التهديدات الصهيونية بضرب قطاع غزة و"قطع رؤوس قادته" و"خنق حركة حماس"، بحسب الوزير الصهيوني المتطرف أفيجدور ليبرمان، دفعت أجنحة المقاومة العسكرية باختلاف فصائلها لأخذ هذه التهديدات على محمل الجد، ورفع مستوى درجة الاستنفار، والتأهُّب والاستعداد لصدِّ أي عدوان جديد، ولكن وفق تكتيكات وإستراتيجيات جديدة لم يعهدها الاحتلال من قبل، كما يقول قادة المقاومة.
الأنباء الأخيرة الواردة من الكيان الصهيوني أعطت بعض الإشارات في هذا الإطار، ومن بينها ما تحدثت عن قيام سلاح الجو الصهيوني بالتدريب على عملياتٍ عسكريةٍ من نوعٍ جديدٍ، وكذلك اتجاه الكيان الصهيوني للتعاقد على شراء منظومة الدفاع الجوي الأمريكية الصنع من طراز "فلاتكس" المخصصة للتصدي للصواريخ قصيرة المدى، بالإضافة إلى استبعاد أي إمكانيةٍ لإتمام صفقة تبادل الأسرى مع الفلسطينيين.. كل هذه الإشارات تزامنت مع تصعيد في لهجة قيادات الحكومة الصهيونية الجديدة بعمليةٍ عسكريةٍ ضد قطاع غزة، ومحاولة "إنهاء حكم حركة حماس" في القطاع.
وقالت مصادر دبلوماسية عربية مطلعة "إنَّ جهات عربية أبلغت حركة حماس والفصائل الأخرى مؤخرًا بنية الكيان الهجوم على قطاع غزة، في حال عدم توقف إطلاق الصواريخ"، وبدأت الحكومة الصهيونية الجديدة بزعامة نتنياهو بالتحضير لحملة إعلامية، مثل تلك التي بدأتها حكومة رئيس الوزراء الصهيوني السابق إيهود أولمرت قبل عامين من الحرب الأخيرة على غزة.
المقاومة نجحت في إرهاق جنود الكيان الصهيوني
وتدَّعي حكومة الاحتلال أنَّ المقاومة الفلسطينية تمتلك في الوقت الراهن صواريخَ متطورةً بعيدة المدى، روسية الصنع، تم تهريبها من سيناء لقطاع غزة، وتتزامن هذه الحملة مع توصياتٍ أخرى عُرِضَت على مجلس الوزراء الصهيوني المصغر لشنِّ حرب ضد المستوى الأعلى من حركة المقاومة الإسلامية حماس؛ ردًّا على مواصلة إطلاق الصواريخ والقذائف باتجاه المغتصبات.

والمدهش أنَّ الفترة الأخيرة لم تشهد إطلاق صواريخ على الكيان الصهيوني، انطلاقًا من قطاع غزة، مع إعلان حركة حماس وكتائب النضال الفلسطينية أنَّ إطلاق الصواريخ في الوقت الراهن ليس من المصلحة الفلسطينية العليا في شيءٍ، ويشير بعض المحللين إلى أنَّ تلك الحملة تأتي في إطار تهيئة الرأي العام المحلي والإقليمي لحربٍ جديدةٍ على غزة.
تكتيكات وإستراتيجيات
أجنحة المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها كتائب القسام (الجناح العسكري لحماس) أعلنت استعدادها لأية مواجهةٍ جديدةٍ وأوعزت لمهندسيها، وبعض الخبراء العسكريِّين بوضع الخطط والتكتيكات الجديدة الكفيلة بالتصدِّي لأيِّ عدوانٍ محتملٍ، بخلاف التكتيكات التي استخدمت إبان الحرب على غزة.
وقال مصدر عسكري مقرب من حماس لـ(إخوان أون لاين) "إنَّ أجنحة المقاومة شكَّلت في وقت سابق لجانًا وفرق تقييم للحرب الأخيرة، ونتائجها من بعض الخبراء والمهندسين لإعادة تقييم أداء المقاومة، ووضع الخطط والإستراتيجيات الجديدة التي تمكِّن المقاومة من الصمود في وجه أي عدوان جديد.
