كل يوم تأخذ مأساة المواطن الفلسطيني بعدًا جديدًا، نتيجة العدوان الصهيوني الأخير على قطاع غزة، وما خلَّفه العدوان ومن قبله الحصار من دمار للبنية التحتية للقطاع، ومن المشاكل التي يعيشها المواطن الفلسطيني اليوم أكثر من ذي قبل هو الحصول على شقة سكنية، فالمواطن محسن مصبح 28 عامًا لم يتمكن من العيش إلا في منزل أهل زوجته بعدما عجز عن إيجاد شقة سكنية تؤويه وأفراد أسرته بعدما سوَّت جرافات الاحتلال منزله الواقع جنوب شرق غزة بالأرض إبَّان عدوانها الأخير على قطاع غزة.
وأرجع محسن لـ(إخوان أون لاين) صعوبة إيجاد شقة مناسبة لارتفاع أسعارها بشكلٍ مذهلٍ والإقبال الهائل على تأجير المنازل والشقق السكنية بعد انتهاء الحرب وتدمير المئات من المنازل وتشريد أصحابها إلى جانب عدم البدء في إعمار غزة وقلة مواد البناء التي يعجز المواطنون بسببها عن بناء منزل جديد يغنيه عن التأجير.
ومنذ أن وضعت الحرب أوزارها يستغل الكثير من أصحاب الشقق والأبراج السكنية ومكاتب العقارات الفرصة لغلاء أسعار تأجير الشقق والمنازل دون رحمة أو شفقة بحال المواطنين الذين دُمرت منازلهم بفعل العدوان الصهيوني الأخير على قطاع غزة على التأجير، ليفاقم ذلك من معاناتهم.
وتزايدت في الآونة الأخيرة صرخات ومطالبات المواطنين بوضع حدٍّ "لحيتان وأصحاب الأبراج" والمنازل الذين يرفعون من أسعار الاستئجار، ويستغلون ضعف المواطنين وحاجتهم للمنازل لتحقيق أهدافهم وكسب الأموال في وقتٍ يضيق فيه حال المواطنين ويشتد الحصار عليهم وتزداد معدلات البطالة بينهم.
ومما زاد مشكلة تأجير البيوت هو وجود خمسة آلاف أسرة شُردت من جرَّاء الحرب، وعشرة آلاف أسرة أخرى تعرضت منازلها للتدمير الجزئي، بينما يُقدر عدد الأسر التي يمكن إعادة ترميم مساكنها بحوالي عشرة آلاف أسرة، حيث اضطر أصحابها للبحث عن شقق سكنية لتأجيرها لحين إعادة تعمير منازلها.
أسعار ملتهبة
![]() |
|
وضع مأساوي يعيشه أهل غزة في ظل العدوان الصهيوني |
ويقول المواطن محسن: "إن المشكلة أن أسعار الشقق السكنية تضاعفت، وهو ما يعني أن ذوي الدخل البسيط والمحدود لن يكون باستطاعتهم استئجار أية شقة كبديلٍ مؤقتٍ عن منازلنا المدمرة، مما اضطرني للعيش مع أهل زوجتي".
وأضاف محتدًّا وقد بدت نبرة التذمر على صوته: "لا أملك مصدر مالٍ حتى أستطيع تدبير أموري لهذا لا أملك سوى العيش في بيت أهل زوجتي وانتظار مساعدات تموينية من جمعيات أو من فاعلي الخير".
سمير حلس (40 عامًا) جرفت قوات الاحتلال هو الآخر منزله ولم يتمكن منذ أن وضعت الحرب أوزارها من العثور على شقة سكنية مناسبة في السعر، ففضل العيش داخل خيمة حيث يقطن بدلاً من الإقامة لدى أهل زوجته أو أقاربه كما فعل المواطن محسن.
التشرد ولا الأقارب
آلة الحرب الصهيونية الغاشمة حولت منازل أهل غزة إلى أنقاض!!

"اللي يطلع من داره يقل مقداره"، بهذا المثل الشعبي بدأ المواطن حلس حديثه عن معاناته حيث يقول بامتعاض والحيرة تبدو على ملامح وجهه: "لا أحد يحتمل أطفال غيره، فالكل هنا مهموم ويعيش في فقرٍ مدقع، ولا أريد أن أزيد هموم أقاربي والعيش معهم، ولهذا قررت العيش في خيمة أفضل من الذهاب لأحد أقاربي وأزيد همومهم".
وأضاف حلس أنه بات يشعر بالملل من البحث عن شقة سكنية لكن تحطَّم حلمه بذلك بسبب الارتفاع الكبير في أسعار الشقق السكنية وقلتها بسبب زيادة الطلب عليها أثناء وبعد الحرب على غزة، من قِبل عشرات الآلاف من الأسر الفلسطينية التي دمرت منازلها بشكلٍ كلي أو جزئي.
واضطر محمد أبو مصطفى، من سكان حي التفاح أن يلجأ إلى العيش في مدرسة بالقرب من منزله المدمر، بعد انتهاء الدوام المدرسي للطلبة. وقال بصفاقة "لقد دمر منزلي، ولم أجد بديلاً غير اللجوء للمدرسة القريبة من منطقتنا للعيش فيها، لكن المشكلة أنني لا أستطيع استخدام تلك المدرسة غير قرابة المغرب، بعد أن ينتهي دوام الطلبة والمعلمين داخل المدرسة".
