه يصلح كحليفٍ لها.
الإشارات الإيجابية
هناك في الخطاب عدد من الإشارات الإيجابية، والتي نرصدها أولاً؛ فقد أقرَّ الخطاب بأن حركة حماس تُمثل بعض الفلسطينيين، في إشارةٍ للتأييد الذي تحظى به، ورأى أنَّ لها دورًا في مستقبل الشعب الفلسطيني، وفي تحقيق وحدته؛ أي أنه لم يرَ إمكانيةً لإقصاء حركة حماس من المشهد السياسي، ثم أكَّد الخطاب أن ما تقوم به حركة حماس هو مقاومة، واستخدام هذا التعبير يُمثِّل تغيرًا واسعًا في الخطاب الأمريكي، كان له تأثيره على المستمع الأمريكي؛ مما يعني أنَّ الخطاب أكَّد أن الحركة الإسلامية لها وجود سياسي لا يمكن إنكاره، وفي نفس الوقت أقرَّ بأنَّ الفعل الموجه نحو الاحتلال هو فعل مقاومة، ولم يُسمِّ حركة حماس بأنها حركة إرهابية، وهو ما مَثَّل صدمةً لعددٍ من المراقبين في الولايات المتحدة الأمريكية.
من جانبٍ آخر؛ أكَّد الخطاب أنَّه لا يمكن فرض شكل محدد للديمقراطية على كل بلاد العالم، ولا يمكن لأي دولة فرض نموذجها على الدول الأخرى، وتلك الإشارة تُعد إيجابيةً من وجهة نظر المشروع الحضاري الإسلامي؛ لأنها تُعلي من حضور الخصوصية الحضارية، رغم أي معنى آخر لها، ثم أكَّد الخطاب أهمية أنْ يأتي الحاكم بصورة تُعبِّر عن المجتمع، أيًّا كان الاختلاف في الطريقة، وهي أيضًا إشارة إيجابية من ناحية تأكيد خصوصية تطبيق النموذج الديمقراطي عبر دول العالم، ثم أكَّد الخطاب أن الإدارة الأمريكية لن تفرض الديمقراطية على أحد، وتلك أيضًا إشارة إيجابية بالنسبة للحركة الإسلامية، خاصةً بالنسبة لجماعة الإخوان المسلمين؛ لأنه بذلك جعل أمريكا ليست طرفًا في النضال من أجل التحول الديمقراطي، مما يُخرج العامل الخارجي من تلك القضية، ويحصرها بين المجتمع والنظام الحاكم، وهذا في مصلحة المشروع الحضاري الإسلامي.
ثم أشار الخطاب إلى النموذج السلبي للحكم، وما فيه من استبداد وفساد، وأكَّد أنه لا يمكن التعامل مع الأفكار بالقمع، وتلك إشارة مهمة، تدل على إدارك الإدارة الأمريكية أن القمع لن يفيد في مواجهة الحركة الإسلامية، وأنه يجب التعامل مع تلك الحركات على أنها أمر واقع.
وهنا جاءت الجملة الأهم من الخطاب، وهي أن الإدارة الأمريكية سوف تتعامل مع أي حكومة مُنْتخبة، وهي الإشارة التي اعتبرتها بعض الأوساط الأمريكية بمثابة انقلاب على السياسة الأمريكية؛ لأنَّها تعني أن أمريكا سوف تعترف بوصول الإسلاميين للحكم.
الإشارات السلبية
يُلاحظ في البداية أنَّ خطاب الرئيس الأمريكي استخدم لغةً تقوم على الثنائيات، فكل فكرة لها شرط، وكل حقٍّ مشروط أيضًا، وكل عمل إيجابي عليه تحفظات، وهكذا سار الخطاب في كل المواضيع؛ وبنفس هذا الأسلوب نجد شروطًا وتحفظاتٍ وُضعت على الآراء والمواقف الخاصة بالحركة الإسلامية، فبالنسبة لحركة حماس، رأى الخطاب أنها تمارس المقاومة عن طريق العنف، ورغم أنها مقاومة والمقاومة مشروعة، إلا أنَّ ممارستها عن طريق العنف، والعنف غير مشروع، تجعل المقاومة في النهاية غير مشروعة.
واقترح أوباما ضمنًا على حركة حماس أنْ تتحول للنضال السلمي، مثل نضال السود في أمريكا من أجل حقوقهم، ومثل نضال السود في جنوب إفريقيا ضد نظام الفصل العنصري، ولم يقل لحركة حماس وغيرها من حركات المقاومة، كيف يمكن مواجهة الآلة العسكرية الصهيونية الشرهة للقتل، من خلال نضالٍ سلمي؟!. وعندما اعترف الخطاب بالدور السياسي لحركة حماس، أكَّد أنها لن تستطيع القيام بهذا الدور بدون الاعتراف بدولة الاحتلال "الإسرائيلي"، وبهذا أعاد شروط الرباعية الدولية مرةً أخرى.
