لم يخطر ببال صحفيي غزة أن يكون زملاؤهم بالضفة الغربية هم ضحية للملاحقة والاعتقال والتخوين والشتم من قبل أجهزة الرئيس محمد عباس، بمجرد إعلانهم عن إطلاق مبادرة جديدة لإعادة ترتيب وتفعيل بيتهم المشلول "نقابة الصحفيين"، التي يهيمن عليها وعلى مقدراتها صحفيون من حركة فتح منذ سنوات طويلة، دون أن تسهم في العمل على إجراء انتخابات نزيهة لهذا الجسم.

 

ولم يصدق العشرات من صحفيي غزة أن الحرب التي تدور على زملائهم بالضفة من أجهزة الرئيس عباس يقود رحاها نقيبهم "نعيم الطوباسي" حفاظًا على مكانته، وإفشالاً لأي محاولة لإعادة ترتيب حال النقابة التي باتت تفظ أنفاسها الأخيرة في غرفة الإنعاش.

 

وخاض صحفيُّو غزة خلال الأشهر الماضية مسيرات وفعاليات مكثفة للمطالبة بإعادة ترتيب وإصلاح النقابة وإجراء انتخابات جديدة بعد عشر سنوات من الموت السريري، وأفضت هذه الفعاليات الأسبوع الماضي إلى تشكيلهم لجنة متابعة مهنية للحوار مع كافة الجهات المعنية، بما في ذلك مجلس نقابة الصحفيين الحالي؛ تمهيدًا لإعادة إصلاحها، إلا أن المفاجأة كانت حين ردت أجهزة الرئيس عباس على هذه المبادرة التي لاقت ترحيبًا واستحسانًا من الصحفيين؛ بشن حملة اعتقالات مسعورة ضد صحفيي الضفة والزجِّ بهم في غياهب السجون.

 

ويبدو أن مبادرة صحفيي غزة قد أثارت غضب وجنون الطوباسي الذي شن حملة تخوين وتشهير بحق عدد من الصحفيين وحركة حماس، واتهامها بمحاولة شق وحدة النقابة، والتلاعب بمصيرها، كما أثارت هذه الخطوة- على ما يبدو- جنون أجهزة الرئيس عباس التي شنت حملات اختطاف مسعورة.

 

حملات اعتقال وتشويه

 الصورة غير متاحة

نقيب الصحفيين الفلسطينيين نعيم الطوباسي

وقالت مصادر خاصة لـ(إخوان أون لاين) إن جهاز الأمن الوقائي التابع لعباس اختطف في أعقاب الإعلان عن تشكيل اللجنة وبيان الطوباسي الأخير، الصحفي مصطفى صبري، بعد عدة ساعات من اختطاف الصحفي مراد أبو البهاء بعد مداهمة منزله في بلدة بيتونيا غربي رام الله.

 

وقالت تلك المصادر إن الوقائي اقتاد الصحفيين إلى مكان مجهول، ويعمل أبو البهاء (23 عامًا) منسقًا إعلاميًّا في مكتب نواب المجلس التشريعي برام الله، وهو أحد طلبة الدراسات العليا بجامعة بيرزيت، وتعرض للاعتقال في سجون الاحتلال سابقًا.

 

كما اعتقل الصحفي صبري عدة مرات على يد جهاز الأمن الوقائي والمخابرات في الضفة, إضافة إلى أن منزله تعرض في إحدى المرات لإطلاق النار.

 

وانتقد الصحفيون هذه الاعتقالات والتصريحات التحريضية للطوباسي، مؤكدين أنها ستسهم في تدمير وتشويه صورة الصحفيين، وتشكل عائقًا أمام إصلاح النقابة واستنهاضها وتفعيل دورها.

 

وأكد الصحفي فتحي صباح منسق اللجنة في غزة لـ(إخوان أون لاين) أن حملة الاعتقالات التي شنتها أجهزة الرئيس عباس غير مبررة، وتسهم في تدمير وتشويه صورة الصحفيين، ودور وعمل اللجنة، وتشكِّل عائقًا أمام إصلاح النقابة واستنهاضها وتفعيل دورها للارتقاء بأوضاع الصحفيين، مشدِّدًا على ضرورة إطلاق سراح جميع الصحفيين دون استثناء.

 

وقال عماد الإفرنجي رئيس منتدى الإعلاميين من جانبه إن هذه الخطوة مرفوضة، وتعبير جديد عن الأزمة التي تعيشها نقابة الصحفيين ومن يسيطر على قرارها، وأوضح الإفرنجي أن هذه الإجراءات ستكون مدعاةً إلى مزيد من الأزمات والإشكاليات التي يمكن أن تعترض إصلاح وبناء نقابة الصحفيين.

