استقبلت حشود كبيرة من أهالي مدينة إسطنبول في ساعة متأخرة من ليلة الخميس 29/1/2009م بالهتافات المؤيدة والمساندة وبالأعلام التركية والفلسطينية رئيس الحكومة التركية طيب أردوغان العائد من منتدى دافوس بعد ترك جلساته محتجًّا على عدم اتصاف المنتدى بالإنصاف والعدل حين منع من حق الرد على كلمة شيمون بيريز رئيس الدولة العبرية الهجومية على تركيا وعلى أردوغان بسب دعمهما للشعب الفلسطيني.
كان طيب أردوغان رئيس الحكومة التركية عاد لإسطنبول بعد الواحدة من صباح الجمعة 30/1/2009م، تاركًا جلسات منتدى دافوس الاقتصادي المنعقد حاليًّا بسويسرا، محتجًّا على أسلوب المنسقين لأعمال الجلسات الذين منعوه من إكمال رده على كلمة شيمون بيريز رئيس الكيان الصهيوني المشارك بنفس الجلسة التي حملت عنوان "نموذج السلام في الشرق الأوسط"، وهي الكلمة التي تحدَّث فيها بيريز بحدَّة وبصوت عالٍ، مستهدفًا تركيا ورئيس حكومتها؛ بسبب دعمهما لأهالي غزه ضد العدوان الصهيوني، فأراد أردوغان الرد على كلمته ووحدته واستهدافه له ولتركيا فلم يُتَح له هذا من طرف منسق الجلسة، فقرر ترك المنتدى وعاد لتركيا.
تجدر الإشارة إلى أن طيب أردوغان كان تحدث لمدة 12 دقيقة أمام الجلسة التي شارك فيها عمرو موسى سكرتير الجامعة العربية وبان كي مون سكرتير الأمم المتحدة؛ قال فيها أردوغان:
لافتة تقول لأردوغان: مرحبًا بفاتح دافوس
"إنه حين زار الأراضي الفلسطينية المحتلة، تركه (الإسرائيليون) لمدة نصف ساعة على الحدود، ولم يحدث أن تعرَّض مسئول (إسرائيلي) لمثل هذه المعاملة في زيارة له لتركيا، وأقول لأولمرت: ما دمت تقوم بإلقاء القنابل وتتعلَّل بصواريخ حماس؛ ماذا فعلت خلال مدة 6 شهور (التهدئة) غير قتل 28 فلسطينيًّا، وقطعت الكهرباء والطعام، وكبشر يجب علينا التفكير في هذه المواقف، وأؤكد عدم وجود أي توجه غير إنساني لموقفي في دعم الناس في غزه، وأنا لست ضد السامية ولا ضد أي دين كان، وأذكِّركم بأنكم تؤخِّرون المساعدات الإنسانية للهلال الأحمر التركي، وسبق لي أن قمت بتدخُّل ووساطة سلام بين (إسرائيل) وسوريا، وتحدثت مع أولمرت في أنقرة من أجل الجولة الخامسة مع سوريا؛ وذلك بهدف كيفية الانتقال للمباحثات المباشرة، وقلت له بإمكانية إنقاذ الجندي الأسير، ولكن الديمقراطية تتطلَّب قبول إرادة الشعب الفلسطيني واختياره..

واليوم رئيس البرلمان والبرلمانيين والوزراء أسرى في أيديكم؛ فقال أولمرت: "إن عباس يغضب لو فعلنا هذا؛ فقلت له أطلِق الأسرى العاديِّين، فقال إذا تركتهم تعرَّض محمود عباس لأزمة، ثم وجدت بعد هذا اللقاء قتل الناس بدون هوادة في غزة، وأنا أقول: هل هناك أسلحة لدى الفلسطينيين مماثلة لما هو موجود لدى (إسرائيل)؛ بما فيها أسلحة الدمار الشامل؟! بالطبع الجواب لا.. حتى إنهم يَضربون مراكز الأمم المتحدة والمدارس والجوامع بالصواريخ والقنابل..
إن الواجب الإنساني يحتِّم على الجميع تأديته، وأنا كنت أول من فتح الحدود للمساعدات لجورجيا والفاتورة ثقيلة في غزة، وملايين أو مليارات صغيرة لن تحلَّ ما حدث، ولكن غزة تحتاج لحملة كبيرة، والحقيقة أن غزة ليس يقيم فيها حماس فقط، وإنما الشعب الفلسطيني هناك، وهل يجب أن يعيش الناس في سجن؟ من اللازم فتح المعابر لأجل الإنسانية وكرامتها، وأنا قلت لأولمرت إنك يجب أن تدعو حماس للمفاوضات وتجلس معهم أو بمعرفة الأمم المتحدة؛ لأنها حكومة منتخَبة وتعبِّر عن إرادة شعبية حرة، ولا يجب أن تجلس على المائدة بمفردك، لن تصل لنتيجة مع فتح منفردة، ومن يريد السلام يجلس مع كل الأطراف".
