الباحث عن الحقيقة مقاتل شجاع، يمتلك الجرأة للبحث عنها والوصول إليها والقتال دفاعًا عنها، ولو كان ثمنه الفناء وبقاء الحقيقة، هكذا هي حقوق الإنسان والمؤسسات الحقوقية ونشطاء حقوق الإنسان، تعرضوا على مدار الزمن للتضييق والتعذيب والاعتقال؛ وحتى الإبعاد؛ لأنهم تبنوا الدفاع عنها والتمسك بها.

 

هذه المبادئ أتشرف بأنني عملت لأجلها، وأحملها، وأدافع عنها، وعملت في العديد من المؤسسات الحقوقية الفلسطينية؛ انطلاقًا من هذه المبادئ بعضها لا يزال على الطريق، والآخر فقد البوصلة وانحرف عن المسار؛ ليرسخ مبرر البعض باستمرار أنها فقط مؤسسات ربحية لنفخ جيوب القائمين عليها.

 

وللأسف هذه حقيقة بعض هذه المؤسسات، وقد تحوَّل العاملون فيها إلى مجرد موظفين ينفذون سياسة الأشخاص المتنفذين فيها؛ أصحاب الأجندة الشخصية والحزبية، عملاً بشعار أحد هؤلاء المُديرين للمثل العربي الذي يقول "اربط الحمار- أعزكم الله- وين ما بده صاحبه"؛ ليستفزني يومًا وأحاول مناقشته، دون جدوى؛ حتى دفعني إلى البحث عن أُفق أرحب للحرية والكلمة المسئولة، فيما لا يزال صاحب هذا المثل لهذا اليوم يضخم حسابه البنكي؛ لتصبح نظرة المجتمع لمؤسسات حقوق الإنسان فقط أصحاب الدولارات واليورو وتجارة الحقوق التي امتهنها البعض؛ حيث تطويع القانون والنظام للمصالح الشخصية، وتحويله إلى حسابات بنكية ومجموعة من الندوات واللقاءات والورش الكلامية التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

 

لستُ في موقع الانتقاد لهذه المؤسسات نكرانًا للجميل- حاشا لله- لكن كي يستيقظ بعضهم، ويتنبه الحريصون، ومن يحمل همَّ حقوق الإنسان بصدق لما يحدث في بعض هذه المؤسسات الحقوقية.

 

جريمتا اغتيال المقاومين في قلقيلية تطرح تساؤلاً كبيرًا حول مواقف مؤسسات حقوق الإنسان، وهنا سأطرحه وفق ما تمَّ به معالجة القضية؛ حيث أخذ ذلك ثلاثة اتجاهات؛ أولها المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، وهو مؤسسة حقوقية فلسطينية مستقلة مشهود لها على المستوى الدولي، واعتمدت على شهود عيان؛ لتؤكد أن هناك جريمة وقعت وسردت الأحداث، وبيَّنت وجهات النظر، وخاصة الإعدام الواضح للمقاوم محمد ياسين.

 

أي أنها تعاملت بمهنية عالية، وقدَّمت رواية لما جرى، وذكرت أيضًا رواية السلطة، وقدَّمت مطالبات متوازنة، وبتقديمها رواية الحقيقة المناهضة لرواية سلطة الأمر الواقع في الضفة، استعدت أن تدفع ثمن هذا الموقف دفاعًا عن الحقيقية، وسارت على الدرب مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان التي قالت بوضوح إنَّ هناك استخدامًا مميتًا للقوة في قلقيلية.

