يتمتع الرئيس أوباما بوجهه الأسمر وابتسامته التي تكشف عن أسنانه البيضاء بـ"كاريزما" تفتح له قلوب مستمعيه، وتجذب آذانهم، وتستحوذ على اهتمامهم لما سيقوله؛ تجعلهم يرضون بحديثه حتى قبل أن يتفوَّه بكلمة واحدة، بالإضافة إلى رشاقته؛ فهو ما إن يرى سلَّمًا حتى يسارع بالقفز عليه صعودًا أو هبوطًا؛ حتى إنه قفز على سلَّم قصر القبة؛ ليصافح الرئيس مبارك، وكأنه يرسل رسالة ما إلى متابعيه ومشاهديه.
شدَّ انتباهي لأوباما وهو يلقي خطابه- والذي استغرق قرابة الساعة، مسترسلاً ومتحوِّلاً بسلاسة من قضية لأخرى- أنه لم ينظر إلى ورقة أو يتعلثم في جملة، وكأنه يحفظ خطابه عن ظهر قلب، ثم تبيَّن لي بعد ذلك أنه كان يستعين بالتكنولوجيا التي أتاحت له قراءة خطابه بهذا الشكل الساحر وبهذه الكيفية، دون أن يلاحظ مشاهدوه ذلك على الإطلاق.
لاحظت كيف أنَّ أوباما دخل القاعة، فلم يقابله أو يقدمه أو يمدحه أحد، أو يلقي أحد الحضور خطبة عصماء، أو مقتطفات من الشعر "الحلمنتيشي" في مديحه، أو يطالبه أحدهم بالمنحة، فلم يقاطعه سوى تصفيق الحاضرين، والذي بلغ قرابة 25 مرةً، ولا أدري هل كان ذلك تعبيرًا عن حفاوة وكرم أم سذاجة سياسية؟! بادئًا بمقدمة عن أهمية الإسلام في الحضارة الإنسانية وبناء الأمة الأمريكية، وبرغبته في إقامة العلاقة على أساس من الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، مستشهدًا بآيات من القرآن الكريم؛ مما سحر عقول الحاضرين، فانطلقت أكفُّهم مصفِّقين، دون انتظار لما يحمله بقية الخطاب الذي في مجمله إمساك العصا من المنتصف، محاولاً إرضاء جميع الأطراف دون أن يقرر سياسة محددة أو آليات سينتهجها.
أرى أن هناك نقاطًا إيجابيةً وأخرى سلبيةً شملها الخطاب.
فمن النقاط الإيجابية رغبته في إقامة علاقات مع العالم الإسلامي تقوم على الاحترام المتبادل، وأن الكلمات وحدها لا تكفي لحل المشكلات، ونظرته إلى حق المرأة المسلمة في ارتداء الحجاب، ورفضه القوانين التي تمنع المسلمين من أداء واجباتهم الدينية؛ كالزكاة مثلاً، وأن التنمية لا يجب أن تصطدم بقيم وأعراف الشعوب، كما أن القوة العسكرية وحدها لن تحلَّ المشكلات، خاصةً في أفغانستان وباكستان.
ومن سلبيات الخطاب تنديده بمقاومة حماس، وتحميلها مسئولية قتل نساء وأطفال الصهاينة، ومطالبته لها بإنهاء العنف والاعتراف بالكيان الصهيوني، ومقحمًا دون مناسبة بالمحرقة النازية، متجاهلاً المحرقة الصهيونية التي استخدمت أحدث الأسلحة الأمريكية، بل المحرمة دوليًّا في إبادة المدنيين العزل في غزة.
عرَّض أوباما بالبرنامج النووي الإيراني، معتبرًا إيَّاه مهدّدًا جيرانَه وخطرًا على المنطقة، متغافلاً البرنامج النووي الصهيوني.
أما عن الديمقراطية فقد طمأن حكام المنطقة أن إدارته لن تفرض نظامًا معينًا أو حكومةً معينةً على أي دولة، وأن وصول الحكومات للحكم عبر صناديق الانتخابات ليست المعيار الوحيد للديمقراطية؛ مما يفتح الباب واسعًا أمام أسئلة عن معايير الديمقراطية في نظر إدارة السيد أوباما!!، مشدِّدًا على أنه سيساعد بقوة الحكومات التي تدعم الحريات؛ أما العراق فلا جديد!!.