 

وشدَّد ياسر أبوهين أحد أعضاء اللجنة ورئيس كتلة الصحفي بغزة لـ(إخوان أون لاين) على أنه من المؤسف الرد على هذه الخطوة بالتصعيد ضد الصحفيين، واعتقال عدد منهم، وشن حملات التشويه، وبيانات التخوين من قِبَل الطوباسي وأجهزة الرئيس عباس، مؤكدًا أن هذه الإجراءات لن تؤثر على دور اللجنة، والمهام التي حدَّدتها لنفسها من أجل إعادة إصلاح وإحياء نقابة الصحفيين.

 

وجاءت حملة الاعتقالات والملاحقات للصحفيين بعد بيان وتحريض الطوباسي الأخير ردًّا على تشكيل لجنة الحوار وزعمه أن الاجتماع الأخير للصحفيين داخل مقر النقابة، وما انبثق عنه كان محاولة لشق وحدة النقابة والتلاعب بمصيرها.

 

ونفى أعضاء اللجنة وجموع الصحفيين ادعاءات الطوباسي، مؤكدين أن اللجنة التي تشكّلت تهدف إلى الحوار مع كافة الجهات والأطياف وعلى رأسها أعضاء مجلس النقابة للبحث في كيفية إصلاح وإعادة بناء جسم النقابة المشلول منذ سنوات عدة، محذرين الطوباسي من تبعات تصريحاته التي وصفوها "بالشعواء وغير المسئولة".

 

وكان صحفيو غزة قد اتفقوا في نهاية اجتماع عقدوه في مقر نقابة الصحفيين بغزة الإثنين الماضي على تشكيل لجنة متابعة مهنية، مهمتها الحوار مع كافة الجهات، وعقد اجتماع طارئ للجمعية العمومية لنقابة الصحفيين؛ تمهيدًا لغربلة العضوية، والتحضير للانتخابات وفقًا لجدول زمني محدد.

 

وناقش المجتمعون- بحضور عدد كبير من الصحفيين- آلية تفعيل وإعادة بناء وتأهيل النقابة منتهية الولاية منذ عدة سنوات، بمشاركة حسين الجمل عضو مجلس النقابة، فيما قاطعه صخر أبو العون عضو مجلس النقابة، والذي دعاه منسق اللجنة فتحي صباح للحضور، على عكس ما ادَّعاه أبو العون بأنه لم يُدعَ للاجتماع ولم يسمع به إلا عبر وسائل الإعلام.

 

وتناول الصحفيون الآلية المناسبة الكفيلة بإعادة تأهيل وتفعيل جسم النقابة، ليكون جسمًا قويًّا في مواجهة التحديات التي تعترض سبيل عمل الإعلامي والصحفي الفلسطيني، خاصةً في ظل الأوضاع الراهنة التي تعيشها الأراضي الفلسطينية، وحالة الانقسام المستشرية.

 

وطرح عدد كبير من الصحفيين مداخلات مهمة وأفكارًا للخروج من حالة الشلل التي تعاني منها نقابة الصحفيين، وقدم حسين الجمل مداخلةً أعرب فيها عن دعمه لتشكيل لجنة مهنية تأخذ بالاعتبار الواقع السياسي، وتجتهد لخدمة الصحفيين والحوار، وصولاً إلى انتخابات نقابية شفافة.

 

وأعلن عدد كبير من الصحفيين دعمهم لعمل اللجنة ووقوفهم إلى جانبها، معتبرين بقاء الحال على ما هو عليه أمرًا غير مقبول.

 

وثمّن الصحفيون المستقلون الاجتماع داعين إلى اعتماد الاجتماع دوريًّا كل شهر، وطالبوا اللجنة التي شكّلها الصحفيون إلى إعلان إنهاء عمل مجلس نقابة الصحفيين السابق، والدعوة فورًا إلى انتخابات محددة التاريخ.

 

لكن الاجتماع- وما تمخّض عنه من نتائج نالت رضا الصحفيين وتأييدهم وترحيبهم- يبدو أنه لم يرق لمزاج الطوباسي وبعض أعضاء مجلس النقابة، الذين بَدَوا في حالة تخبُّط وخوف، وشنُّوا حملات تشويه وتخوين وأكاذيب بحق الصحفيين، متهمين إياهم بمحاولة سرقة النقابة، والعمل على إضعافها.

