الصورة غير متاحة

 البدوي عبد العظيم البدوي

في تطور خطير بالمشهد الفلسطيني صرَّح الرئيس الفلسطيني المنتهية ولايته أن السلطة ستضرب بيدٍ من حديد كل من يمس المصالح العليا للوطن، وقد جاء هذا التصريح عقب العملية التي قامت بها قوات الأمن التابعة له برام الله، والتي اغتالت اثنين من كوادر كتائب الشهيد عز الدين القسام بالضفة الغربية، التي عجزت قوات الاحتلال عن أن تعتقلهما، بعد حصار للمنزل الذي كانا فيه بقلقيلية ورفضهما الاستسلام.

 

وأعقب ذلك أن حمَّلتْ كتائب القسام وحركة المقاومة الإسلامية حماس ومعظم الفصائل الفلسطينية سلطة محمود عباس المسئوليةَ عن عملية التصفية الجسدية التي تمت لكوادر القسام، إضافةً إلى ثلاثة من عناصر السلطة الفلسطينية، وصاحب المنزل الذي وُجِد فيه القساميُّون، وعلى إثر ذلك أعلنت حركة حماس تجميد مشاركتها في جلسات الحوار الفلسطيني التي كان مزمعًا عقدها، وذلك ردًّا على استمرار انتهاك سلطة رام الله للتفاهمات التي تم إرساؤها في إطار جلسات الحوار الفلسطيني، ومنها إيقاف عمليات الاعتقال والتعذيب والاغتيال التي تقوم بها قوات الأمن الفلسطيني ضد عناصر المقاومة الموجودة في الضفة، وعلى رأسها عناصر كتائب القسام، وبذلك يُسْدَل الستار على المسرحية الهزْلية التي استمرت طوال الفترة الماضية، والتي عُرضتْ على مسرح الشرق الأوسط وبإخراج مصري وتمويل أمريكي، ومراقبة صهيونية ومشاهدة عربية.

 

وبذلك يعود الوضع الفلسطيني إلى المربع الأول، بعد أن تأكد للجميع وجود عناصر في سلطة محمود عباس لا ترغب في استمرار عملية الحوار تلك، واستمرارهم في المقامرة على إمكان إسقاط حكومة حماس الشرعية في قطاع غزة، وهي العناصر ذاتها التي أخرجت لنا منذ بضعة أيام الحكومة الفلسطينية التي أُعلن عنها ليترأسها فياض بتكليف من عباس؛ في تخطٍّ واضح للشرعية الفلسطينية المتمثلة في المجلس التشريعي المنتخب، وللاتفاقات التي تمَّت في جلسات الحوار الفلسطيني.

 

كما اتضح للجميع- وبما لا يدع مجالاً للشك- أن الهدف من الحوار ليس الوصول إلى حلِّ المشكلات العالقة فى المشهد الفلسطيني بين فصائل المقاومة وسلطة عباس؛ بل هو محاولة لسرقة المشروعية لصالح سلطة رام الله بعد أن فقدتها بمضي المدة وتخلَّت عن نهج المقاومة وتنازلت عن الثوابت الفلسطينية حتى أصبح التعامل والاتفاق مع العدو الصهيوني يمثل بالنسبة لسلطة رام الله مصلحةً فلسطينيةً عليا؛ كما صرَّح الرئيس الفلسطيني المنتهية ولايته.

 

وليس صراع الصلاحيات ذلك بغريب على القضية الفلسطينية؛ إذ إن المتابع للقضية الفلسطينية في الفترة ما بعد عام 1950م يخلص إلى أن ما يحدث من انقسام ليس غريبًا أو جديدًا على الواقع الفلسطيني؛ إذ إن حركة فتح قد رفضت الاعتراف بأن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للقضية، وظلت على هذا الوضع حتى استطاعت أن تسيطر عليها، ومرت السنوات وفقدت حركة فتح قدرتها على المحافظة على ثوابت القضية؛ من جرَّاء ما يحيط بالقضية من عوامل مادية ومعنوية أدَّت إلى يأس مَن يملكون زمام الأمور في حركة فتح من تحقيق أي إنجاز على المستوى النضالي المسلح، فتركوه وتحوَّلوا إلى خدعة (النضال) السياسي.

 

وخطوة بعد أخرى انحرفت البوصلة الفتحاوية عن تحقيق أهداف القضية إلى تحقيق أهداف هامشية، وتنازل عن الثوابت مقابل تحقيق بعض المصالح الشخصية المحدودة؛ بدايةً من تهريب أجهزة محمول، وانتهاءً بعمارات ومنتجعات في مختلف الدول العربية، ومنها الكيان الصهيوني نفسه وبأموال القضية الفلسطينية لأفراد استطاعوا سرقة حركة فتح؛ باعتبار أنهم يستطيعون اتخاذ القرار فيها. 

