يرى الصحفيون الفلسطينيون أن نقابتهم التي تأسست أوائل العقد الثامن من القرن الماضي تعاني من الفساد والتفكك والانحدار الترهل العام كغيرها من المؤسسات، كما أنها تغيب عن المشهد الإعلامي الفلسطيني المحلي، فضلاً عن أن نشاطاتها موسمية لا تتعدى أخبار الشجب والاستنكار في حال تعرض صحفي للاعتداء أو الاستشهاد، كما هو الحال في الحرب الأخيرة على غزة؛ حيث يتساءل الصحفيون منذ عشرة أعوام "أين هي تلك النقابة".
ويأتي هذا الترهل والتفكك تحت ذرائع وأسباب واهية يُطلقها ويؤلفها مجلس نقابة الصحفيين الحالي واللاشرعي، والذي يُعاني هو الآخر من حالة التشرذم والتفكك ويتورط بعض أعضائه بسرقة أموال (20 ألف يورو) تبرَّع بها الاتحاد الأوروبي لعائلات الشهداء من الصحفيين خلال الحرب الأخيرة على قطاع غزة.
انتخابات جديدة
وأثار الوضع الصعب والمتردي الذي وصلت إليه النقابة انتقادات الكثيرِ من العاملين والصحفيين في وسائل الإعلام المختلفة؛ الأمر الذي حدا بلجنة إصلاح النقابة إمهال مجلس النقابة اللا شرعي مدة شهر واحد فقط حتى 15 أبريل 2009م لتنظيم انتخابات للنقابة، محذرةً من أنه في حال عدم الاستجابة لهذا الطلب فإنها ستتخذ الخطوات اللازمة والضرورية لإعادة الروح إلى جسم النقابة الذي يعاني من موت سريري.
وتعجَّب أحد الصحفيين حين سُئل عن نقابة الصحفيين حيث ردَّ: أين هي تلك النقابة؟، مضيفًا: هذه ليست نقابة، وإنما دكّان، لا يوجد فيها انتخابات دورية أو محاسبة أو مراقبة، كما أنها تفتقد لأبسط مقومات النقابة، فهناك منتسبون للنقابة يحملون البطاقة ليسوا بصحفيين، بينما البعض الآخر لا يملك البطاقة بسبب إجراءات النقابة المعقدة لبعض المناطق؛ بهدف الضغط عليهم فترة الانتخابات.
الصحفي والكاتب بسام الكعبي والعضو السابق في الهيئة الإدارية لنقابة الصحفيين وصف حال نقابة الصحفيين بالمشلولة، فانتخابات النقابة من المفترض إجراؤها كل سنتين، ولم تحدث فعليًّا إلا مرة واحدة، وتحديدًا بعد عام 1993؛ حيث يترأسها نعيم الطوباسي من 13 سنة.
وأضاف الكعبي: هي معطّلة فعليًّا بسبب انعدام الديمقراطية، وغياب الأسس السليمة لإحداث أي نقابة، فهي تحتوي على تيارين: الأول غير ديمقراطي ورافض للتطبيع، ويمثله رئيس النقابة "نعيم الطوباسي" والتيار الآخر: مطّبع وديمقراطي، ومن هنا ظهرت الانشقاقات بالنقابة، إضافةً إلى وجود فرعين للنقابة في غزة والضفة، كل هذه العوامل جعلت النقابة متهلهلة".
وشدد على ضرورة أن تجري انتخابات النقابة كل سنتين حسب النظام الداخلي، لكن النقابة ما زالت تحت يد نعيم الطوباسي لأكثر من 16 سنة، وهنا تكمن المأساة، ويرى الكعبي أن النقابة أصبحت حركةً سياسيةً مكملةً لحزب وطني )فتح)، كما اتسمت العلاقات بين الأعضاء على أساس الانتماء الحزبي؛ لهذا برزت النقابة كمؤسسة تابعة لحركة فتح.
وجرى تنظيم آخر انتخابات لمجلس النقابة قبل عشر سنوات تقريبًا؛ حيث يعاني الجسم الصحفي منذ تلك الفترة من التفكك والترهل والانحدار الخطيرة، علاوةً على وضع الصحفيين الذي بات لا يسر عدوًا أو حبيبًا.