صواريخ المقاومة تجبر الصهاينة على الهروب
وأضاف المصدر- الذي رفض الإفصاح عن اسمه- أنَّ تلك اللجان تمكَّنت من خلال دراسة نتائج الحرب وأداء فصائل المقاومة وتكتيكاتها السابقة، من وضع يدها على بعض نقاط الضعف التي تعتري بعض المقاتلين، ورفعت تقريرًا للمستويات العليا والمجلس العسكري الذي يجمع ممثلين عن مختلف الأجنحة العسكرية الفلسطينية في قطاع غزة؛ لأخذها بعين الاعتبار وسد الثغرات، في حال نشوب أي حرب جديدة ضد غزة، وأشار المصدر إلى أنَّ أجنحة المقاومة استفادت من نتائج الحرب الأخيرة، وعليه فقد قامت ببناء خطط وتكتيكات جديدة.

من جانبه لم يستبعد أبو شادي القيادي في كتائب الشهيد عز الدين القسام (الجناح العسكري لحركة حماس) من حدوث مواجهةٍ جديدةٍ مع الاحتلال الصهيوني "الذي بدأ يتحدث عن إمكانية توجيه ضربات جديدة ضد غزة"، وألمح القيادي أبو شادي إلى تشكيل وإعداد وحدات وغرف متخصصة في الكتائب؛ "لوضع خطط دفاعية وبديلة وسريعة"، في حال جرت أي عملية عسكرية جديدة بخلاف التكتيكات السابقة.
ورفض القيادي الكشف عن الخطط والإستراتيجيات، إلا أنَّه قال: "سنخرج لهم من تحت الأرض، وسنفاجئهم بما لا يتوقعون"، في إشارةٍ إلى شبكة الأنفاق التي تعدها أجنحة المقاومة في مناطق متفرقة من القطاع لاستخدامها للتمويه في عملياتها.
وكشف أبو شادي لـ(إخوان أون لاين) عن أنَّ الخطة القادمة لن تعتمد فقط على الدفاع عن غزة، بل ستركِّز على الهجوم كذلك في مفارق مختلفةٍ في الكيان "لإحداث إرباك وضغط كبير في قوات العدو"، في تحوُّل نوعي كبير لعمليات المقاومة الفلسطينية ضد الكيان الصهيوني.
![]() |
|
مقاتلو القسام على أهبة الاستعداد لأي عدوان محتمل |
ويشير أبو شادي إلى أنَّ "تطورات كبيرة" جرت على البنية العسكرية للقسام؛ خاصةً بعد الحرب الأخيرة على غزة"، مشيرًا إلى أنَّ مهارات وقدرات عسكرية وعبوات وصواريخ جديدة وكبيرة باتت في جعبة المقاومين والمقاتلين استعدادًا للمرحلة القادمة.
وألمح إلى أنَّ شبكة الأنفاق في قطاع جرى تطويرها لاستخدامها لتنقل المقاتلين، وإطلاق الصواريخ، وتنفيذ عمليات اختطاف مفاجئة وسريعة لجنود الاحتلال، ويقوم العشرات من المقاتلين ليلاً وبشكلٍ يوميٍّ وسريٍّ بعمليات حفرٍ متواصلةٍ على بعض تخوم وحدود غزة؛ تمهيدًا للاستفادة منها في حال نشوب أي عدوانٍ جديدٍ.
وأوضح أبو شادي أنَّ عمليات الحفر التي تتم "تأتي ضمن التكتيكات الجديدة والمعقدة" للمقاومة، رافضًا الإفصاح عن كل التفاصيل، لكنه أشار إلى أنَّها ستكون بطريقةٍ جديدةٍ ومعقدةٍ، وستستخدم لخطف الجنود الصهاينة، وتسهيل عمليات نقل المقاتلين بين الأحياء والشوارع وإطلاق الصواريخ.
وأضاف القيادي في حركة حماس، أنَّ "العدو سيواجه في المرحلة القادمة صعوبة في رصد أي من المقاتلين"، وكشف عن مفاجأةٍ جديدةٍ تعدها المقاومة الفلسطينية، وقال: إنَّ طائرات الاحتلال ستكون في المرحلة القادمة هدفًا للمقاومة، وأضاف: "تم تطوير القذائف والصواريخ التي من شأنها الفتك بالآليات والدبابات"، مؤكدًا أنَّ كتائب القسام باتت مهيَّأة لأيِّ عملٍ عسكريٍّ صهيونيٍّ، وشدَّد على أنَّ القسام سيفاجئ الاحتلال بمقاومةٍ مختلفةٍ، وسيكبِّده خسائر غير متوقعة.
