القدس في خطر، القدس سيف حصار، القدس- يا عمر- على شفى الدمار، صرخات مدوية يطلقها عشرات الآلاف من الفلسطينيين، والمرابطون في أكناف بيت المقدس من حناجرهم الملتهبة بشكل يومي؛ لعلها توقظ صلاح الدين من جديد وضمير الأمة العربية والإسلامية التي باتت تتفرج على وقع عمليات التهويد والطمس والعربدة والإرهاب المتلاحقة التي يقودها الصهاينة المتطرفون ضد مسرى النبي وثالث الحرمين الشريفين "المسجد الأقصى" والتي كان آخرها اليومين الماضيين؛ حين حاول المئات من المستوطنين اقتحام باحاته؛ استعدادًا لاجتياح واسع غدًا الخميس تحت حماية وحراسة عناصر الشرطة الصهيونية.

 

ودعت الفعاليات والقوى الفلسطينية المختلفة كافة المواطنين الفلسطينيين إلى التوجه إلى المسجد الأقصى المبارك وشد الرحال إليه؛ استعدادًا لصد محاولات المتطرفين اليهود القيام باجتياح واسع للمسجد الأقصى الخميس، والذي يخططون له؛ ليكون الأوسع منذ بداية احتلال القدس عام 1967.

 

خطر داهم

وحذّر خبراء وعلماء مقدسيون من خطورة الوضع القائم في مدينة القدس من تهويد، واستعمار، وطمس للهوية المقدسية، والذي يصب في موضوع الحسم الديمغرافي الذي يسعى إليه الاحتلال منذ سيطرته على ما تبقى من مدينة القدس عام 1967.

 

عمليات الاجتياح المستمرة للمسجد الأقصى، والمتوقع أكبرها وأضخمها الخميس القادم لم تكن هي الأولى؛ حيث تأتي ضمن سلسلة طويلة من عمليات التهويد والطمس التي يمارسها الصهاينة المتطرفون ضد القدس منذ احتلالها من خلال طرد سكانها، والسيطرة على منازلهم و هدم الآلاف من مبانيها وأحيائها؛ لطمس هويتها وتغيير معالمها، علاوة على حفر المئات من الأنفاق والسكك تحت باحات المسجد الأقصى بهدف تدميره وإسقاطه وإنشاء ما يسمى بـ"هيكل سليمان" وتأسيس مدن، ومستعمرات، وبنية تحتية جديدة، ومناطق صناعية تسمح بجعل منطقة القدس منطقة أفضلية يهودية في المدينة، بالإضافة لتغيير واقعها الجغرافي.

 الصورة غير متاحة

 متطرفون صهاينة في باحة المسجد الأقصى

 

ابتدأت الحكاية من جديد في أواخر عام 2004 حين أراد الصهاينة هدم منازل حي البستان؛ لبناء حديقة أثرية متّصلة بمدينة الملك داود، وبالفعل تمّ تدمير بيتين قبل تجميد القرار نتيجة ضغوط سياسيّة دوليّة؛ لتعود اليوم البلديّة للتحرّك في هذا الاتجاه، وتطالب أهالي الحي بتفريغه بعد أن رفضوا عرضاً بقبض تعويضات أو انتقالهم إلى شمال المدينة.

ولم يقتصر الأمر على حي سلوان جنوب المسجد الأقصى؛ بل تعدّاه إلى العيسوية، وعناتا، ومخيم شعفاط، وجبل الزيتون، وغيرها؛ فأكثر من ألفَي مقدسي مهدّدين الآن بالتشرّد في وقتٍ يؤكِّدون أن بيوتهم لن تُهدَم إلا على جثثهم، ومصادر بلدية الصهاينة في القدس تؤكِّد أن ألفين وسبعمائة بيت موجود على قائمة الهدم خلال ثلاث سنوات.

 

تكثيف عمليات هدم المنازل في القدس- حسب المراقبين- تهدف لتخفيض عدد السكان الفلسطينيين حسب المخططات الصهيونية، وإبقاء 72 - 80 ألف مواطن مقدسي يحملون الهوية المقدسية.

 

ويخطط الصهاينة لهدم أو إخلاء 1700 منزل في القـدس خلال السنة الجارية (2009)؛ ما يعني تشريد نحو 17 ألفًا من المقدسيين.

 

مخططات جاهزة

واستكملت سلطات الاحتلال الصهيوني بشكل شبه كامل مخططاتها؛ لتنفيذ هذه المخططات وعزل مدينة القدس عن باقي القرى والمدن، والقادم هو عبارة عن لمسات أخيرة نحو مصادرة عقارات، ومصادرة ما تبقى من بعض الأراضي الفلسطينية، والخطة القادمة- وهي خطة "زاموش"- هي خطة تجميلية؛ لتغيير معالم القدس من إقامة "تلفريك" من فوق القدس القديمة، وكراجات وأنفاق من الأسفل.

