اجتاح الخوف والقلق قلوب وأوساط الآلاف من الموظفين الذين يتقاضون رواتبهم من حكومة فياض في رام الله بعد تأخُّر دفع رواتبهم هذا الشهر وحديث مسئولي السلطة عن عجز مالي في الموازنة، واستنجاد الرئيس محمود عباس بالجامعة العربية لتغطية العجز ودفع الرواتب.
ولم تكن هذه الأزمة هي المرة الأولى التي تواجهها حكومة فياض، ولكنها تعد أبرز أزمة مالية تمر بها منذ 20 شهرًا، وأرسل فياض على إثرها رسائل عاجلة إلى الدول العربية والأوروبية المانحة، من أجل تحويل أموال للسلطة حسب خطة ثلاثية أطلقتها الحكومة قبل عام ونصف العام وتستمر عامين آخرين.
وزعمت حكومة فياض أن تأخُّر التحويلات المالية من الدول المانحة وصرف أموال أخرى لقطاع غزة، من أجل إغاثة وإيواء المتضررين من العدوان الصهيوني هو السبب في تأخير صرف رواتب الموظفين هذا الشهر!!.
وأمام هذه الأزمة التي ربطتها حكومة فياض بمبررات وهمية أعلن مجلس نقابة العاملين في الوظيفة العمومية الإضراب الشامل؛ وذلك بعدم توجه الموظفين للعمل في جميع المؤسسات والوزارات.
وقد عمَّ الإضراب الشامل 32 وزارةً ومؤسسة حكومية فلسطينية في الضفة الغربية؛ استجابةً لطلب النقابة احتجاجًا على عدم صرف الرواتب وبدل غلاء معيشة للموظفين.
وكان الرئيس عباس المنتهية ولايته" استنجد بالدول العربية طالبًا إياها بتقديم دعمٍ مالي وعاجل للسلطة الفلسطينية للخروج من أزمتها المالية.
![]() |
|
محمود عباس |
وأرجع محللون ومراقبون اقتصاديون أزمة الرواتب إلى الفساد المالي والإداري الذي يعشش في حكومة فياض إلى جانب اعتمادها على التمويل الخارجي وتبعية الاقتصاد الفلسطيني للاقتصاد الصهيوني بشكلٍ كاملٍ وسوء توزيع الموازنة وتكدس الموظفين.
وانتقد الخبراءُ السياسةَ الماليةَ لحكومة فياض، والتي ساهمت في حدوث عجزٍ في موازنة السلطة بسبب عدم إيفاءِ الدول المانحة بالتزاماتها، مؤكدين أن ضعف الموازنة مرده اعتمادها بشكلٍ كبيرٍ على دعم الدول المانحة وعدم الاهتمام بتفعيل باقي الأنشطة والبرامج الاقتصادية التي تحقق التنمية وتقلل من الاعتماد على الغير.
وقال د. معين رجب، أستاذ علم الاقتصاد في جامعة الأزهر لـ(إخوان أون لاين) في هذا الصدد: إن المشكلة تكمن في اعتماد السلطة بشكلٍ كبيرٍ على الدعم الخارجي, مضيفاً: "نحن لا نستطيع إجبار هذه الدول على تحويل ما نحتاج إليه لتغطية العجز في الموازنة العامة".
وأكد أن أسباب تأخُّر صرف رواتب الموظفين غامضة وغير واضحة، مشيرًا إلى أن سلام فياض صرَّح مؤخرًا أن الأمرَ يتعلق بالتأجيل ولم يذكر أن هناك تأخيرًا.
وأشار إلى أن الحديث عن أزمةٍ ماليةٍ في السلطة ربما يعود لمستجدات طرأت بعد الحرب على غزة ولم يتم الإفصاح عنها حتى الآن من قِبل حكومة فياض، لافتًا النظر إلى أن ما يُثير الغرابة أن الحديث كان قبل شهرين عن أزمة سيولة فقط، والآن لا يجوز الإعلان عن أزمة مالية بدون مقدمات والتهيؤ والتدرج في مسبباتها وحيثيات تفاقمها.