واتخذ آلاف الأسر من مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا" ملاذًا لهم خلال الحرب. لكن، بعد انتهاء الحرب، أخلت الأونروا تلك المدارس، بسبب عودة الدراسة والعملية التعليمية، واستعاضت عنها بدفع مبلغ 100 دولار كمساهمة منها لكل أسرة فلسطينية تستأجر شقة سكنية، وهو ما رفع سعر تلك الشقق، لكن الفلسطينيين المشردين اشتكوا من كون المبلغ غير كافٍ لاستئجار شقق سكنية، في ظل انقطاع مصادر الرزق.
وأضاف أبو مصطفى والأمل ما زال يحدوه في إيجاد منزل يؤويه: "لا أملك مصدر مالٍ حتى أستطيع تدبير واستئجار شقة، وبفارغ الصبر ينتظر أبو مصطفى بدء إعادة الإعمار والعودة إلى منزله.
وتساءل متعجبًا: "إلى متى سنبقى مشردين في الشوارع، هل حقًّا ستبنى منازلنا من جديد.
وأوضح أنه اضطر في بداية الحرب للسكن عند أقاربه، لكن الأمر كان بالنسبة له ولزوجته وأطفاله محرجًا جدًّا مضيفًا: "أسكن في المدرسة أهون من أن أعيش في منزل أحد أقاربي.
وطالب أبو مصطفى الجهات المعنية لوضع لأصحاب الأبراج والشقق السكنية والذين يستغلون حاجة المواطنين وأصحاب المنازل المدمرة للشقق.
ولم يكن حال المواطن أبو إبراهيم عبيد أحسن من سابقيه فمنذ شهرين يواصل البحث عن شقة سكنية، ولكنه فشل في العثور على البيت بسبب أن كافة المنازل مستأجرة من قبل المواطنين.
وأشار أبو إبراهيم إلى أنه يحاول البحث عن شقة بسعر معقول إلى أنه يفاجأ بالأسعار التي تعرض عليه, موضحًا أن الأسعار التي تطلب منه من 300 دولار إلى 500 دولار، وهي أسعار مهولة, ولا يوجد مَن يتقي الله في ظل الظروف الصعبة.
مشاكل إيواء
هذا ما تبقى لأهل غزة بعد العدوان

من جانبه يقول رئيس منظمات التنمية والإغاثة الإنسانية د. رمضان طنبورة: إنهم فشلوا في تأمين شقق سكنية شاغرة لإيواء المشردين، مضيفًا: "أن هناك عائقًا كبيرًا جدًّا يحول دون إيواء الناس في أماكن نوعًا ما جيدة، فالكيان الصهيوني يمنع دخول كرفانات حديدية، وهي أفضل من الخيام، إضافةً إلى الحصار المضروب على القطاع، ما يعيق بناء أو تجهيز أماكن ملائمة لهؤلاء المشردين".
ورأى أن الحل يكمن في فك الحصار حتى يتمكن الناس من إعادة إعمار ما دمره العدوان، وأضاف "عزّة النفس عند الفلسطينيين كبيرة جدًّا، فهم يفضلون العيش في الخيام عن العيش عند أقاربهم".
من جهتها أكدت وزارة الأشغال والإسكان في قطاع غزة أن الحصار الصهيوني وإغلاق المعابر، هما السبب الرئيسي في أزمة بناء المنشآت والشقق والمنازل السكنية؛ حيث تفتقد الأسواق المحلية مواد البناء المستخدمة في بناء المنازل وإعمار وإصلاح ما دمَّرته قوات الاحتلال إبَّان الحرب.
وبينت الوزارة أن 20 ألف وحدة سكنية من بيوت ومقار حكومية ووزارات ومرافق عامة وبنية تحتية تضررت بشكلٍ كلي أو شبه كلي وتتطلب 850 مليون دولار لإعادة بنائها، فيما أن متوسط عدد البيوت السكنية التي يمكن إعادة ترميمها تصل إلى عشرة آلاف وحدة سكنية.
وأوضحت أن ما زاد مشكلة تأجير البيوت هو وجود خمسة آلاف أسرة شُردت جراء الحرب، وعشرة آلاف أسرة أخرى تعرضت منازلها للتدمير الجزئي، بينما يقدر عدد الأسر التي يمكن إعادة ترميم مساكنها بحوالي عشرة آلاف أسرة؛ حيث اضطر أصحابها للبحث عن شقق سكنية لتأجيرها لحين إعادة تعمير منازلها.
وكانت الوزارة قدَّمت ما يقارب أربعة آلاف يورو لكل مواطن دُمِّر منزله، وذلك ليقوم باستئجار منزل لمدة 6 شهور وشراء ما يلزمه من أثاثٍ كحلٍّ مؤقتٍ للمشكلة، مشيرةً إلى أن هناك من الأسر من دبرت أمرها بالسكن في بيوت أقاربهم وذويهم أو داخل مؤسسات ومكاتب أو في خيام لحين دخول مواد للبناء وإعمار منازل المواطنين.
وأكدت الوزارة أن قطاع غزة يحتاج إلى ما يقارب 20 ألف وحدة سكنية لتكفي احتياجاتهم السكنية، خاصةً أنه منذ 20 شهرًا لم تقم أي وحدة سكنية، وتوقف كافة مشاريع الإنشاء وسحب كافة الأموال المعتمدة لهذه المشاريع، التي تشمل كذلك مشاريع شبكات الري والطرق.