 

ويبدو أن الطوباسي بات متخوفًا من سحب البساط من تحت أقدامه في حال إقدام صحفيي غزة بإجراء انتخابات لنقابة الصحفيين، في حال عدم تجاوب النقابة مع مطالبهم، وإجراء انتخابات متزامنة في الضفة والقطاع.

 

وسبق أن علَّق الطوباسي حالة التشرذم والتفكك التي تجتاح نقابته على شمَّاعة من الأعذار الواهية وعلى رأسها الانقسام بين الضفة وغزة.

 

وقال الطوباسي إن ما أُعلن عنه من قِبَل الصحفيين بتشكيل لجنة متابعة للحوار أو غيره، بعيدًا عن التنسيق مع النقابة الشرعية، وبعيدًا عن أي اتصال بنقيب الصحفيين وبأعضاء مجلس النقابة؛ إنما يهدف إلى خلق حالة من البلبلة بين صفوف الصحفيين، والعمل على إضعاف الصحفيين على المستوى الدولي، وتصميم البعض على ضرب تمثيل فلسطين دوليًّا وعربيًّا، وخلخلة وحدة نقابة الصحفيين والجسم الصحفي داخليًّا.

 

ورد صباح على هذه الادِّعاءات، قائلاً إن الاجتماع عُقد بعد التشاور وإبلاغ بعض أعضاء المجلس، وهم محمد الشرافي الذي اعتذر عن عدم المشاركة لانشغاله، وحسين الجمل الذي شارك ورحَّب بهذه الخطوة الجريئة، وصخر أبو عون أمين سر النقابة الذي طلب من العاملين بالنقابة إبقاء مقر النقابة مفتوحًا والترحيب بالصحفيين.

 

ورد أبو العون بأنه لم يُدعَ للاجتماع وأن هيئة إدارة النقابة لم تُبلّغ عبر أي كتاب رسمي بعقد الاجتماع، وزاد أبو العون أنه لم يسمع عن الاجتماع إلا عبر وسائل الإعلام، و أن الخبر الذي نُشر عن مقاطعته للاجتماع عارٍ عن الصحة.

 

ونفى صباح ذلك باستغراب قائلاً: "أنا شخصيًّا تحدثت له ورحب بالاجتماع وطالب من العاملين بالنقابة أن يبقى المقر مفتوحًا لاستقبال الصحفيين".

 

وأكد صباح أن ما دار في الاجتماع تم شرحه لمجلس النقابة، وطبيعة الدور التوفيقي الذي ستلعبه اللجنة بين مختلف الأطياف؛ كي تصل لإجراء انتخابات نزيهة وشفافة وحرة، بعد استيفاء شروطها وذلك بالتنسيق والتشاور مع مجلس إدارة النقابة.

 

لجنة للحوار وليس بديلاً

 الصورة غير متاحة

 أجهزة عباس توسع حملتها ضد الإعلاميين

وشدَّد صباح على أن اللجنة ليست بديلة أو موازية للمجلس، بل ستعمل على التواصل والحوار مع جميع الأطراف؛ للتوافق على صيغة تصل بالنقابة إلى شاطئ الأمان.

 

وأكد أبو هين أن اللجنة ليست بديلاً عن أحد وتم اختيارها من صحفيين أعضاء في النقابة من أجل النهوض بواقع الصحفيين، في ظل غياب دور النقابة، وعدم شرعية مجلس إدارتها، مؤكدًا على ضرورة وقف كافة أشكال التحريض والتخوين وصولاً لنقاط التقاء بين جميع الصحفيين وكافة الأطياف؛ للارتقاء بوضع النقابة وتفعليها بما يخدم الصحفيين دون استثناء.

 

واعتبر الطوباسي أن ما حدث هو انقلاب على النقابة الشرعية- على حد قوله- داعيًا الصحفيين بالوقوف وبكل قوة أمام هذه المحاولات غير المسئولة وغير المتزنة وغير الحكيمة.

 

ورد الإفرنجي بأن اللجنة التي تم تشكيلها من الصحفيين شرعية أبًا عن جدٍّ، بكل ما تحمله من معنى وستمارس دورها لإصلاح النقابة مضيفًا بحنق: "ليس الطوباسي وغيره من يعطي ويمنح الشرعية، وإذا كان يعتبر نفسه هو الشرعي فعليه إصلاح النقابة قبل أن يبادر غيره بإصلاحها وإعادة هيبتها وبنائها".