 

الاتجاه الثاني، وهو الهيئة المستقلة الفلسطينية لحقوق الإنسان "ديوان المظالم" التي صمتت صمت القبور، وأذكر ذلك وكلي ألم لما حلَّ بهذه المؤسسة المحترمة، والتي أُسست لهدف سامٍ وسجلت تاريخًا ناصعًا، أفتخر أنني عملت فيها؛ حيث كانت تلقى ترحيبًا كبيرًا من المواطنين والمسئولين على مدار السنوات الماضية؛ إلا أنها للأسف بدأت تحيد عن هدفها، وتفقد دورها شيئًا فشيئًا، ليُطرح سؤال كبير: كيف لمؤسسة حقوقية بحجم الهيئة والوحيدة التي لها باحثون في كل مكان، ويمنحون التسهيلات الكثيرة في التحرك، والوصول للمسئولين، ومنها قلقيلية أنْ تعجز أنْ تقدِّم رؤيةً لما حدث وموقفًا صريحًا كمؤسسة حقوقية لواقع الأحداث؟!، في حين أنها تسارع لممارسة دور غير الدور المنوط بها إذا تعلَّق الأمر بحدث في غزة؛ حيث باتت متخصصة في بيانات الشجب والإدانة.

 

أجزم أنَّ المشكلة ليست عند زملائي الأعزاء في الميدان الذين يكِّدون ويبذلون جهودًا جبارةً للوصول للحقيقة، ونقلها وتوثيقها بصدق وأمانة، وأجزم أنه بحكم خبرتي أنهم احتجوا كما انتقدت، بل زيادة؛ لكن للأسف أعتقد أنَّ كدَّهم وتعبهم ذهب إلى ملفات الإدارة التي أصمَّت آذانها وتجاهلت الجرائم، وإنَّ الإدارة لم تعد تستطيع تحمل الرسالة ليضيع جهد 15 عامًا ومئات الموظفين الحاليين والسابقين؛ ليهدموا تاريخًا بُني على أكتاف الباحثين عن الحقيقية، والانتقاد هنا ليس للمؤسسة بذاتها وزملائي العاملين، لكنْ لبعض الأشخاص الذين اختطفوا المؤسسة؛ لتحقيق مصالح يعرفها كل متابع ومطَّلع على عمل المؤسسات الأهلية والحقوقية، ووفاءً مني لها أنْ تبقى كعهدي بها مؤسسةً حقوقيةً مستقلةً تصون حقوق الإنسان.

 

يُطرح سؤال كبير: كيف لمؤسسة بهذا التاريخ والكفاءة تصمت تجاه جرائم ضد المواطنين، ولم نعد نسمع لها صوتًا؟! ومن الظاهر أنَّ آثار السيدة "لميس العلمي" المدير العام السابق باقيةٌ، بعد أن ضربت بالقانون والنظام عرض الحائط، ولحقت بحكومة فياض اللاشرعية في الضفة الغربية التي نفذت الجريمة، وهكذا فعل زميلها السابق الدكتور علي الجرباوي الذي يشارك في حكومة فياض التي تمارس الدور نفسه؛ لتتحول من ديوان مظالم إلى ديوان مغانم، لمن سيسوا هذه المؤسسة، وهدموا تاريخها؛ لتتحول إلى مجرد بوق لحزب سياسي، تتحدث إذا تحدث وتصمت إذا صمت.

 

الاتجاه الثالث لمؤسسة حقوق الإنسان التي روَّجت وعملت على نشر قصص وأفلام هندية، صاغها كتَّاب الأجهزة الأمنية المعروف عنهم دائمًا، مهما كانت هويتهم، كما نشرت مؤسسة الحق في الضفة الغربية لتهاجم الضحية، وتقدم رواية الأجهزة الأمنية المتضاربة لتضيع الحقيقة، بل تشوهها كما شُوه تاريخ المؤسسات الحقوقية ومبادئ حقوق الإنسان، وأصبحت موضع استهزاء عند المواطنين الذين اكتووا بنار قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الذي أضاع الحقوق.

 

النداء الذي أوجهه لمؤسسات حقوق الإنسان: أنْ اتقوا الله أولاً في أقوالكم وكما يقال: (الضرب في الميت حرام)، وأن تعود لمسارها الحقيقي، وتدافع عن الحقيقة، وتبحث عنها، ولي شرف الدفاع عن المقاومة والمقاومين في وجه أصحاب الأجندة الصهيونية والأمريكية والمدافعين والمسوقين لها، وألاَّ تتحول مؤسسات حقوق الإنسان إلى مجرد شاهد زور، وحتى "شاهد ما شافش حاجة".

-----------

* المستشار الإعلامي لرئيس المجلس التشريعي الفلسطيني