د. حسن الحيوان
نلاحظ الانقسام في الرأي بين المثقفين؛ لأسباب أهمُّها الازدواج الحضاري بين الإسلام والعلمانية، أما بين عموم الناس فنلاحظ الأهمية القصوى للقضية، لكن دون القدرة على الإجابة المنهجية عن السؤال.

- السؤال غير موضوعي؛ لعدم جواز المقارنة بين القضايا المتناقضة في العلمانية لكنها متكاملة في الإسلام، مثل علاقة الزوج بالزوجة، والأمثلة كثيرة، وصولاً إلى التكامل، والجمع بين الحياه والموت ثم الدنيا والآخرة.
- لا يوجد إمكانية لتسوية القضية دون حلٍّ عادلٍ يضمن مطالب المقاومة الفلسطينية (الأسرى, عودة اللاجئين, القدس, الدولة الفلسطينية), كحد أدنى للحفاظ على العقيدة والهوية، وإلا الموت في سبيل الله.. هذا هو موقف المقاومة المدعوم شعبيًا، وفقًا للمرجعية والهوية العربية الإسلامية.
أما الإستراتيجية الصهيونية (عقائديًا وسياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا وثقافيًا) فهي ضرورة القضاء على المقاومة (حائط الصد الوحيد) بالقوة؛ لالتهام كامل الأرض، وتصفية القضية نهائيًا؛ وصولاً إلى التوسعات من النيل للفرات على شتى الأصعدة المذكورة.
- وحيث إن كلاًّ من طرفَي الصراع يستند إلى مرجعية وهوية عقائدية تؤسس لكينونة وجوده في الحياة؛ فإنه صراع وجود لا حدود, بقاء أم فناء, يستحيل تسويته سلميًا, إلا بمفاوضات متوازنة بين الطرفين, ولذلك لا يمكن لأنظمة الحكم العربية إلا أن تختار وتنحاز- على شتى الأصعدة المذكورة- إلى أحد طرفي الصراع، ولا يمكن استقرار الأوضاع المصرية أو العربية إلا إذا كان هذا الانحياز للطرف المدعوم من الشعوب العربية والإسلامية.. أي لا يمكن أبدًا. الفصل بين أمن ومصلحة مصر وبين القضية.
- ملحوظة.. الحفنة الفلسطينية التي تتبنَّى خيار الانبطاح للكيان الصهيوني لا بد أن تكون خارج الحسابات؛ لأنها أصبحت خصوصًا بعد أحداث غزة بدون تأثير في الصراع, إلا بالانحياز للكيان الصهيوني, وبالتالي أصبحت حفنة بدون شعبية؛ نتيجةً لانعدام المرجعية والهويَّة اللازمة لمواجهة مثل هذا الصراع.
توضيح عدم جدوى خيار السلام بدون المقاومة المسلَّحة كالآتي:
- ثلاثة عقود منذ "كامب ديفيد" لتجنب الحرب وتحقيق نهضة وتنمية مصرية، ولقد حدث العكس تمامًا على شتى الأصعدة المذكورة؛ لأن مصر تتبنَّى إستراتيجيًّا خيار السلام لحل الصراع في حين أنَّ الكيان يعمل على إدارة الصراع بدلاً من حل الصراع؛ وذلك لأنه لا يستطيع أن يستمر دون صراع؛ لأنَّ طبيعة تأسيس الدولة الصهيونية بعكس كل دول العالم, تم بناء الجيش أولاً ثم تأسيس الدولة حول الجيش وبقوة الجيش, ولذلك تسمى بالكيان الصهيوني, والذي يعيش على الدعم الغربي لمواجهة التهديدات المزعومة من دول الجوار والتي تحوَّلت واقتصرت- بسبب موقف هذه الدول- على تهديدات تيار المقاومة المصبوغ عالميًّا بصبغة الإرهاب.
- ولذلك فهو الكيان الوحيد عالميًّا الذي بدون حدود جغرافية لتحقيق مزيد من التوسعات, وبالتالي نفهم لماذا يُنتج هذا الكيان 200 قنبلة نووية في حين أنه لا يحتاج أكثر من العدد القليل جدًّا منها لإذلال دول الجوار، والواقع يؤكد أن الكيان منذ كامب ديفيد استطاع تحقيق المزيد من التفوق العسكري والتكنولوجي على مصر والعرب مجتمعين.. كل ذلك لعدة أسباب؛ أهمها الموقف الرسمي لمصر (رأس الحربة في المواجهة مع الكيان على شتى الأصعدة المذكورة).
- موقف مصر من الريادة إلى الاستقالة إلى الوساطة.. الريادة منذ 1948إلى ما بعد 1952، ثم الاستقالة من القضية باتفاقية كامب ديفيد، ثم الوساطة الحالية بين حماس والكيان، تصوَّر أنك الوسيط بين أخيك والعدو!.
- مصر هبطت بمستوى الصراع لما هو دون مستوى صراع الحدود، فمثلاً لماذا لم يتم تعمير سيناء بل عدم التواصل العادل مع بدو سيناء طوال ثلاثة عقود لدعم الوجود الشعبي لمواجهة أطماع الكيان؟
- إذا افترضنا أن حماس تستهدف دولة إسلامية على حدود مصر، ومصر لا تقبل ذلك؛ فلماذا تقبل بدولة يهودية صهيونية على نفس الحدود؟! ولماذا تقبل بدولة نووية على حدودها؟! عكس كل دول العالم، مثل حالة الهند وباكستان، والموقف العالمي من كوريا وإيران!.
- موقف مصر يعي جذور القضية تمامًا، لكنه سلبي متشبِّث بكامب ديفيد؛ بهدف المهادنة لتأجيل المواجهة العسكرية مع الكيان الصهيوني للأجيال القادمة، ونتج من ذلك التراجع المصري في كل المجالات، فضلاً عن التفكك العربي غير المسبوق، في حين أن الكيان لم ولن يلتزم بأي اتفاقيات إلا إذا كانت مضطرًّا، بنص القرآن والممارسات التاريخية والحالية، ومن البديهي أن نتوقع منها المزيد من العدوانية.
ولذلك سنتطرق مستقبلاً بإذن الله لتقييم شامل للتراجع الذي بدا فعلاً في المشروع الصهيوني الأمريكي في منطقتنا.
----------
* رئيس جمعية المقطم للثقافة والحوار- hassanelhaiwan@hotmail.com