يبدو أنني لم أعد قادرًا على استيعاب مستجدات مصر المعاصرة، فأشعر كل يوم أحيانًا بالغربة، وأحيانًا أخرى بالبلاهة وعدم القدرة على المتابعة، وكأن مصر الحالية لا علاقة لها بمصر التي عشت فيها العقود الماضية؛ فقد دُعيت إلى ما يسمى "مناظرة" على إحدى الفضائيات المصرية حول دور مصر الإقليمي.
وأعترف أن مثل هذا النوع من المناظرات يزيدنا غربة وإحباطًا، فقد فوجئت بمقدمة البرنامج، وقد بدا عليها التحفز والتربص بي، وكأنني لا أتمتع بمعايير الوطنية التي فهمتُها منها، ولأول وهلة تصورت أن مشكلتها هي عدم التدريب، ونقص الخبرة في تناول الموضوع الذي لقنته دون أن يمر لحظة واحدة بعقلها، وقد فهمت أن مهمتها هي تلقيني أيضًا؛ حتى أدخل في دائرة المواطنين الصالحين الذين يسبحون بحمد مَن صنع الإنجازات، وليس أمامنا سوى أن ندرك ونكرر، وأن المثقف الحق اليوم هو من يؤمن بكل هذه المقولات، فقد ركزتْ طوال "المناظرة" على تقريعي متعجبة كيف أتشكك في دور مصر وإنجازاتها الإقليمية؛ فإذا قالت مصر تَوَقَّف الدهر ليكرر قولتها، وإذا أمرت امتثل الجميع، ولا يخرج عن أوامرها إلا خائن أو ناكر للجميل.
ويبدو أن فكرة الدور الإقليمي قد استقرت في وجدان صاحبتنا؛ فكانت لا تطيق مقاطعة لها، وكأنني قد حضرت هذا البرنامج لمجرد التأمين على منظومتها وأقوالها، ولم تَدَعني أكمل فكرة واحدة.
أدركت أنها تريد أن تكسب نصف الساعة، وهي كل وقت البرنامج، وأنها تريد أن تسجل انتصارًا مؤداه أن تثبت لجمهورها بالضربة القاضية أنني أفتقر إلى الوطنية؛ لمجرد أنني افترضت أن مصر مريضة، وأريدهم أن يعترفوا بمرضها؛ حتى نسهم جميعًا في إفاقتها من الغيبوبة الطويلة التي ألمت بها.
فهمت لأول مرة خلال هذا البرنامج لماذا شنَّت جميع الصحف الحكومية المسماة بالقومية حملة ضارية ضدي؟!؛ مستخدمة وحدة الإرهاب الفكري المكونة من القيادات الصحفية والكتبة الذين يسيئون إلى مصر التي ابتليت بأمثالهم في هذا العصر؟!، وذلك لمجرد أنني أدليت في الإعلام بشهادة قانونية دعوت الله أن أجدها في ميزان حسناتي؛ وهي أن مصر ليست ملتزمة بإغلاق معبر رفح قانونيًّا، وأن مصر ليست طرفًا في اتفاق المعابر المشبوه بين دحلان و"إسرائيل"، وأن الإغلاق قرار سياسي، أما خلال المحرقة في غزة وما بعدها، فإن إغلاق المعبر يعتبر جريمة ضد الإنسانية، وهي من نوع الجرائم الشخصية التي لا تسقط بالتقادم؛ وذلك على النحو الذي قرره واحد من أبرز علماء القانون الدولي البروفيسور ريتشارد فولك المبعوث الخاص لمجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، الذي ضمن تقريره أن جريمة إغلاق المعابر أساسها حرمان أهل غزة وقت الإبادة من الحق في الفرار من الموت.
وأنا أضيف أن استمرار إغلاق المعبر جريمة مستمرة، فضلاً عن أنها خطيئة تنوء بحملها الجبال عند الحساب لا تنفع فيها شفاعة ولا تبرير، وقد سردت عليّ مقدمةُ البرنامج بحماس شديد سجلاًّ حافلاً تردده الحكومة؛ حتى ظنَّ الناس أنه الحق، فلم تكتفِ الحكومة بتبرير مواقفها التي لا توافق عليها في السياسة الخارجية كلها؛ بل حوَّلتها إلى بطولات، وشعرتُ بالإهانة، وهي تستخف بذكائي، وتصورتْ مقدمةُ البرنامج أنني من العامة؛ وهي تعلم أن أضعف شهادة حصلتُ عليها تعجزها طوال عمرها المديد، فانطلقت كالقنبلة تعدد مآثر وأمجاد الدور المصري، ولم تطق أن أقول بشكل علمي إن مصر ليس لها أي دور أصلاً- أقصد دورًا إيجابيًّا- اللهم إلا إذا كنا نريد أن نتحدث عن الأدوار السلبية الخطيرة التي تقوم بها، وتظنها بطولات ومحك الوطنية الحقة، ومن ينكرها كافر بنعمة الله مستحق لعذابه في الدنيا والآخرة.
قالت صاحبتنا إن مصر أمرت "إسرائيل" بوقف عدوانها على غزة، وأنها استضافت قمة شرم الشيخ مرتين؛ الأولى: لمساندة مبادرة مصر لوقف العدوان، والثانية: لإعمار غزة، فأدركت عمق المأساة التي تعيشها صاحبتنا، كما أدركت أنها لا تزال تعيش مرحلة ما قبل العولمة، عندما تصورت أن الإعلام الحكومي هو الذي يرضع الشعب اللبن الذي يريد، وأن طفولة الشعب دائمة وتخلفه فطري، وأن رياح العولمة تعصف بعقله بسبب ضعف مناعته، فلم أملك إلا الضحك متمثلاً بقول الشاعر: "فالطير يرقص مذبوحًا من الألم"؛ الألم مرتين: على ما وصلنا إليه، وعلى محاولة فرض رؤية معاكسة؛ حتى على كبار المفكرين والعلماء، فانتهى وقت البرنامج.
وأنا أختم قائلاً: إذا كان لمصر الأمر والنهي على "إسرائيل"؛ فلماذا انتظرت 23 يومًا حتى بلغ الألم والغضب منتهاه، وظن الناس بالله "الظنونا"؟ ولكني انصرفت خشية أن تدفعها عبقريتها إلى الرد بأن مصر كانت تنتظر القضاء على المقاومة؛ ولكنها يئست فأمرت "إسرائيل" غاضبة ومعنفة بأن "تتلهى على عينيها"، بعد أن خيَّبت ظنها في قوتها وجبروتها.
إن أخطر ما تتعرض له مصر هو قلب المفاهيم؛ فيصبح من يعمل على هدمها والإساءة إلى سمعتها، ويسعى إلى إخفاء مرضها، والتظاهر الكاذب بأن مصر في أحسن حال هو الوطني الحق، وأن من يكشف عن مرض مصر سعيًا إلى علاجه هو العميل والخائن لوطنيته.