"ما أشبه اليوم بالبارحة!!".. لسان حال العشرات من العائلات الغزية التي أضحت تعيش في الخيام؛ تلتحف السماء وتفترش الأرض، بعد أن دمَّرت قوات الاحتلال الصهيوني منازلها إبَّان العدوان على قطاع غزة.
مشاهد الخيام التي تتكدَّس على أنقاض وركام المنازل والمباني المتناثرة في أنحاء متفرقة من قطاع غزة؛ أعادت إلى ذاكرة أهالي غزة مشاهد وذكرى نكبة فلسطين التي لم تغلق صفحاتها بعد.
فالحاجة أم مؤمن (70 عامًا) جلست على باب خيمتها المنصوبة فوق ركام وأنقاض منزلها المدمَّر؛ تفترش الأرض وتلتحف السماء، ومن حولها أبناؤها وأحفادها تقصُّ عليهم حكاية النكبة التي عايشتها قبل ستين عامًا، وترك إثرها الفلسطينيون منازلهم وبيوتهم وأراضي أجدادهم، متجهين إلى غزة هربًا من بطش الاحتلال الصهيوني آنذاك.
لم تتوقع الحاجة أم مؤمن أن تعايش النكبة مرةً ثانيةً بعد مرور ستين عامًا على هجرة عائلتها؛ حيث تقول لـ(إخوان أون لاين) بينما تحفر التجاعيد ملامح وجهها: "كنت في عمر أحفادي عندما هُجِّرنا من عسقلان إلى غزة.. لم أكن أدري ما كان يدور حولي، واليوم مشاهد النكبة شاخصة أمامي"، ونظرت إلى أنقاض منزلها حيث اختلطت الحجارة بالملابس والأثاث: "لم يتركنا الاحتلال المجرم في حالنا.. يخشى على نفسه؛ ولذا يطاردنا في كل مكان.. يُعيدون إلينا مشاهد النكبة والقتل والتدمير بعد أن دمَّروا حياة عمري"؛ في إشارة إلى منزلها.
وأشارت وهي تلتقط دموعها من على وجنتيها إلى أن العائلة أُجبرت على مغادرة منزلها بعد استهدافه بالعشرات من القذائف المدفعية والفسفورية.. "سارعنا إلى الهرب إلى إحدى المدارس للاحتماء بداخلها، لكن طائرات الاحتلال لم تتركنا في حالنا؛ فقد عشنا ليالي من الرعب الشديد بعد استهداف المدرسة.. طاردونا في كل مكان"، واختتمت: "نحن صامدون، ولن نترك وطننا".
![]() |
|
خيام فلسطينية لإيواء أهل غزة بعد تدمير بيوتهم |
وأضافت بصوت متقطع: "تعرَّضت منازلنا للعشرات من القذائف المدفعية والفسفورية؛ مما اضطرَّنا إلى الهرب إلى إحدى المدارس دون أخذ أي شيء من حاجاتنا وملابسنا".
وتابعت: "هناك كان اللجوء الحقيقي؛ حيث عائلات كثيرة هربت وشرِّدت من بيوتها"، وتساءلت: "أين سنذهب الآن بأطفالنا بعد عودة الطلاب إلى المدارس؟! فبيوتنا لا تصلح للسكن، ولم يتبقَّ لنا أي شيء".
الحاج أبو رضوان (75 سنة) قال والحسرة تعتصر قلبه: "إن عملية هدم المنازل وتشريد عشرات العائلات تُعتَبر مأساةً جديدةً وكبيرةً، وأصعب من مأساة عام 1948م، عندما احتلت القوات الصهيونية فلسطين.. لقد أعادت هذه المأساة الجديدة ذكرياتٍ مؤلمةً إلى كل من عاشوا المأساة الأولى"، وأشار إلى أنقاض منزله؛ حيث اختلطت حجارة المنزل بالأثاث والملابس والأدوات المنزلية.