ومن جانبٍ آخر، أكد الخطاب أن أمريكا سوف تعترف بأية حكومة مُنْتخبة، ما دامت تحترم كل فئات الشعب، وهنا إشارة ضمنية إلى أن أي حكومة مُنحازة لفئةٍ دون الأخرى لن يُعترف بها، ثم أكَّد الخطاب أن هذا الاعتراف لا يشمل أي حركة في المعارضة تستخدم الديمقراطية لتصل للحكم، ثم تنقلب عليها، وهي جملة عادةً ما تتردد على لسان النُخب العلمانية ضد جماعة الإخوان المسلمين، وغيرها من الحركات الإسلامية، رغم أنَّ هذا لم يحدث على أرض الواقع، وليس إلا افتراض بدون دليل، وتكرار نفس الجملة في خطاب الرئيس الأمريكي، يوضح دور التصورات المغلوطة التي يتم ترويجها، كما يُوضِّح دور الخطاب العلماني المُعادي للحركة الإسلامية وتأثيره في السياسة الخارجية الأمريكية.
الخلاصة إذن.. ما حاصل جمع الإشارات الإيجابية والإشارات السلبية؟
أولاً: بالنسبة لحركة حماس: سنجد أن المحصلة سلبية رغم ما حدث من تغير مهم؛ لأنَّ قِوام حركة حماس هو العمل المقاوم، ولأن الاعتراف بالكيان الصهيوني، يعني تنازلاً عن وحدة التراب الفلسطيني، وتنازلاً عن الأراضي المحتلة عام 1948م؛ أي تنازل عن ثوابت حركة حماس. إذن لا جديد، رغم اللغة الجديدة.
ثانيًا: بالنسبة لجماعة الإخوان المسلمين: تبدو الصورة في المجال السياسي مختلفة؛ حيث إن الشروط الموضوعة لقبول حكومة مُنتخبة، تمثل أمرًا طبيعيًّا ومُتفقًا عليه، فلا يوجد احتمال أنْ تنقلب جماعة الإخوان المسلمين على الديمقراطية بعد وصولها للحكم، بل لا يمكن لمَن يصل بأصوات الناس وتأييدهم، أنْ ينقلب على الديمقراطية؛ لأنه بذلك يكون قد انقلب على مؤيديه ومناصريه، وبالمثْل، فأي حكومة مُنتخبة سوف تحترم كل فئات الناس، لأنها سوف تعتمد في شرعيتها على رضا المجتمع عنها، نقصد من ذلك، أن الشروط الموضوعة لقبول حكومة منتخبة، هي شروط منطقية وعادية.
ولكن لا يمكن أن تكون الصورة بهذه البساطة، ففي الخطاب قضايا أخرى، يمكن أن يُستنتج منها أن هناك شروطًا أخرى ضمنية، قد تُستخدم في وجه أي حكومة إسلامية مُنتخبة، وتُعتبر مبررات لعدم الاعتراف بها أو عدم التعامل معها.
والأهم من هذا، أنَّ الخطاب لم يوضح ما إذا كانت الشروط الموضوعة على حركة حماس، سوف تكون شروطًا على أية حركة إسلامية تصل للحكم، فأي حكومة جديدة، سوف تلتزم بالتعهدات السابقة، ولكنها يمكن أنْ تعمل من أجل تغييرها أو تعديلها أو حتى إلغائها، وفي نفس الوقت، هل يَعني اعتبار المقاومة المسلحة، شكلاً من أشكال العنف، رغم أنها مقاومة؟.
إنَّ أي حكومة منتخبة، وحتى يتم الاعتراف بها، سيكون عليها الوقوف ضد أعمال المقاومة. وهل يتوقع أحد من الحركة الإسلامية، خاصةً جماعة الإخوان المسلمين، أن لا تُساند المقاومة؟
ما المحصلة الأخيرة إذن؟
أظن أنَّ هناك بالفعل مقاربةً جديدةً للتعامل مع الحركات الإسلامية، لم تتحول إلى تطبيق على أرض الواقع، وأنها في النهاية ما زالت محاولةً لمقاربة جديدة، لم تكتمل بعد، كما يُلاحظ أنَّ التحول الأساسي يظهر في الاعتراف الضمني بأن الحركة الإسلامية ومنها جماعة الإخوان المسلمين، هي أمرٌ واقع، لا يمكن تجاهله، أو إقصائه.