يستعد المقدسيون اليوم لمواجهة أكبر هجوم تشنُّه جماعات يهودية متطرفة على المسجد الأقصى منذ العام 1967م، وانتهاك حرمته، من خلال إقامة الطقوس والشعائر الخاصة بـ"عيد الفصح اليهودي"؛ بما يُعيد أجواء اقتحام رئيس الوزراء الصهيوني الهالك أرييل شارون للمسجد الأقصى، وسط أكثر من 3 آلاف من عناصر الجيش والشرطة في سبتمبر من العام 2000م.
وأعدت الجماعات اليهودية المتشدِّدة خطةً لاقتحام المسجد وإقامة شعائر تلمودية خاصة ببناء الهيكل؛ وذلك لمناسبة عيد الفصح اليهودي، ودشَّنوا حملةً إعلانيةً غير مسبوقة، تعهَّدوا خلالها بتوفير حافلات مجانية لنقل كل من يريد أن يشارك في هذا الاعتداء.
وعمدت مجموعاتٌ من المغتصبين اليهود خلال الأيام الثلاثة الماضية إلى تنظيم اقتحامات متكررة للمسجد الأقصى في القدس؛ بمناسبة الاحتفال بأعياد يهودية، وسط تحذيراتٍ فلسطينيةٍ من اقتحام شامل، فيما واصل الاحتلال سياسة تهجير قسري لفلسطينيِّي بعض الأحياء بمدينة القدس.
ودعت جميع القيادات الإسلامية والمسيحية والوطنية والسياسية الفلسطينيين- ممن يستطيعون الوصول إلى القدس- إلى شدِّ الرحال والزحف منذ ساعات الصباح الأولى للتصدي للمتطرفين، فيما فرض الاحتلال تعزيزاتٍ أمنيةً مشددةً داخل البلدة القديمة ومحيط بوابات المسجد الأقصى ومختلف الشوارع والأحياء؛ تحسبًا لما توقَّعته من "وقوع اشتباكات"!.
وفي خطوة أمنية مسبقة أعلنت شرطة الاحتلال الصهيوني عن أن الدخول إلى المسجد الأقصى سيقتصر على المصلين الذين لا تقل أعمارهم عن 50 عامًا، ممن يحملون بطاقات هوية من الكيان الصهيوني، ويطبَّق هذا على الرجال فقط، ويشمل الفلسطينيين في القدس الشرقية الذين يحملون هذه البطاقات والعرب في الداخل الفلسطيني.
![]() |
|
إسماعيل هنية |
وطالب رئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنية لجنةَ القدس المنبثقة عن منظمة المؤتمر الإسلامي بعقد قمة إسلامية عاجلة وسريعة وجلسة طارئة لمجلس الأمن؛ لبحث الاعتداءات المتكررة على القدس والمسجد الأقصى.
ووجَّهت الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني المحتل في العام 1948م الدعوة للفلسطينيين للاعتصام في المسجد الأقصى، وربطت الحركة بين المتوقع اليوم واقتحام أرييل شارون للمسجد في عام 2000 الذي كانت نقطة انطلاق الانتفاضة الثانية.
وقال كمال الخطيب نائب رئيس الحركة الإسلامية في الداخل: "إن هذه المجموعات الدينية اليهودية لها نواب في الكنيست"، مضيفًا أن "هناك وزراء في الحكومة اليمينية الجديدة برئاسة بنيامين نتنياهو، يؤيدون مواقف هذه الجماعات".
وأضاف في تصريحات صحفية أن هناك غطاءً حكوميًّا سياسيًّا وأمنيًّا لهذه الجماعات التي تدخل يوميًّا إلى ساحة الأقصى في حماية الشرطة وأجهزة الأمن الصهيونية.
![]() |
|
الشيخ كمال الخطيب |
وأشار الخطيب إلى أن هذه الدعوة تأتي عقب عيد الفصح اليهودي، وفي ظل حكومة يمينية وتحولات في فتاوى رجال الدين اليهودي، الذين كانوا يحرِّمون على اليهود دخول ساحة الأقصى؛ باعتبار ذلك تدنيسًا لجبل الهيكل.
وأضاف أن الحاخامات يشجِّعون حاليًّا اليهود على دخول المسجد الأقصى، معتبرًا أن الأمر ليس مجرد محاولة دخول، بل هناك سعيٌ للإساءة إلى المسجد الأقصى.