 

وأضاف الإفرنجي ردًّا على تصريحات الطوباسي التي اعتبر فيها اللجنة غير شرعية: "اللجنة نالت ثقة جميع الصحفيين وترحيبهم ومباركتهم، والطوباسي لم يحظَ بذلك، وبالتالي هو لا يمثل أيًّا من الصحفيين إلا إذا تجددت شرعيته التي انتهت منذ سنوات مضت".

 

ويعتقد صباح أنه ربما وصلت الصورة حول اللجنة وأهدافها بشكل محرّف وخاطئ للطوباسي، مؤكدًا أن اللجنة لن تتوقف عن القيام بدورها والتواصل والتحاور مع الطوباسي نفسه وجميع أطياف الصحفيين؛ كي تصل لتهيئة الأجواء لإجراء الانتخابات ووقف جميع حملات التشويه والتخوين المتبادلة، وفتح جميع المؤسسات الإعلامية المغلقة ووقف جميع التجاوزات بحق الصحفيين في الضفة وغزة.

 

خيارات بديلة

وأضاف: "اللجنة ستؤدي دورها في التقريب بين الجهات المختلفة، وإنقاذ النقابة والنهوض بها، مشيرًا إلى أنها عقدت اجتماعها الأول، وحددت مهامها، والمتمثلة في التواصل مع مجلس إدارة النقابة وجميع الكتل وأطياف الصحفيين، والعمل بإصرار باتجاه الضغط على الحكومتين في الضفة وغزة بإعادة فتح المؤسسات الإعلامية، والسماح بحرية العمل الصحفي، واحترام الحريات الصحفية، وإطلاق سراح الصحفيين، ووقف الانتهاكات بحقهم.

 

وأضاف أبو هين ردًّا على موقف الطوباسي: من المؤسف أن يكون الرد على محاولة إحياء النقابة وتفعيل دورها، بالتصعيد والتخوين وإصدار بيانات التشهير من قبل الطوباسي بحق عدد من الزملاء الصحفيين، ورفض التعامل مع اللجنة، مشددًا على أن اللجنة ستؤدي دورها دون الالتفات لمواقف الآخرين، مضيفًا: "الأيام ستوضح الصورة أكثر، وسنرى من سيتعامل مع اللجنة ومن يرفضها، وبالتالي ستكون أمامنا خيارات أخرى".

 

وأكد الإفرنجي أن اللجنة ستحاور الجميع، بما في ذلك مجلس النقابة مشددًا على أنه في حال رفض المجلس ذلك، عليه تحمل التبعات والمسئولية وما يمكن أن يتمخّض عن اللجنة من قرارات في المستقبل مضيفًا: "ستكون أمامنا خيارات أخرى".

 

وأضاف صباح من جانبه: "أمهلنا أنفسنا شهرًا لإنجاز مهام اللجنة، وإجراء الاتصالات اللازمة وفي حال فشل الجهود سندرس عدة خيارات أخرى.

 

من جهته أعلن التجمع الصحفي الديمقراطي دعمه لأي جهد لإصلاح النقابة، مشيدًا بتشكيل لجنة الحوار مع الكلِّ الصحفي.

 

وأكد التجمع وقوفه إلى جانب اللجنة، مشددًا على أنها ليست بديلاً عن نقابة الصحفيين، بل هي للحوار بين الجميع؛ للوصول إلى حلول مرضية وتوافقية للخروج من أزمة النقابة، التي يسعى البعض إلى ديمومتها.

 

ورفض التجمع بشدة بيانات التشويه والتحريض التي طالت عددًا من الصحفيين، داعيًا الصحفيين الذين نالتهم سهام الكذب والدَّجل والبيانات المسمومة إلى التعالي على الجراح، وعدم الرد، والاستمرار في نشاطهم النقابي؛ لأن هذا ما يزعج من يقف وراء هذه البيانات المنكرة.

 

ورفض التجمع الاعتقالات التي قامت بها أجهزة الأمن بالضفة الغربية، وطالت الصحفي مصطفى صبري، والصحفي مراد أبو البهاء، والكاتب الدكتور عبد الستار قاسم، داعيًا إلى الإفراج الفوري عنهم، إلى جانب الإفراج عن الصحفيين المعتقلين منذ شهور عدة.

 

واستنكر نواب المجلس التشريعي في الضفة الغربية استمرار سياسة الاعتقالات السياسية ضد الصحفيين، ودعا النواب ممثلي الفصائل المتحاورين في القاهرة إلى البتِّ في هذا الأمر، وإنهاء هذا الملف الذي يسيء إلى الحريات المنصوص عليها في القانون الفلسطيني، والذي يعتبر تقويضًا لجهود المصالحة وتعطيلاً لوصول الحوار إلى نتائج إيجابية.