أتحدَّث عن خطاب الرئيس أوباما الذي ألقاه من جامعة القاهرة، ووجهه للعالم الإسلامي.. ذلك الخطاب الذي وعد به، وطال انتظار المسلمين له؛ ليخبئ عن حقيقة الرجل ومواقفه من قضايا العالم الإسلامي، وعما إذا كان هناك تباين واختلاف حقيقي بين إدارة أوباما الحالية والإدارات الأمريكية السابقة.. والحقيقة أن السياق العام لحملة أوباما الانتخابية التي جاءت تحت شعار التغيير، ونجاحه- وهو الأسود ومن جذور عرقية ودينية وجغرافية مختلفة- أعطى انطباعًا باختيار المجتمع الأمريكي لخيار التعددية الحضارية؛ الأمر الذي حمل للشعوب آمالاً في عالم جديد.
ولكن الحقيقة التي خلصتُ إليها من خطاب أوباما أن المجتمع الأمريكي نجح بالفعل في اختيار الرئيس الذي يملك مقوّمات تحقيق المهمة الأولى له، وهي تجميل الوجه الأمريكي أمام العالم بعد فترة طويلة من التلطيخ والتقبيح الذي تسبَّب فيه الجمهوريون (وخاصة بوش الابن)، وما نتج من ذلك من استعداء الشعوب الإسلامية وكراهيتها للإدارة الأمريكية وللشعب الأمريكي، فأصبحت الحاجة ملحَّة إلى من يقوم بعملية التجميل هذه؛ شرط أن تكون عمليةً مجانيةً، بلا ثمن ولا مقابل من المواقف الأمريكية.
أقول: نجح أوباما بعبقريته وبلاغته ومعلوماته، وذاكرته الحادَّة التي استخدم فيها آيات القرآن الكريم، وأحداث تاريخ العالم الإسلامي، والرموز الإسلامية (السلام عليكم- القرآن- الأنبياء- الإسراء- الحجاب- الزكاة- الحضارة الإسلامية- قيم الإسلام العظيم) في كسب قلوب وعواطف البسطاء من شعوب العالم الإسلامي، ثم هو بلا شك استخدم لهجة في الخطاب ما عُرفت لدى سابقيه الذين تميَّزوا بالعجرفة، والاستهتار، والهجوم الصريح على الأمة بلا مبالاة لقدسية زمان ولا مكان ولا شخوص، فإذا بالرجل يستخدم الدبلوماسية الناعمة أذكى استخدام، وأؤكد أنه نجح في ذلك بجدارة.
لكن هذه الرسالة تناسب دور سفير الولايات المتحدة لدى العالم الإسلامي، أما حين يكون الخطاب من رئيس الولايات المتحدة الأمريكية؛ فقد كانت الشعوب تنتظر منه إجابات ومواقف محددة في قضايا محددة، ومن هنا أقول: سقط أوباما سقوطًا ذريعًا:
أولاً: القضية المركزية للعالم الإسلامي "فلسطين".. حاول الرجل أن يجعلنا نتبنَّى وجهة النظر الأمريكية في القضية:
- كاد الرجل يبكينا معه على الـ6 ملايين يهودي الذين حُرقوا في المحرقة النازية (وهو يحدثنا نحن وليس الشعب اليهودي)... تلك المبالغة التاريخية التي لا دخل لنا فيها على كل حال.
- وفي المقابل لم نسمع منه كلمةً واحدةً عن مجازر "دير ياسين، وكفر قاسم، وبحر البقر، وقانا1- 2، صابرا وشاتيلا، وخان يونس، ومجزرة غزة التي شاهدها بعينه قبيل تنصيبه رئيسًا"، ولا عن تشريد 900 ألف لاجئ في 15/5/1948م، ومثلهم في 5/6/1967م، واستمرار تشريد 6 ملايين فلسطيني في أرجاء الأرض.
- قطع الرجل كل شكٍّ لدينا في حميمية وأبدية العلاقة الأمريكية بالكيان الصهيوني، فقال: "الرابطة التاريخية بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" لن تنكسر"؛ عن أي روابط تاريخية يتحدث الرجل وعمْر الكيان الصهيوني كله 60 عامًا؟!
