بينما يحتفل العالم في مثل هذا اليوم من كل عام باليوم العالمي لحرية الصحافة؛ للتأكيد مجددًا على حق الصحفيين، وحريتهم في ممارسة مهامهم، من دون قيودٍ أو تكميمٍ وملاحقةٍ، يعيش صحفيو فلسطين بشكلٍ عامٍّ، والغزيون منهم بشكلٍ خاصٍّ؛ حالةً غير مسبوقةٍ من الاستهداف والملاحقة والمطاردة، والزج بهم في السجون، على خلفية عملهم الصحفي وحملهم لقضية فلسطين.
ويحتفل العديد من الصحفيين الفلسطينيين باليوم العالمي لحرية الصحافة هذا العام، وهم داخل السجون أو في غرف التحقيق، بعد استدعائهم من قبل الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، أو من جانب قوات الاحتلال الصهيوني.
وكان استهداف الاحتلال للصحفيين خلال الحرب الأخيرة على غزة الأخطر، منذ مطلع انتفاضة الأقصى الثانية في سبتمبر من العام 2000م؛ حيث استهدف الصحفيين والمكاتب الإعلامية ومحطات البث الإذاعية، مما أدى إلى استشهاد وإصابة العديد منهم، وتدمير مقرات عملهم، ناهيك عن استمراره في منع التنقل بين غزة والضفة الغربية، وتشويش واختراق محطات البث الإذاعية والتليفزيونية.
ويحتفل صحفيو فلسطين بيوم الحرية المنقوصة، وهم يفتقدون العديد من الزملاء؛ حيث يقبع بعضهم داخل السجون، فيما روى آخرون بدمائهم أرض غزة إبان الحرب الأخيرة، بعد أنْ سطَّروا بأقلامهم أروع ملاحم البطولة، وقدموا دماءهم فداءً لإيصال حقيقة ما يتعرض له الشعب الفلسطيني، كما يحتفلون بيوم حريتهم المسلوبة، وهم يفتقرون لجسم نقابي يحفظ حقوقهم ويحمي حريتهم، بعيدًا عن السجالات السياسية.
مطالب نقابية
صحفيو غزة يطالبون بانتخابات نقابية حرة
ويعتقد الصحفيون في غزة أنَّ الحاجة أصبحت ملحةً الآن لوجود جسمٍ نقابي فلسطيني قوي يحفظ حقوقهم وحريتهم.

في هذا السياق تؤكد الصحفية فداء المدهون مديرة مؤسسة (الثريا) للإعلام في غزة، ضرورة الإسراع في إصلاح نقابة الصحفيين، وإعادة تفعيلها بالشكل المطلوب؛ لتتمكن من تقديم واجبها الوطني تجاه العمل الصحفي والرسالة الإعلامية التي يحملها الصحفي الفلسطيني على عاتقه.
ودعت كافة الصحفيين إلى عدم الصمت تجاه جمود جسد النقابة، والعمل بشكلٍ فوريٍّ وسريعٍ على تفعيلها، لتحافظ على الدور الريادي الذي منحها جهود طواقم وجنودًا مجهولة من الصحفيين والصحفيات.
وطالبت الجهات المسئولة باحترام رجال الصحافة والإعلام، وتقدير دورهم، والعمل على تسهيل مهامهم، وتمكينهم من الحصول على المعلومات، وعدم مضايقتهم، والتعامل معهم بأسلوبٍ حضاريٍّ يعكس إيمانهم بالحريات.
ودعت الأجهزة الأمنية التابعة لعباس باحترام كافة المواثيق والقوانين الدولية، واستغلال هذه المناسبة لتقديم حسن النوايا تجاه الشعب الفلسطيني، وإطلاق سراح كافة الصحفيين المعتقلين لديها.