ولا يمكن أن نغفل تأكيد الرئيس أوباما في خطابه على أن علاقة أمريكا بالكيان الصهيوني غير قابلة للانكسار، وهنا نتساءل: لماذا هذه الزيارة؟! ولماذا هذا التوقيت؟! ولماذا أدرجت السعودية فجأة في برنامج الزيارة؟!
فيما يبدو أن المنطقة مقبلة على أحداث جسام، تحتاج فيها أمريكا إلى حشد العالمين العربي والإسلامي معها؛ خاصةً مع ما يتردَّد عن علاج الملف النووي الإيراني بالقوة المسلَّحة.
فكلنا نتذكر ما فعلته الإدارة السابقة قبل ضرب العراق، مستغلةً الملف الفلسطيني، واعدةً العرب بحل القضية، بعد مشاركتهم في ضرب العراق، وهي الوعود التي تبخَّرت هي والإدارة التي أطلقتها مع بقاء الحكام العرب كلٌّ في موقعه، لم يمسسه سوء.
وكلنا يتذكر أن الكيان الصهيوني قام بضرب المفاعل العراقي النووي بعد مقابلة بيجين للسادات بساعات بالضبط، كما قام الصهاينة بغزو غزة بعد لقاء ليفني بمبارك بساعات أيضًا، ولنراجع تصريحات الوزير أبو الغيط في لقائه الصحفي بليفني لنتأكد ولنعتبر!!.
هل يمكن أن نغفل أن توقيت الزيارة جاء بعد تدريبات للطيران الصهيوني فوق البحر المتوسط؛ حتى جبل طارق ذهابًا وإيابًا، مع إمداد الطائرات بالوقود وهي في الجوِّ للتدريب على ضرب إيران كما ذكرت الأنباء؟!.
هل يمكن أن نغفل التدريبات العلنية التي قام بها الصهاينة في جميع الأنحاء للتدريب على أعمال الإنقاذ، وهي التدريبات التي لا يمكن إجراؤها بسرية؛ مما يوحي ويؤكد قرب اتخاذ قرار بضرب إيران؟!.
هل يمكن أن نطمئن إلى كلام الرئيس أوباما بعد أن رأينا ما يحدث في بلاد من التقوه من قادة بلاد المسلمين في واشنطن؟!
فها هو الرئيس الباكستاني زرداري يقود قواته في مذابح غير مسبوقة في وادي سوات!!.
وها هو عباس يقوم بتصفية جسدية مباشرة لمجاهدين مطلوبين لقوات الاحتلال من سنوات، وعجزت عن اعتقالهم، فضلاً عن تصفيتهم، وهو ما قام به عباس في أيام بل ساعات للأسف الشديد!!.
هل يمكن أن نغفل الأخبار التي تعلن عن زيارة وفد عسكري أمريكي لسوريا في الأيام القليلة القادمة؟!.
مصر وسوريا والسعودية هي الدول العربية الفاعلة والكبرى في المنطقة التي قادت العرب في الحرب ضد النظام العراقي، وبدونهم لم يكن ذلك ليحدث بسهولة كما حدث؛ فهم بالفعل مفاتيح المنطقة؛ لذا أرى أن ما يحدث هو حشدٌ للجهود وتوحيدها لضرب إيران، مع تخدير الشعوب العربية بالكلام المعسول، وضرْب قوى المقاومة المعوّقة أو تحييدها على الأقل لتنفيذ المخطط الخبيث!.
فيا شعوبنا العربية والإسلامية.. لا تستمعوا إلى الوعود المعسولة، بل انظروا إلى الأفعال وقيِّموها.
ويا قادة دولنا العربية.. لقد عاصرتم وقابلتم عدة رؤساء لأمريكا؛ أربعة أو خمسة أو ثمانية لا أدري، ولكن.. ألا تعلمون أن المؤمن لا يُلدغ من جحر مرتين.... مرتين وليس ثمانية.
كل زيارة وأنتم طيبون.
---------
* نائب الشعب