النقابة.. عنوان مفرق
وقالت لجنة إصلاح النقابة في بيان تلقت شبكة (إخوان اون لاين) نسخة عنها: "بات وضع الصحفيين مع هذه الحال لا يسر عدوًا أو حبيبًا، واصفةً ذلك بـ"المطية وحيطة واطية لكل من هبَّ ودب"، مشيرةً إلى أن أحوال الصحفيين ساءت لدرجة أصبحت معها نقابة الصحفيين عنوانًا مفرقًا لا موحدًا لهم كما يجب أن تكون.
ووصلت حالة التشرذم والانحدار التي تعاني منها نقابة الصحفيين إلى درجة توجيه الاتهامات للبعض بعدم منح ذوي الزملاء الصحفيين الشهداء خلال الحرب الصهيونية الأخيرة على قطاع غزة لمستحقاتهم المالية التي أعلن كل من الاتحاد الدولي للصحفيين واتحاد الصحفيين العرب أنه أرسلها إلى عائلات الشهداء دون أي توضيح من أحد، إضافةً إلى اتخاذ قرارات وإجراءات انفرادية وانعزالية وانفصالية.
وكان بيان آخر حمل توقيع "صحفيون مستقلون" اتهم السيد صخر أبو عون عضو مجلس النقابة بالاستيلاء على مبلغ 20 ألف يورو كمساعدةٍ للصحفيين من الشهداء والجرحى دون مسألة أو رقيب من أحد.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ حيث تدب الخلافات بين حين وآخر حسب البيان بين مَن تبقَّى في مجلس إدارة النقابة غير الشرعي الذي استقال عدد منهم واشتغل بعضهم الآخر في أي شيء، ما عدا الصحافة أو العمل النقابي، وفي أحيان كثيرة تواطأوا ضد مصلحة مَن انتخبهم قبل عشر سنوات".
ورغم كل المحاولات الجادة والحقيقية والمسئولة والصادقة التي بُذلت من قِبل جهات وزملاء صحفيين مهنيين ووحدويين مستقلين وحزبيين، لانتشال النقابة من أزمتها، بل مأساتها وعلاتها ومعتليها، إلا أن كلها ذهبت أدراج الرياح بسبب القائمين على مجلس الإدارة الحالي.
وقالت اللجنة في بيانها: إن عدم تنظيم انتخابات لمجلس إدارة جديد للنقابة بدلاً من الحالي لا يعود لرغبة الصحفيين، أو معظمهم، عدم تنظيمها، بل كان السبب في القائمين على مجلس الإدارة الحالي، ومن يقف وراءه، أو يشد من أزره، أو يدعمه في عدم تنظميها.
وأضافت اللجنة أن سبب عدم تنظيم انتخابات جديدة منذ سنوات عدة "لا يكمن في حال الانقسام المرفوضة بشدة من قبلنا ومن قِبل المخلصين من الزملاء الصحفيين؛ لأن استحقاق الانتخابات كان قد حلَّ موعده قبل الانقسام بسنوات طويلة تعمد خلالها مجلس النقابة الحالي وداعموه ومؤيدوه ومريدوه، رغم الاختلاف فيما بينهم على عدم إجرائها".
حجج كاذبة
واستنكرت الحجج الواهية التي يطلقها مجلس النقابة الحالي بأنه لا يمكن تنظيم الانتخابات في الضفة الغربية وحدها أو قطاع غزة وحده.
![]() |
|
الصهاينة يستهدفون الصحفيين وكاميراتهم |
وشددت لجنة إصلاح نقابة الصحفيين في بيانها أنها لن تقبل هذا الفصل الصهيوني المقيت للوطن، ولن تقبل أن يكون هذا الفصل سببًا في عدم تنظيم الانتخابات.
وجددت اللجنة على "مطلبها الوحيد" وهو تنظيم الانتخابات لاختيار حر وطوعي ونزيه وشفاف وديمقراطي لأعضاء جدد لمجلس النقابة كي يتسنى لهذا المجلس النهوض بأوضاع الصحفيين، ووضع حدٍّ لحال الترهل والتفكك واللامبالاة وعدم المسئولية السائدة في النقابة والجسم الصحفي حاليًّا.
ويرى "صحفيون مستقلون" أن أي انتخاباتٍ ستجري يجب أن تراعي "تشكيل لجان موسعة تمهد لعمل النقابة يشارك فيها كافة الصحفيين الفاعلين، وحسب الصحفيون فليس من المعقول أن نتحدث عن إعادة هيكلة وتنظيم ونعود لنرسخ الأشخاص الذين لم يقدموا شيئًا للنقابة على مدار سنوات، فالأجدر والأولى أن يشارك المجموع الصحفي بكافة أطيافه.