وقال: "يجب على السلطة المختصة أن تُفصح عن طبيعة الأزمة وأبعادها والطريقة التي يمكن بها حلها، وخاصةً أن فياض صرَّح بأنه يقترب من الاقتراض من البنوك".
وزعم وزير التخطيط في حكومة فياض سمير عبد الله أسباب تأخُّر حكومته في صرف رواتب الموظفين إلى التزام الحكومة الدائم تجاه قطاع غزة؛ وذلك بدفع أموال للموظفين والمؤسسات الخدمية منعًا لحدوث كارثة هناك، وادَّعى أن حكومته دفعت مبلغ 50 مليون دولار لخدمات الإيواء مؤخرًا كأولوية لتخفيف المعاناة هناك بعد العدوان الصهيوني، إضافةً لدفع أموال لأسر الشهداء وللمؤسسات الخدمية!!.
ورفض المراقبون هذه المبررات؛ حيث أكد الخبير الاقتصادي د. محمد مقداد أن هذه المبررات مرفوضة وغير مقنعة وأن قصة "دعم وإعمار غزة" شمعة للتهرُّب من المسئولية، مشيرًا إلى أن موازنة إيواء المواطنين وإعادة اعمار القطاع مستقلة ومنفصلة تمامًا عن موازنة رواتب الموظفين دون أن يستبعد تفشي الفساد المالي والادراي لدى حكومة فياض.
وقال د. مقداد لـ(إخوان أون لاين): "إن المشكلة تكمن في مماطلة الدول المانحة بتنفيذ وعودها وسوء توزيع الأموال والموازنة وتكدُّس الموظفين والتبعية الكاملة للاقتصاد الصهيوني"، مضيفًا: "لم يسعَ الساسةُ الفلسطينيون في تحريره وإعادة ربطه بالعمق العربي والإسلامي".
وأشار د. مقداد إلى أن هناك توظيفًا في غير حاجةِ المجتمع الفلسطيني، خاصةً فيما يتعلق بالأجهزة الأمنية والمخابرات؛ حيث بات يُشكِّل القطاع العام عبئًا على الموازنة الفلسطينية بطريقة منظمة، كما لم تفِ الدول المانحة بجميع وعودها حتى تبقى الأزمة وتبقى الموازنة في حاجةٍ للدعم الخارجي المشروط.
ومن جهته أرجع الخبير الاقتصادي عمر شعبان أزمة الرواتب إلى مصروفات حكومة فياض الكبيرة وغير الضرورية، والتي تفوق التزامات الدول المانحة وعدم وجود موارد لدى الفلسطينيين إلى جانب عدم إيفاء الدول المانحة بالتزاماتها والفساد الإداري والمالي الذي يتفشى في حكومة فياض وعدم معالجته والقضاء على شركات الاحتكار وعدم تقليص المصروفات الباهظة.
وفي ظل استمرار الأزمة المفتعلة ومحاولة حكومة فياض الالتفاف على حقوق الموظفين حذر أمجد أبو رعد رئيس نقابة الموظفين في نابلس من عدم صرف الرواتب حتى يوم الثلاثاء القادم، مؤكدًا أن النقابة ستتخذ خطوات تصعدية "ملفتة للنظر".
وقال: إن فياض أعطى في اجتماعه الأخير مع النقابة وعدًا قاطعًا بصرف الرواتب في موعدٍ أقصاه يوم الثلاثاء"، مؤكدًا أن الإخلال بهذا الوعد سيدفع نقابة الموظفين إلى اتخاذ خطوات تصعدية، رافضًا الكشف عنها في الوقت الحاضر.
وتضم نقابة الموظفين الحكوميين 42000 موظف وموظفة في الضفة الغربية وقطاع غزة يتوزعون على 32 وزارة ومؤسسة حكومية في الضفة الغربية وقطاع غزة منهم 25 ألف في الضفة الغربية.
