- مراقبون: الحوار جاد وفتح تلهث وراء حماس بعد فشل رهان الحرب والإعمار
- حماس: المحادثات كسرت الجليد والنجاح مرهون بالإفراج عن المعتقلين
- فتح: متفائلون بنجاح الحوار وسنشهد خطوات إيجابية قريبًا
غزة- كارم الغرابلي:
على غير العادة اتسمت لهجة المتحاورين من وفدي فتح وحماس في العاصمة المصرية القاهرة عقب كل لقاء واجتماع بالتفاؤل والارتياح؛ في إشارة إيجابية وواضحة إلى صدق النوايا هذه المرة للدفع باتجاه إنهاء حالة الانقسام بين طرفي الوطن، والتي استمرت عامين وأنهكت الكل دون استثناء.
لهجة التفاؤل المصحوبة بالضحكات والبسمات التي علت وجوده المتحاورين من كلا الطرفين انعكست بالإيجاب على حال المواطنين الفلسطينيين في الضفة وغزة، والذين يعانون ضنك الحياة منذ عامَين متواصلَين من الحصار الخانق والعدوان الصهيوني المستمر، ويراقبون باهتمام شديد- وسط تفاؤل مشوب بالحذر- ما ستفصح عنه الأيام القادمة من مفاجآت فيما يتعلق بالتهدئة من جهة والمصالحة من جهة أخرى، خاصةً أن اللقاءات المستمرة نجحت في إذابة الجليد وتضميد بعض الجراح بين الطرفين، وتشير بوضوح إلى تقدم كبير في العديد من الملفات الشائكة والمعقَّدة، والتي تنتظر الترجمة على أرض الواقع.
تفاؤل حذر
وقالت مصادر صحفية مطلعة في هذا الشأن: إن الجهود المصرية واللقاءات التي تمت بين فتح وحماس أذابت الجليد بين الحركتين وستشهد الفترة المقبلة مزيدًا من اللقاءات على مختلف المستويات في الداخل والشتات لتضميد الجراح قبيل جلسات الحوار.
اتفاق مكة تم برعاية الملك عبد الله لتوحيد الصف الفلسطيني

وتسود أجواء من التفاؤل الشارعَ الفلسطينيَّ بإمكانية إنهاء الانقسام والقطيعة بين طرفي النزاع بعد 3 سنوات من إراقة الدماء والمناكفات وتبادل الاتهامات.
ومما زاد أجواء التفاؤل والارتياح ترجمة بعض الخطوات العملية على أرض الواقع من كلا الطرفين على عكس المرات السابقة التي كانت مجرد وعود سرعان ما تذهب أدراج الرياح؛ حيث تحدثت بعض المصادر عن بدء الإفراج عن عدد من المعتقلين السياسيين لحركة حماس في الضفة الغربية، وهو ما نفته حماس لاحقًا، وفي المقابل تم رفع الإقامة الجبرية عن عدد من كوادر حركة فتح في غزة، وسُمح لأعضاء في المجلس الثوري للحركة بالسفر إلى رام الله عبر معبر بيت حانون (إيرز)؛ الذي يسيطر عليه الجانب الصهيوني للمشاركة في اجتماعات المجلس.
وكان مدير المخابرات العامة المصرية اللواء عمر سليمان بدأ نهاية أغسطس من العام الماضي مشاورات مع الفصائل الفلسطينية، كلٌّ على حدة، تمهيدًا للدعوة إلى حوار وطني فلسطيني جامع في القاهرة، إلا أن حركة حماس امتنعت عن المشاركة في اللقاء الذي كان مقررًا عقده في العاشر من أكتوبر من العام نفسه، مبرِّرةً ذلك بعدم إفراج الرئيس الفلسطيني المنتهية ولايته عن عناصرها المعتقلين في سجون السلطة على خلفيات سياسية.
وربطت حماس نجاح أي حوار مع حركة فتح بالإفراج عن معتقليها في سجون أجهزة عباس؛ حيث سبق أن أطلقت حكومة غزة جميع المعتقلين الفتحاويين في سجونها كبادرة حسن للنوايا، إلا أن أجهزة عباس قابلت هذه المبادرة بتصعيد عملية الاعتقال وملاحقة كوادر حماس والجهاد الإسلامي، وهو ما جعل جميع الجهود والمبادرات السابقة تفشل.
كما تم البدء مؤخرًا في وقف الحملات الإعلامية بين الطرفين؛ حيث يُلاحظ أنَّ وسائل الإعلام التابعة للحركتين أوقفت تقريبًا تلك الحملات، لا سيما ما يتعلق منها بالطعن والتجريح.