- طالب الرجل حماس بالتخلِّي عن العنف، وعلَّمها أن المقاومة من خلال العنف والقتل خطأ، وفصّل الحديث عن الصواريخ العبثية، وتفجير الناس أنفسهم في الحافلات الصهيونية، وأن على حماس أن تعترف بحق بالكيان الصهيوني في الوجود، وعليها أن تأخذ بنموذج كفاح السود في أمريكا وفي جنوب إفريقيا، وليس بالكفاح المسلَّح الذي يصل بها إلى طريق مسدود.. لكنه لم يتحدث نصف كلمة عن الإبادة الجماعية، وجرائم الحرب، والتطهير العرقي، ولا عن التهويد، ولا عن الجدار العازل، ولا عن الحواجز العسكرية، ولا عن التهديدات للأقصى، ولا عن حصار الملايين في غزة.. وحين تحدث عن حلِّ الدولتين الذي يدور نقاش حادٌّ في الإدارة الأمريكية اليوم عن واقعيته، وهل بقيت من فرصة لحلِّ الدولتين، بعد الوقائع الموجودة اليوم على الأرض من جانب الصهاينة؛ تحدَّث عن دولة تمنح الشعب الفلسطيني الفرصة في الحياة!.
- وحين تحدَّث عن القدس لم يُشِر إلى التهويد بالمخالفة للقرارات الدولية، ولا للتطهير العرقي ولا لتهديد المقدسات، ولا استنكر أن تكون القدس عاصمةً أبديةً موحدةً للشعب اليهودي؛ لكنه انتقل بنا إلى موضوع آخر؛ وهو الحريات الدينية في القدس للمسلمين والمسيحيين واليهود، وهي قضية ليست محلَّ خلاف بين أحد.
- تحدَّث الرجل عن السلاح النووي الإيراني كثيرًا، ولم يملك الشجاعة ليشير إلى السلاح النووي الصهيوني وتهديدات المنطقة به.
- تحدَّث الرجل عن مواطنة وحقوق الأقليات "الأقباط في مصر"؟! الموارنة في لبنان؟! ولم يحدثنا عن حقوق المواطنة للأكثرية الفلسطينية في أرضها.
ثانيًا: في الشأن العراقي.. كانت المصالحة مع العالم الإسلامي تستوجب الاعتذار عما تسبَّبت فيه الإدارة الأمريكية السابقة- تحت ذريعة وأكذوبة أسلحة الدمار الشامل- من قتل وتشريد للملايين، ونهب للثروات، وتمزيق لوحدة الشعب العراقي، والفوضى التي لا تزال قائمةً.. ولكنَّ الرجل اكتفى بالإشارة إلى ديكتاتورية صدام حسين، وبشَّرَنا بأن الاحتلال الأمريكي قائم حتى 2012م.
ثالثًا: في الشأن الأفغاني والباكستاني.. دافع عن سياسة التدخل الأخشن، والتي لم تقف عند حدود أفغانستان، وما خلَّفته من دمار وفوضى وخراب لا يزال مصحوبًا بالفشل في تحقيق أية أهداف، بل انتقلت المعركة وتوسَّعت لتشمل باكستان وما يدور في وادي سوات من دمار وقتل وتشريد للآلاف؛ من خلال الإصرار على نقل ثقل الجيش الباكستاني من الشرق؛ حيث احتلال الهند لكشمير والتهديدات الهندية ليقوم- نيابةً عن الجيش الأمريكي- بمهامّ توسيع القتال مع القبائل؛ ليحلَّ الخراب والدمار والتشريد.
أخيرًا.. لا شك أن التحول من خطاب "من ليس معنا فهو ضدنا"، و"صراع الحضارات والحروب الصليبية" و"الإرهاب الإسلامي"- ذلك الخطاب الذي تبنَّاه بوش الابن- إلى خطاب الحوار، والتداخل الحضاري والرقي الإنساني للجميع هو تحوُّل يستحق التقدير؛ شريطة أن يُترجم هذا إلى مواقف عملية، أما التغيير من سياسة التدخل الخشن للجمهوريين الذي مثَّل أسوأ ما فيه بوش الابن إلى سياسة التدخل الناعم للديمقراطيين الذي يمثل أوباما أنعم ما فيه؛ فهي لن تغني شيئًا في الحقيقة الثابتة، وهي أن على الشعوب العربية والإسلامية ألا تعوِّل بعد الله إلا على نفسها وقدراتها ومشروعاتها.
-------------