وكانت مصادر أمنية في وزارة الحرب الصهيونية قد قالت بأنَّ لديها اعتقادًا بأنَّ صواريخ المقاومة كانت تنطلق إبان الحرب الأخيرة على قطاع غزة عبر فوَّهات أنفاق متقدمة تم حفرها بهدف إطلاق الصواريخ بسرعة فائقة، ثم إخفاء منصاتها داخل تلك الأنفاق بسرعة.
وفشل سلاح الجو الصهيوني إبان الحرب في رصد المنصات التي تطلق منها الصواريخ، نحو مغتصبة أسديروت وعسقلان والكيبوتسات المجاورة لقطاع غزة.
الحرب.. احتمال وارد
ولم يستبعد المراقبون احتمال شنِّ الكيان حربًا جديدةً و"محدودةً" على غزة، مستدلِّين بلهجة التهديد والوعيد المستمرة التي يشنُّها قادة الاحتلال ضد حماس وغزة.
ويعتقد الكاتب والمحلل السياسي هاني المصري إمكانية نشوب حرب محدودة على غزة، مشيرًا إلى أن هذا الخيار، تُدرجه حكومة نتنياهو ضمن مخططاتها، ولكن تؤجله في الوقت الراهن لإعطاء أولوية للملف الإيراني.
وأكَّد المصري أهمية عدم التهاون بالتصريحات الصادرة عن قادة العدو تجاه غزة، وضرورة أخذها بالجدية اللازمة مضيفًا: "اللهجة المتصاعدة تهدف لإسقاط حكومة حماس، وتغيير نظام الحكم في غزة وكسر إرادة وصمود الشعب الفلسطيني".
بنيامين نتنياهو
وقال المصري: إنَّ الحملة التي تقودها حكومة نتنياهو، وترويجها لامتلاك حماس صواريخ متطورة، وطويلة المدى؛ تأتي في إطار الاستعداد لضرب غزة، والترويج بأنَّ دولة الكيان تدافع عن نفسها أمام تطور تسليح حماس، موضحًا أنَّ حكومة الكيان "تحاول إظهار حماس بأنَّها باتت تشكل خطرًا على أمن الدول المجاورة، وبالتالي استمرار عدوانها تحت هذه الحجج".

واتفق معه الكاتب والمحلل السياسي الدكتور ناجي شراب الذي أكَّد أنَّ الكيان الصهيوني "لن يتعامل مع قطاع غزة إلا بخيار القوة"، باعتبارها خيارًا إستراتيجيًّا للحفاظ على أمنه، وضرب قادة المقاومة، وكسر إرادة الشعب الفلسطيني.
وأشار الدكتور شراب لـ(إخوان أون لاين) إلى أنَّ احتمالات استخدام القوة ضد غزة في الوقت الراهن "واردة بشكل كبير"، لكنه استبعد في الوقت ذاته خيار الحرب الشاملة على غزة، في ظل المعطيات الإقليمية والدولية، وقال: "لن تلجأ دولة الكيان للحرب الشاملة، ويمكن استهداف قيادات وشخصيات وضرب أماكن محدودة؛ لتجنب الضغوط الدولية تجاهها، وتجنب ملاحقة قادتها، وعدم تعريض الإدارة الأمريكية الجديدة للإحراج".
ويعتقد شراب أنَّ التهديدات الجديدة قد تكون من باب الضغط السياسي على حماس وحكومة غزة؛ للدفع باتجاه التهدئة وفق الشروط الصهيونية، أو الدفع باتجاه صفقة الأسرى، وإطلاق سراح الجندي الصهيوني الأسير لدى المقاومة جلعاد شاليط.
وقال: إنَّ الكيان يبالغ في امتلاك المقاومة للأسلحة؛ بهدف المبالغة في تجسيد حالة "الإرهاب" في غزة، وأنَّها أصبحت كيانًا خطيرًا يهدِّد أمن واستقرار المنطقة بأكملها، متفقًا مع المصري في ذلك.
وأوضح أنَّ "دولة الإرهاب الصهيوني تلجأ إلى مثل هذه الحملات؛ لاحتواء الضغط الدولي في حال توجيه أي ضربة لغزة".