الأسوأ
ويعتبر العام 2008م، ومطلع العام 2009م الأسوأ بالنسبة للحركة الصحفية الفلسطينية لما شكَّلته الاعتداءات الصهيونية، وممارسات جيش الاحتلال من عبءٍ كبيرٍ على حرية العمل الصحفي، من خلال قصف وقتل الصحفيين إبَّان الحرب الأخيرة على غزة، والتي راح ضحيتها العديد من الصحفيين والمصورين؛ إضافة إلى الاعتداءات بالضرب والمصادرة والاعتقال، والتوقيف لصحفيي الضفة الغربية الخط الأخضر أثناء تغطيتهم للأحداث المختلفة.
ورصد المركز الفلسطيني للتنمية والحريات الإعلامية (مدى) 257 انتهاكًا للحريات الإعلامية في هذه الفترة, من بينها 147 انتهاكًا ارتكبتها قوات الاحتلال وقطعان المغتصبين, وكان أكثرها دموية قتل مصور وكالة (رويترز) فضل شناعة بشكلٍ متعمدٍّ في الحرب الأخيرة على غزة, في حين ارتكبت الأجهزة الأمنية الفلسطينية في الضفة والقطاع ومسلحين فلسطينيين 110 اعتداءات.
وقال المركز إنَّ الشهر الأول من العام الحالي شهد انتهاكاتٍ نوعيةً خطيرةً من قبل قوات الاحتلال أثناء عدوانها على قطاع غزة؛ مما أدَّى إلى استشهاد أربعة إعلاميين، وهم: علاء مرتجى، وعمر السيلاوي، وإيهاب الوحيدي، وباسل فرج, كما جرح العديد من الصحفيين, وجرى تدمير مقرات لوسائل إعلامية, وقصف لأبراج تتواجد فيها مكاتب الكثير من وسائل الإعلام المحلية والعربية والدولية.
وشدَّد على أن التساهل الذي أبداه المجتمع الدولي الرسمي تجاه الانتهاكات الصهيونية في هذه الفترة وخلال العقود الماضية, أدَّى إلى شعور دولة الكيان بأنها بمنأًى عن العقاب، وكأنها فوق القانون.
وأضاف المركز: "ففي حين تربط بعض الدول تعاونها ومساعداتها لكثيرٍ من الدول الأخرى بمدى احترامها لحقوق الإنسان, نجد دولة الكيان مستثناة من ذلك في معظم الأحيان".
وأكد أنَّ عدم ملاحقة المسئولين عن الانتهاكات، وتقديمهم للمحاكمة؛ سواء في الجانب الصهيوني أو الفلسطيني, أدَّى إلى تشجيع آخرين على القيام بانتهاكات جديدة، موضحًا أنَّ الانتهاكات التي تُمارَس ضد الإعلام الفلسطيني، خاصةً من أجهزة الأمن الفلسطينية خلال السنتَيْن الأخيرتَيْن "أدت إلى تأثيراتٍ سلبيةٍ بالغةٍ على الإعلام الفلسطيني, من حيث أدائه المهني وموضوعيته وحياديته".
وطالب مركز (مدى) المجتمع الدولي بممارسة ضغطٍ جدِّيٍّ على الكيان الصهيوني, لوقف اعتداءاتها على الصحفيين, كما دعا المسئولين الفلسطينيين في الضفة المحتلة وقطاع غزة إلى السماح لوسائل الإعلام الفلسطينية بالعمل بشكلٍ حرٍّ.
وطالب المعهد الفلسطيني للاتصال والتنمية بجمع الأدلة والوثائق التي تُدين الاحتلال الصهيوني بجرائم قتل الصحفيين، والتعاون مع منظمات صحافية دولية من أجل مقاضاة القادة السياسيين والعسكريين الصهاينة الذين قتلوا نحو 1500 فلسطيني في العدوان الأخير على قطاع غزة.
وأكَّد المعهد في بيانٍ وصل (إخوان أون لاين): "إنَّ إفلات دولة الكيان في السابق من العقاب، شجعها على ارتكاب المجازر، كما أنَّ إفلاتها من الحساب على ما ارتكبته بحق الصحفيين في الحرب الأخيرة سيعطيها ضوءًا أخضر للاستمرار قدمًا في قتل الفلسطينيين".