ودعا مستشار رئيس الوزراء الفلسطيني لشئون القدس حاتم عبد القادر إلى يوم نفير عام؛ دفاعًا عن المسجد الأقصى، موضحًا أن خطواتٍ عديدةً ستُتَّخذ لردع المغتصبين، بينها حشد أعداد كبيرة من المواطنين في المسجد ومحيطه، ابتداءً من صلاة الفجر وحتى ساعات ما بعد الظهر، وشدَّد على أن هذه الخطوات تأتي للدفاع عن القدس وليس للاعتداء على أحد.
ورجَّح عبد القادر أن تمنع الشرطة الصهيونية المسيرة الكبيرة التي يخطط لها المغتصبون قبل اقتحام المسجد الأقصى، بعدما ألمحت له الشرطة الصهيونية بهذا الأمر، موضحًا أن الدعوة الفلسطينية إلى النفير نحو المسجد الأقصى "ستظل قائمةً حتى لو تم إلغاء مسيرة المغتصبين".
من جهته حثَّ قاضي قضاة فلسطين الشيخ تيسير التميمي أبناء الشعب الفلسطيني على شدِّ الرحال إلى القدس والأقصى؛ تضامنًا مع المسجد الأسير، معتبرًا أن كل من يستطيع الوصول إلى القدس اليوم ويتقاعس فهو آثم.
ودعا المطران عطا الله حنا المسيحيين إلى التوجه اليوم إلى القدس وكنيسة القيامة لـ"مؤازرة إخوانهم المسلمين في الدفاع عن الأقصى".
ولم يتغير موقف المنظمات الإسلامية من التعامل مع الأزمة؛ حيث حذر أمين عام منظمة المؤتمر الإسلامي أكمل الدين إحسان أوغلو من مغبَّة اقتحام المسجد الأقصى، مؤكدًا أن الاعتداء على المسجد الأقصى هو اعتداءٌ سافر على مقدَّسات المسلمين.
![]() |
|
أكمل الدين إحسان أوغلو |
ووصف أوغلو المخطط الجاري لاقتحام الحرم القدسي بأنه أمرٌ بالغ خطورة، من شأنه أن يقود إلى نتائج لا تُحمد عقباها.
واستقبل أوغلو في مكتبه الشيخ رائد صلاح رئيس الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني، وبحث معه "الأوضاع الخطيرة" التي تمر بها مدينة القدس في ظل تصاعد "الاعتداءات الإسرائيلية الهادفة إلى تهويدها".
كما أعلنت منظمة التحرير الفلسطينية يومًا للدفاع عن مدينة القدس ضد الانتهاكات الصهيونية المتصاعدة، ودعت كافة أبناء الشعب الفلسطيني في شتى أماكنه إلى تحرك شعبي واسع؛ دفاعًا عن مدينة القدس التي باتت تتعرَّض لأوسع اعتداء من قِبَل سلطات الاحتلال ومغتصبيه.
وشدَّدت المنظمة على أن هذه الدعوة تأتي كرسالة فلسطينية شاملة، تؤكد دفاعنا وتمسكنا الحازم بالقدس عاصمةً لدولتنا المستقلة؛ استنادًا إلى قرارات الشرعية الدولية.
ودعت المنظمة المجتمع الدولي- وخاصةً الولايات المتحدة- إلى تحمل مسئولياتهم تجاه هذه الاعتداءات المستمرة على مدينة القدس، كما حذَّرت من تداعيات السياسة الصهيونية في المدينة المقدسة وما سينجم عنها مما أسمته "أعمال عنف" لا يمكن التكهن بأبعادها ونتائجها.
ومن ناحيته استنكر اتحاد المحامين العرب أي محاولة لاقتحام المسجد الأقصى تحت حماية قوات الاحتلال الصهيونية، داعيًا إلى تدخل مجلس الأمن "سريعًا" لوقف هذه الانتهاكات، ودعا الاتحاد المنظمات العربية والإسلامية والدولية المعنية بتحقيق السلام العادل والشامل إلى إدانة هذه السياسات والتحرك السريع لمواجهتها.
وطالبَ منظمةَ الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونيسكو) بتشكيل لجنة تحقيق في الانتهاكات الصهيونية، معتبرًا تلك الخطوة تأتي في إطار المخطط المستمر لهدم المسجد الأقصى الذي يتعرض لخطر شديد؛ بسبب عمليات الحفر التي تقوم بها سلطات الاحتلال الصهيوني.