 

ثم أماتوا منظمة التحرير الفلسطينية نفسها بعد أن سيطروا عليها، ورفضوا إدخال أي فصيل آخر فيها من باقي الفصائل الممثلة للشعب الفلسطيني، وليس فقط رفض إشراك حركة حماس، وأصبح هذا هو الواقع الفلسطيني المرير، والذي نتج منه اختلاف جوهري وعميق بين منهجين في الداخل الفلسطيني؛ منهج السلطة الفلسطينية الحالية والتي يترأسها أبومازن في رام الله، والذي يترأس أيضًا حركة فتح واللجنة المركزية للمنظمة، ويسيطر على المجلس الوطني الفلسطيني الذي أصبح يغلب على تشكيلته التعيين بدلاً من الانتخاب، وأصبح منهج حركة فتح عدم التمسك بالثوابت الفلسطينية؛ مثل القدس كعاصمة موحدة للدولة الفلسطينية، والتنازل عن حق العودة، والسعي لتحقيق مكاسب مادية محدودة لبعض الأشخاص المسيطرين على حركة فتح أو المنظمة، وتصفية أو تهميش الأصوات الفتحاوية المناضلة داخل الحركة، وإبعادها عن أي دائرة من دوائر التأثير أو صنع القرار داخل الحركة أو المنظمة، ووصل الأمر إلى حد التصفية الجسدية لبعض هذه العناصر الفتحاوية المخلصة لمبادئها وقضيتها.

 

وعلى النقيض من ذلك برزت حركة حماس منذ تأسيسها حركة مقاومة شعبية على أسس إسلامية كذراع لحركة الإخوان المسلمين في فلسطين بما لها من تاريخ جهادي طويل في الدفاع عن القضية الفلسطينية والتضحية في سبيلها، وحملت الحركة الوليدة معها كاملَ الموروث التربوي والاجتماعي لحركة الإخوان المسلمين.

 

حقيقة الأمر أن السبب في هذا الانقسام هو الواقع العربي؛ باعتباره المتسبب في هذا الانقسام، ولم يكن الانقسام في الصف الفلسطيني إلا صدىً للانقسام في الصف العربي؛ وتحديدًا الأنظمة العربية، وليس الشعوب العربية والتي حدَّدت خياراتها ووقفت خلفها تلك الأنظمة التي انقسمت فيما يتعلق بالسلام مع "إسرائيل"؛ جدواه وحدود التنازل الممكن تقديمه لها إلى فصيلين.

 

ولقد بدأت قوة الفصيل المستسلم والمتنازل ومَنْ خلفه ضعيفةً هزيلةً تستحي من خيالها وشعوبها، إلا أنها أصبحت أشد قوة بعد أن خلعت برقع الحياء، وعرضت الجامعة العربية السلام على الكيان الصهيوني، والذي رفض حتى هذا العرض السخيّ من الدول العربية، وانتقل إلى التنازل التالي، وطالب الدول العربية بالاعتراف بيهودية الدولة الصهيونية؛ حتى لا يتبقَّى لهم أي ثابت، وينتقل الفلسطينيون إلى الشتات الثالث.

 

ولقد تسبَّب هذا الانقسام العربي وما تبعه من انقسام فلسطيني في إلحاق خسائر للقضية الفلسطينية على المستوى الإسلامي والدولي، ولم يُرجع للقضية الفلسطينية بعضًا من خسائرها ويُعِدْها إلى دائرة الضوء؛ إلا بسالة المقاومين والشعب في قطاع غزة، والتي وقفت أمام أعتى آلة عسكرية في الشرق الأوسط لمدة شهر كامل حتى توقف المعتدي عن الضرب بعد أن نفدت ذخائره وطلب المدد من حلفائه في أمريكا وأوروبا.

 

وإذا لم تستطع المجازر الصهيونية أن تجمع الدول العربية، فماذا سيجمعها ويوحدها؟ أين الحل إذًا؟

 

إن الحل الوحيد الذي سيوحّد الصف الفلسطيني؛ ومن ثمَّ سيوحد الصف العربي خلفه- حتى رغمًا عنه- هو انتفاضة جديدة تطيح بكل أذناب الاستعمار وأتباع النازية وحكومة فيشي في رام الله.. انتفاضة تعيد المقاومة الشريفة إلى المقدمة من جديد، وتوقف العدو الصهيوني عند حده، وتمنعه من تنفيذ مخططاته في القدس الشريف وتحت المسجد الأقصى، وتمنعه من تهجير الفلسطينيين المقدسيين واستبدال صهاينة جدد بهم.. انتفاضة تعيد الهجرة العكسية إلى مسامعنا وإلى مشاهد التلفاز والفضائيات، وتعيد هؤلاء المغتصبين إلى بلدانهم الأصلية مرة أخرى؛ حتى يصيبهم ما أصاب ذويهم من الخنازير بعدما تعرضوا للإنفلوزنزا، فنتخلص منهم بقدر الله وقوته.. انتفاضة ترفع الغمامة عن أعيننا؛ لنرى الشريف من اللص، ولنعرف المتآمرين من المستمسكين بتراب بلادهم  القابضين على الجمر.