وناشد المعهد رئيس السلطة المنتهية ولايته محمود عباس، والحكومتين في غزة ورام الله "طيّ ملف الانتهاكات بحق الصحافة والصحفيين والمعتقلين السياسيين على خلفية حرية الرأي والتعبير، وحرية العمل السياسي، والتجمع السلمي مرة واحدة، وإلى الأبد".
تراجُع في الحريات
كما تشهد الحالة الإعلامية الفلسطينية تراجعًا ملحوظًا في مساحة الحريات الصحفية، وحالة غير مسبوقة من استهداف الصحفيين.

ويشير الصحفي ياسر أبو هين رئيس كتلة الصحفيين بغزة إلى وجود عشرات المؤسسات الصحفية المغلقة، كما أنَّ هناك بعض الصحفيين أمضوا أكثر من سبعة أشهرٍ في الزنازين من دون أنْ تتقدم أي جهةٍ لتتحمل قضيتهم، وتتبنى الدفاع عنهم، وهي مؤشرات خطيرة تدل على تراجع حرية الصحافة في الأراضي الفلسطينية.
وأكَّد أبو هين أنَّ الاحتلال الصهيوني يستهدف الصحفيين استهدافًا مباشرًا، عبر وضعهم ضمن دائرة الاستهداف الأولى، كما حدث في الحرب الأخيرة على غزة؛ حيث تم قصف مؤسسات إعلامية كـ"الرسالة"، و"الأقصى" وبرجي الجوهرة والشروق، كما استشهد حوالي سبعة من الصحفيين، بجانب العشرات من الإصابات، بالإضافة إلى الملاحقات والتضييق على الصحفيين في الضفة وغزة، ووجود سبعة معتقلين منهم في سجون الاحتلال، وفرض إقامات جبرية على البعض الآخر.
ظلم ذوي القربى!!
وأعرب العديد من صحفيي غزة أسفهم لكون العديد من الصحفيين الفلسطينيين يحتفلون باليوم العالمي لحرية الصحافة، وهم داخل السجون الفلسطينية، أو في التحقيق بعد استدعائهم من قبل أجهزة المخابرات التابعة لسلطة رام الله.
ويعاني صحفيو الضفة منذ أكثر من عامين من عمليات اعتقال متواصلة، تنفذها الأجهزة الأمنية هناك بحقهم، بالإضافة إلى معاناة الصحفيين بشكل عام من اعتداءات الاحتلال.
وانعكست حالة الانقسام الفلسطيني بشكلٍ سلبيٍّ على حرية الصحافة في الضفة وغزة؛ حيث بات الصحفيون في مرمى الملاحقة والضرب من قبل أجهزة الأمن، لكن الشيء المطمئن كما يرى الصحفيون، هو أنَّ المؤسسات الحقوقية والتجمعات الصحفية ترفع صوتها للدفاع عن الصحفيين في حال حدوث تجاوزات بحقهم.
واعتبر أبو هين أن الصحفيين الفلسطينيين سيحتفلون باليوم العالمي لحرية الصحافة لهذا العام بأقلام مكسورة وعدسات مشوشة؛ "لأنَّ الصحفي الذي من المفترض أنْ يحتفل به سيكون شاخصًا أمامه صور عشرات الصحفيين المعتقلين والشهداء، وسيشعر بحالة من الشفقة للحالة الإعلامية التي تعيشها أراضينا".
ولفت إلى أنَّ الجسم الإعلامي الفلسطيني يعاني من التفكك والانقسام، وأبرز ما يعاني منه الصحفي هو غياب جسمٍ نقابيٍّ منتخبٍ ديمقراطيٍّ يستطيع أنْ يشعرنا في وجوده بقيمة يوم الثالث من مايو.
وأبدى أبو هين تشاؤمه من إمكانية أنْ يأتي العام القادم والحالة أفضل؛ "لأنَّ هناك حاجةً لجهودٍ طويلةٍ لإعادة الروح والحيوية للجسم الصحفي، عبر تكاتف جهود المؤسسات الإعلامية والحقوقية والمحلية لمنح الصحفي هامشًا أوسع من حرية الرأي والتعبير، ووقف الملاحقات والاعتقالات".