وقال أبو رمزي (41 سنة) وهو أيضًا ممن هُدِّمت منازلهم: "أنا الآن وتسعة من أولادي فقدنا منزلنا؛ فكيف لنا الاستمرار في حياتنا الطبيعية في ظل هذه الظروف؟! فقدنا كل ما نملك في هذه الدنيا، ونأكل وجبةً خفيفةً ونشرب المياه من خزانات قرب الخيام، ولا نعرف أين نقضي حوائجنا".
وأضاف بصوت حزين وخافت: "حياتنا كلها أصبحت مقلوبةً، وحتى الخيام لم تسلم من نيران هؤلاء المجرمين.. هذا مرعب لأطفالنا"، ومن أجل إعداد وجبة طعام تقوم النساء والأولاد بجمع الحطب.
وقالت مريم أبو عيدة (40 سنة): "إنني أقوم بجمع الحطب لإعداد وجبة طعام لأطفالنا الذين أصبحوا يأكلون وجبة واحدة في اليوم لضيق الحال، وبعد أن أتلف القصف الصهيوني مخزوننا من طحين وأرز وأواني الطعام"، وأضافت: "أطفالي يعيشون في خوف دائم ليل نهار، وأصبحوا يعانون من التبوُّل اللا إرادي، ويحلمون أحلامًا مزعجةً ومخيفةً، وتصيبهم حالات من الفزع والاكتئاب".
ووفقًا لتقرير جهاز الإحصاء الفلسطيني فإن قوات الاحتلال دمرت (4100) مسكن بشكل كلي، وتعرَّض (17000) مسكن لأضرار جزئية مختلفة، واعتبر في تقريره "أن قطاع غزة أصبح منطقة منكوبة من النواحي الإنسانية والاقتصادية والصحية والاجتماعية بسبب العدوان".
ويوجه الحاج محمد عبد ربه (55 عامًا) من عزبة عبد ربه شمال غزة نداءه إلى الجميع بأن يشعروا بألم الأُسَر التي هُدِّمت منازلها وشُرَِّد أبناؤها، وأصبحت بلا مأوى، وهي الآن بأمسِّ الحاجة إلى من يقف بجانبها ويساندها في ظل هذه الظروف الصعبة.
ويقول وهو جالس على ركام منزله المدمَّر: "نحن لا نطلب المستحيل.. فقط نريد إعمار منازلنا التي دمرتها قوات الاحتلال، وحوَّلتنا إلى مُشرَّدين؛ لا نملك شيئًا، بعد أن خرجنا وتركنا خلفنا كل ما نملك".
من جانبه أوضح المستشار الإعلامي للأونروا عدنان أبو حسنة أن المؤسسة الدولية تبذل قصارى جهدها في دعم أصحاب البيوت المهدمة؛ للتخفيف من وطأة المعاناة والمأساة.
وقال: "الأونروا تقدم بشكل متواصل المساعدات الغذائية والإغاثية لكافة المشردين والمتضررين من الحرب، وهي ما تزال تستوعب جزءًا من المشردين في أماكن تابعة لنا".
وأضاف: "فور انسحاب القوات من غزة تناقصت أعداد الذين تم إيواؤهم في مدارسنا، ومن تبقَّى دفعنا له مبالغ مالية للإيجار، والجزء الآخر لا يزال موجودًا في مؤسساتنا حتى اليوم".
وأكد أبو حسنة استحالة إعادة إعمار ما تم تدميره خلال الحرب على غزة دون فتح المعابر والسماح بإدخال المواد الأساسية اللازمة للبدء في عملية البناء والتشييد، ويشير إلى أن كل ما يتم الحديث عنه حول إعمار قطاع غزة هو "بمثابة كلام سابق لأوانه"، وأن الأهم الآن هو التدخل لدفع الاحتلال إلى فتح المعابر بشكل اعتيادي، دون الاقتصار على المساعدات الإغاثة والأطعمة.
وأبدى استعداد "الأونروا" للقيام بدورها في إعادة الإعمار ومشاركة كافة الجهات ذات العلاقة، وتقديم خبراتها الطويلة في هذا المجال، ويوضح أن الطواقم الفنية تقوم بعملية حصر الأضرار وتقدير حجم الخسائر، ومن ثم وضع الخطط والبرامج اللازمة لإعادة الإعمار.