وفي سياق يبدو متصلاً تم خلال الفترة السابقة إنهاء ملف صحيفة "الأيام" الفلسطينية؛ التي كانت محظورةً من التوزيع في قطاع غزة والسماح لها بالتوزيع؛ في حين تجري اتصالات ولقاءات من أجل السماح لصحيفة "الحياة الجديدة" بالتوزيع في قطاع غزة.
وتسابق الحركتان الزمن من أجل إنهاء ملف المعتقلين ووقف الحملات الإعلامية؛ قبل موعد الحوار الوطني المزمع عقده في القاهرة الأحد المقبل؛ من أجل الاتفاق فيه على عدة أمور مهمة.
وكانت القاهرة قد دعت جميع الفصائل الفلسطينية إلى بدء محادثات بشأن مصالحة وطنية بالقاهرة يوم 22 فبراير الجاري، وحسب وثيقة الدعوة فإن الحوار الذي سيلتئم بمشاركة الأمناء العامِّين للفصائل أو من ينوب عنهم سيهتم بمناقشة خمس لجان تم الاتفاق على تشكيلها وفق مبادرة الحوار المصرية.
لقاءات كسرت الجليد
فوزي برهوم

وأعلنت حركتا فتح وحماس عن تقدم في تحقيق المصالحة بينهما، وتوقَّعتا إمكانية ظهور النتائج خلال ساعات، وقال فوزي برهوم الناطق باسم حماس في تصريح لـ(إخوان أون لاين): إن المحادثات بين الجانبين في القاهرة مهمة وتكسر الجليد.
وأوضح أن المحادثات تناولت الاعتقال السياسي وسياسة قطع الرواتب، مشيرًا إلى أن فتح أبدت جديةً كبيرةً لتذليل العقبات، وأضاف: "إن الاتفاق على ساعة الصفر لوقف الحملات بات قريبًا جدًّا".
وعبَّر إبراهيم أبو النجا القيادي في حركة فتح عن تفاؤله بنجاح الحوار الفلسطيني والمصالحة، قائلاً: "إن الفلسطينيين سيشهدون قريبًا جدًّا أوضاعًا طيبةً وخطواتٍ إيجابيةً تتعلق بوقف الحملات الإعلامية كافةً ووقف كافة الاعتقالات السياسية؛ تمهيدًا وتهيئةً لأجواء الحوار الفلسطيني الداخلي الذي سينطلق في الـ22 من الشهر الجاري.
وأبدى المحلِّلون والسياسيون في أحاديث لـ(إخوان أون لاين) تفاؤلاً على غير العادة بإمكانية تحقيق مصالحة فلسطينية، معتقدين أنه لا بديل عن الحوار سوى المزيد من الدماء والمناكفات السياسية التافهة التي لا يمكنها حلّ الخلافات، وسيكون ضحيتها الشعب والوطن بأكمله، معربين عن أملهم في أن يتمكَّن مؤتمر القاهرة القادم للحوار من رأب الصدع بين الطرفين في أقرب وقت ممكن.
ويرى المحللون أن المصالحة بين الطرفين أصبحت حاجةً فلسطينيةً ملحَّةً يجب القيام بها في الوقت الراهن، خاصةً أمام حالة الاستهداف الإقليمي والدولي للقضية الفلسطينية وتخلِّي العدو الصهيوني، مع صعود اليمين المتطرف عن أجندة السلام ومسار التسوية، ناهيك عن حالة التدهور التي ضربت العلاقات الداخلية الفلسطينية.
أسباب للحوار
وثمة أسباب أخرى وملحَّة يجب على الطرفين وضعها في الحسبان لدفع عجلة حوار المصالحة إلى الأمام؛ بما يضمن إنهاء حالة الانقسام كما يرى المراقبون، ولعل من أبرزها كما يشير الدكتور والمحلل السياسي وليد المدلل الحرب على غزة، والتي أثبتت أن الاحتلال لا يميز في تدميره وقتله بين أبناء فتح وحماس، إلى جانب الضرر اليومي الذي لحق بالقضية الفلسطينية بسبب الانقسام وانعكاس ذلك على القرار الفلسطيني الموحد.
![]() |
|
محمود عباس |
وأرجع المدلل الإسراع في محادثات الحوار بين فتح وحماس إلى العدوان الصهيوني الأخير على قطاع غزة وانتهاء فترة ولاية الرئيس عباس، وحالة التردي التي تعيشها حركة فتح ودفعتها للتقرب من حماس، وأبدى المدلل تفاؤلاً على غير العادة بإمكانية تحقيق مصالحة فلسطينية على أساس برنامج ومشروع وطني قادر على تحقيق الأهداف الوطنية وقادر على الصمود.