 

وتهدف الهجمة الصهيونية الحالية ضد القدس والمسجد الأقصى لبدء معركة الصراع الديمغرافي؛ لتقليص الوجود الفلسطيني إلى أدنى حد ممكن، وهو ما يخيف الاحتلال الذي لم يستطع طوال فترة وجوده أن يحسم قضية الديمغرافيا لصالح المستعمرين في المدينة.

 

ويسكن في شرقي مدينة القدس المحتل 67 حاليًّا أكثر من 270 ألف مواطن فلسطيني مقابل 193 ألف مستعمر، ومجموع الفلسطينيين يشكل 32% من مجموع السكان في القدس المحتلة بشقيها المحتل عام 1968 و 1948، كما يتوقع أن يصل في العام 2020 إلى 40% من مجموع السكان في القدس المحتلة عام 1948 و 1967، وفي العام 2050 سيرتفع العدد لتكون الغالبية فلسطينيين.

 الصورة غير متاحة

مدينة القدس تشهد عمليات تهويد مستمرة

 

واستخدمت دولة الكيان ثلاث وسائل لوقف هذا الخطر؛ تتمثل الأولى: في قضية هدم الآلاف من منازل المقدسيين؛ ففي شهر شباط الماضي كان هناك 400 إنذار لهدم منازل في القدس، منها 88 منزلاً في حي البستان، و 32 شقة في العباسية، و 62 شقة في حي السهل في الطور، و 55 شقة في رأس خميس في مخيم شعفاط، بالإضافة إلى قضية الشيخ جراح؛ حيث يدَّعي المستعمرون ملكيتهم للأراضي المقام عليها 29 وحدة سكنية.

 

والوسيلة الثانية: هي سحب الهويات؛ حيث ازدادت في الآونة الاخيرة بكثرة، فقد سحبت أكثر من 7000 هوية من عائلة مقدسية؛ مما يعني أن 25 ألف مواطن مقدسي حرموا من التواجد في القدس.

 

والوسيلة الثالثة- حسبما يشير القيادي حاتم عبد القادر-: هي الجدار الفاصل الذي عزل القدس عن باقي أنحاء الضفة الغربية، كما عزل التجمعات المقدسية التي أصبحت خلف الجدار؛ حيث يقطن من 80 -90 ألف مقدسي خارج الجدار وهم يحملون الهوية المقدسية؛ خاصةً في مناطق (شعفاط، رأس خميس، كفر عقب، سمير ميس، ضاحية السلام، منطقة رأس شحادة)، وهم أيضًا مهددون، فمن الممكن أن يتم إصدر قرار بسحب هوياتهم.

 

ويصارع الاحتلال الآن الزمن لتنفيذ مخطَّطَيْن لهذا الغرض؛ الأول: المخطط الإقليمي لعام 2020، والثاني: المخطط الإقليمي A30، وما نشر قبل أسبوع عن منطقة صناعية ستقام في منطقة قلنديا يأتي في إطار تلك المخططات.

 

تغيير ديمغرافي

وتهدف هذه المخططات إلى إحداث تغيير ديمغرافي لصالح المستعمرين اليهود عن طريق إقامة مستعمرات جديدة، وإقامة بنية تحتية جديدة، ومناطق صناعية، وجعل منطقة القدس منطقة أفضلية يهودية في المدينة، بالإضافة إلى تغيير جغرافيا القدس.

 

واستطاعت دولة الكيان أن تسيطر على 86% من مساحة القدس بأساليب مختلفة؛ منها المناطق العامة، والمصادرة للمصلحة العامة، والمخططات الهيكلية التي هي- حسب قرارات الدول- لتنظيم البناء؛ ولكن في القدس عملية تقنين وضبط للنمو السكاني الفلسطيني، بالإضافة إلى قانون أموال الغائبين وفتح الشوارع.

 

ونوّه الخبير المقدسي خليل التكفجي إلى أن كل ما يجري يتوافق مع قرارٍ كانت "جولدا مائيير" رئيسة وزراء الاحتلال السابقة قد اتخذته في العام 1976 بأن يكون عدد السكان العرب بالنسبة للمجموع الكلي لعدد السكان في المدينة لا يتجاوز 22%، والآن نما السكان حتى 34%، ومن المتوقع أن تصل نسبتهم في العام 2040 إلى 55% من المجموع العام، مما يعني أن القدس ليست العاصمة للدولة العبرية كما يحلمون، ومن هنا كانت الانطلاقة لوقف هذا النمو في القدس.