ودعا الصحفيون في بيان شديد اللهجة وصل إخوان اون لاين إلى تغيير جذري بنقابة الصحفيين لتكون بحق بيت الصحفي الفلسطيني وتدافع عن حقوقه، وهاجموا بشدة مجلس إدارة النقابة منتهي الولاية متسائلين: "أين كان مجلس نقابة الصحفيين الذي نجهل أسمائه طوال السنوات الماضية".
وقال بيان حمل توقيع هؤلاء الصحفيين: إن فكرة إقامة لقاء في القاهرة لمجلس النقابة المنتهية ولايته بحجه ترتيب عمل النقابة والتمهيد لانتخابات داخلها لم يأتِ حرصًا على الصحفيين الفلسطينيين الذين ضاعت حقوقهم على مدار سنوات ماضية، لكنها جاءت بعد ضغوط مورست على المجلس من قِبل الاتحاد الدولي وبعض النقابات العربية.
وأكدوا رفضهم لفكرة إقامة دورات تستثني مؤسسات فاعلة عملت طوال أيام الحرب والعدوان على غزة ونحن نسمع ونرى أسماءً لم نرها يومًا لا في ميدان الصحافة، ولا في ميدان الحرب فهل يعقل أن تستحوذ المؤسسات المغلقة حصص بعض المؤسسات الفاعلة فهناك وكالات عالمية ومحلية كبيرة قدمت الشهداء والجرحى، ولم يتم التشاور معها في أي شيء يخص الصحفيين.
نهضة ولو بالقوة
ويعتقد الصحفيون أن حالة التشرذم التي وصلت إليها النقابة تستوجب منا كصحفيين أن نقف موقف رجل واحد لنسجل نهضة ولو بالقوة داخل نقابة الصحفيين؛ لأنها بيتنا الأول، ويجب ألا نخجل من تطوير بيتنا وترتيبه، وألا يبقى الأمر معلقًا بيد نعيم الطوباسي وتوفيق أبو خوصة ومحمد الداهودي وأذيالهم في غزة صخر أبو العون وغيرهم من المضحوك عليهم، وفق قولهم.
وتابع الصحفيون: "لقد بدأنا نسمع عن تحركات لأشخاصٍ في مجلس نقابة الصحفيين المنتهية ولايته بعد أن كانوا يعيشون حالة موت سريري في غزة والضفة الغربية، وإننا ندرك أن الدافع لهذا التحرك ليس الهم الصحفي بل الاستحواذ على ما يقرر للنقابة من ميزانيات ومساعدات، والتي كان آخرها المبالغ التي دُفعت للنقابة بحجة دفع إيجار شقتها".
وأشاد الصحفيون بموقف نقيب الصحفيين المصريين مكرم محمد أحمد تجاه هموم الصحفيين في غزة، لكنهم أكدوا أن "صخر أبو العون ونعيم الطوباسي لا يمثلون الصحفيين، ولا يمكن أن يكون هنا اتفاق صحيح وسليم إلا بالتشاور مع كافة الأطراف التي تهتم وتعنى بتطوير النقابة على أسس مهنية وسليمة، لا أن يتم الأمر وفق أهواء هذا وذاك وتوزع الحصص بين فتح في غزة والضفة الغربية والكتل الأخرى ويتم تناسي الصحفيين المستقلين".
وقالوا: إن على الاتحاد الدولي للصحفيين وجميع المؤسسات الداعمة لعمل النقابة أن تراعي أن "الأموال التي تُدفع لا تصل لمستحقيها من الصحفيين، ولا يعلم بها أغلب أعضاء مجلس النقابة وتوزع على موظفين وهميين ليس لهم وجود إلا فقد كنا قد سمعنا بهم أو تغير الحال إلى حال أحسن مما هو عليه الآن".
ودعوا الاتحاد الدولي لمراعاةِ باقي الصحفيين والمؤسسات الصحفية والشريحة الكبيرة من الصحفيين والكتاب المستقلين.
وبعث هؤلاء الصحفيين برسالة لكل الصحفيين أن يخرجوا عن صمتهم، وأن يدافعوا عن حقوقهم المسلوبة التي يستحوذ عليها النطيحة والمتردية وما أكل السبع، فنحن أولى من غيرنا أن نقوم بترتيب بيتنا الداخلي، ولا ضير أن نجلس في بيتنا في أي وقتٍ طالما أن الأمر يحتاج لذلك.