الكاتب والمحلل السياسي حسن عبدو بدا أكثر تفاؤلاً بنجاح الحوار الذي سيمهّد من وجهة نظره لإعادة اللحمة لشطرَي الوطن وإنهاء حالة الانقسام، مشيرًا إلى أن اللقاءات المتواصلة بين الطرفين أثبتت صدق وحقيقة النوايا لدى الطرفين على عكس ما سبق، متوقعًا التوافق على جميع الملفات.
ومن أسباب إسراع الطرفين في الحوار إدراك الجميع ضرورة التوصل لتوافق فلسطيني لإكمال قضايا ومسائل لها علاقة بالتهدئة وفتح المعابر، وخاصةً فيما يتعلق بمعبر رفح؛ حيث قال د. عبدو في هذا الصدد: إنه لا يمكن فتح المعبر إلا بتوافق فلسطيني، وكانت مصر وعدت حركة حماس بفتح معبر رفح بشكل كامل في الأول من شهر مارس باتفاق جديد وبمشاركتها وذلك بعد نجاح حوار المصالحة مع حركة فتح.
وشاركهما في الرأي الكاتب والمحلل السياسي د. نعيم بارود؛ الذي توسَّم خيرًا بنجاح الحوار، مشيرًا إلى أن تصريحات الطرفين تمهِّد لأجواء إيجابية وطيبة.
"رب ضارة نافعة".. هكذا يرى د. نعيم الأسباب التي دفعت الطرفين لإعادة النظر في العلاقة بينهما؛ في إشارةٍ إلى أن الحرب الأخيرة على غزة ونتائج الانتخابات الصهيونية الأخيرة والتي أفرزت اليمين المتطرف ليقود دولة الكيان هي التي قادت الطرفين لمراجعة حساباتهما والعودة لطاولة الحوار وبنوايا صادقة.
وأضاف د. نعيم: "الانتخابات الصهيونية الأخيرة وفوز اليمين الصهيوني المتطرف دفعت الرئيس عباس للتقدم خطوةً باتجاه حماس كرسالة للكيان الصهيوني؛ مفادها أن لديه ورقة ضغط جديدة عنوانها حماس".
تراجع فتح
![]() |
وإذا كانت حركة فتح رفضت في السابق- رغم تعدد وتشابه المبادرات السابقة مع المبادرة المصرية الحالية- الجلوس مع الانقلابيين على حدِّ تعبيرها ومع من لا يعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية؛ فما الذي دفعها للقبول وتقديم بعض التنازلات والتراجع عن مواقفها واللهث وراء حماس هذه المرة للتحاور معها، وخاصةً بعد انتهاء الحرب؟!
في هذا الإطار يشير د. المدلل إلى عدة أسباب؛ أبرزها فشل رهان العودة إلى غزة عن طريق خلاَّطات الإسمنت والإعمار؛ بعدما فشل الرهان على الحرب والعودة على ظهر الدبابات.
وأشار إلى أسباب أخرى، من بينها فوز اليمين المتطرف في الانتخابات الأخيرة، وتراجع مسار التسوية، وغياب الشريك الصهيوني، وحالة التململ لدى حركة فتح، وحاجتها لتحسين صورتها بعدما فقدت دورها في الحرب الأخيرة، إلى جانب محاولتها الاستفادة من صفقة شاليط في حالة مصالحة حماس.
ويعتقد أن حماس لمست جديةً ومرونةً هذه المرة في مواقف حركة فتح فيما يتعلق بإنهاء حالة الانقسام ومعالجة كافة القضايا ذات الاهتمام بين الطرفين، خاصةً فيما يتعلق بالمعتقلين وملف منظمة التحرير؛ مما دفعها لتكون أكثر مرونةً في بعض القضايا.
ولفت عبدو إلى بروز معادلة فلسطينية جديدة أوجدتها الحرب الأخيرة؛ تتمثل في تزايد الدعم الشعبي والعربي لحماس وتراجع شعبية فتح؛ ما دفعها لتقديم تنازلات في سبيل التقرب من حماس.
واتفق معهم د. بارود الذي أضاف: إن الضغط العربي والإسلامي على فتح بعد الحرب جعلها تسعى للتقرب من حماس؛ بعد أن أصبحت رقمًا قياسيًّا صعبًا لا يمكن تجاوزه.
ولفت المحللون إلى ضرورة توفر الإرادة السياسية والحقيقية لدى جميع الأطراف، بعيدًا عن التجاذبات الإقليمية والخارجية لتحقيق وفاق وطني وفك لغز الملفات المعقدة، خاصةً ملفَّي الأجهزة الأمنية ومنظمة التحرير، مشدِّدين على أن نجاح الحوار بين الطرفين مرهون بالترجمة على الأرض.
وبين توقعات المحللين وتطورات الميدان يبقى الشارع الفلسطيني رهينةَ الحذر والترقُّب لما ستفصح عنه الأيام القادمة من مفاجآت.