 

وهذا ما يفسر هدم 872 بيتًا في مدينة القدس منذ عام 1994 حتى الآن، من أجل تقليص نسبة السكان العرب، بالإضافة إلى تغيير الخارطة لمدينة القدس، حسب السياسية الصهيونية الحالية، وسيكون لها ثلاثة امتدادات؛ أولها: باتجاه مستعمرة "معالية أدوميم" والتي ستُضم ضمن نفق وجسور، والآخر: باتجاه "بسغات زائيف" وستضم خمس مستعمرات إليها، والاتجاه الثالث: "جوش عتصيون".

 

وفي إطار مخطط A30 من المقرر إقامة سكة حديد تربط "جوش عتصيون" بالقدس عبر نفق تحت مدينة بيت لحم.

 الصورة غير متاحة

الشيخ رائد صلاح

 

وكان الشيخ رائد صلاح رئيس الحركة الإسلامية داخل الخط الأخضر الفلسطيني عام 1948 كشف عن مخطط صهيوني لإقامة سكة قطار صغير ومصعد للسائحين الأجانب أسفل ساحة البراق في المسجد الأقصى المبارك، بعد حصول جهات صهيونية على موافقة إقامته في مدينة القدس.

 

وقال الشيخ صلاح: إن المخطط الجديد أسفل ساحة البراق يهدف إلى تغيير معالم القدس بالكامل، مؤكدًا أن المسجد الأقصى يعاني من الادعاءات الصهيونية المتواصلة بتهويد المسجد الأقصى المبارك، بالإضافة لحديثه عن هدم جزء من المسجد الأقصى, المتمثل بطريق باب المغاربة لبناء سلسلة كنس يهودية تخنق المسجد الأقصى من جميع الجهات.

 

والأخطر من كل ذلك هو ما يجري في داخل الأحياء الفلسطينية، من خلال مشروعٍ أُقِرَّ في العام 1990 من قِبَل وزير الإسكان "آرائيل شارون" وهو مخطط "26 بوابة حول القدس" والمقصود بها 26 حيًّا استعماريًّا في داخل البلدة القديمة والأحياء الفلسطينية.

 

ويرى الخبير المقدسي أن الهدف النهائي لكل ذلك هو عدم إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، وعدم تقسيم المدينة مرة أخرى، بدليل ما تم طرحه قبل أيام بمشروعٍ في منطقة الشيخ جراح "بيت المفتي"؛ لإقامة 40 وحدة سكنية، وما يتم الآن من بناء في حي العامود وجبل المكبر، والتي تهدف في النهاية إلى السيطرة على السكان الفلسطينيين.

 

عمليات التهويد المتلاحقة للمدينة المقدسة دفعت القيادات الفلسطينية والدينية والوطنية لدعوة المواطنين في مدينة القدس، وضواحيها، وبلداتها، والمدن والبلدات والأراضي الفلسطينية المحتلة في العام 1948 إلى النفير العام للمسجد الأقصى المبارك صباح الخميس القادم للتصدي للجماعات اليهودية المتطرفة التي أعلنت نيتها اجتياح المسجد بأعداد غير مسبوقة؛ تتويجًا لنهاية عيد الفصح العبري.

 

وناشدت القيادات الفلسطينية سكان القدس وضواحيها وبلداتها، وقراها، وأحيائها، وسكان الداخل الفلسطيني المحتل بشدّ الرحال والزحف؛ للتصدي للمتطرفين اليهود الذين أعلنوا عزمهم على تسيير مسيرة كبرى وغير مسبوقة لاجتياح المسجد الأقصى المبارك تحت عنوان "حملة شدّ الظهر"، والتي تعني إعادة يهودية المكان إلى المسجد الأقصى؛ كما ورد في منشورات وبيانات وملصقات مؤسسات وجمعيات اليهود المتطرفين، بالإضافة إلى ما سيرافق هذا الاجتياح من أداءٍ للطقوس والشعائر التلمودية في باحات وساحات المسجد الأقصى المبارك.

 

إن المسجد الأقصى المبارك في خطر!! إنه يرسف في قيود الاحتلال منذ عام 1967م ، ويعاني من ضراوة الحصار الذي يقع تحته ليل نهار، وها هي قبابه، ومآذنه، وبوائكه ومصاطبه، وسبله تكاد أن تذرف الدمع مجهشة بالبكاء بلا توقف ، فهل يستيقظ ضمير الأمة لهذه الصرخات؟ وهل من عُمَرَ يصحو لينقذ القدس من الخطر؟!.