التصفيق للظلم جريمة ضد الإنسانية
وردَّ أردوغان على شمعون بيريز في كلمته التي لم تكتمل بقوله: "السيد بيريز.. أنت أكبر مني سنًّا، لكن صوتك عالٍ، وهذا يعني وجود أزمة نفسية لديك، وأذكركم بأنكم سبق أن قمتم بقتل الأطفال على ساحل غزة، ولم يكن هناك صواريخ تُطلَق منها، ولديكم رئيس وزراء عبَّر عن سعادته عند دخول الدبابات غزة، وأنا ضد الذين يصفِّقون لهذا الظلم، سواءٌ هنا أو هناك، وهذا يمثِّل في حد ذاته جريمةً أخرى ضد الإنسانية، وأذكِّرك أن التوراة تمنع القتل، وكثير من يهود العالم شجبوا كل هذا القتل".
![]() |
|
لافتة أخرى تقول لأردوغان: مرحبًا بزعيم العالم |
تصرف خارج عن الحياد الدبلوماسي
وتقول د. زينب داغي رئيسة المجموعة البرلمانية التركية في البرلمان الأوروبي مع البحر الأبيض تعليقًا على رد رئيس الحكومة التركية: "مثل هذه الحوادث تتكرَّر، ولا يجب تضخيمها، لكن المهم هو كيفية تناول الحدث، ورئيس الحكومة تحدث عن عدم التساوي في الوقت بين المتحدثين، ولا يمكن قبول الصوت العالي، أو التدخل بالأيدي لمنع رئيس حكومة تركيا من الحديث، ولذا فهو ردَّ بالمناسب وموقفه صحيح".
ويقول بولنت آراس الأستاذ بجامعة إيشيق: من ناحية الشكل لا يمكن قبول موقف منسق الجلسة وتصرفه السلبي مع رئيس حكومة، أما حديث بيريز بالصوت العالي فلم يكن مناسبًا من ناحية الدبلوماسية، وادعاؤه أنه من حمامات السلام بـ(إسرائيل) وأن العنف يلحق الضرر بالدولة (الإسرائيلية) ومشروعيتها أصبح محل حديث في المحافل الدولية، وأردوغان أراد منهم الاعتراف بالجرائم الإنسانية التي ارتكبوها، وأن يوقفوا النيران ويعمِّروا غزة ويفتحوا المعابر ويتحاوروا مع حماس وحكومتها.
ازدواجية معايير واضحة
أما على الجانب الصحفي والإعلامي التركي فنال الحدث اهتمامًا منقطع النظير، رغم تأخر الوقت من ليلة الخميس ويقول نصوحي جونجور من جريدة (ستار): "تركيا هي الدولة الأكثر طلبًا ودعوةً للسلام بالمنطقة، وموقفها واضح، وعلى الجميع أن يتذكر كيف جعل بيريز من تركيا ورئيس حكومتها هدفًا ونحن نعرف سياسة (إسرائيل) في القضية الفلسطينية، وما قامت به في غزة، وكان يجب على تركيا الرد المناسب.
ويرى الصحفي صواش دوغان أن أهم ما قاله أردوغان هو الحديث عن الازدواجية في التعامل الدبلوماسي الدولي، والمقارنة واضحة بين جورجيا وغزة.. "إنها أزمة الحضارة"، وقول أردوغان: "إنكم معروفون بالقتل"، أما مشكلة الشرق الأوسط فهي واحدة من أعقد المشكلات العالمية؛ لعدم وجود اتصالات حقيقية بين الأطراف، وأتوقع أن يكون كلام (إسرائيل) يوم غد الجمعة أكثر ميلاً ناحية أحاديث السلام.
ويؤكد خاقان البيرق في يومية (يني شفق) أن أردوغان يعرف الحساسية الشديدة لدى الشعب التركي؛ نتيجةً لما حدث في غزة وما قام به مناسب لتركيا خصوصًا وضع حد لأسلوب الغطرسة "الإسرائيلية" وموقف أردوغان تاريخي.
أما مصطفى قرا علي أوغلو فاعتبر رد أردوغان على بيريز وانسحابه موقفًا تاريخيًّا وليلةً مهمةً في تاريخ تركيا، ويؤكد للعالم مكانة تركيا وقوتها، وإذا كان بيريز قدم اعتذارًا سريعًا لأردوغان بعد انسحابه من الجلسة؛ فهذا يعني حرص تل أبيب على دور تركيا في جهود السلام.
بيريز يعتذر لأردوغان
عمرو موسى يحيِّي أردوغان على موقفه الشجاع
وقالت القناة الثانية التلفزيونية التركية مساء الخميس: إن بيريز اتصل بأردوغان في دافوس قبل مغادرته واعتذر له.

وقالت شبكة (إس تي في) الإخبارية التركية إن عمرو موسى سكرتير الجامعة العربية كان سيترك الجلسة أيضًا تضامنًا مع أردوغان، وأمره واضح من الصور، لكن بان كي مون سكرتير الأمم المتحدة أشار إليه بالجلوس والاستمرار.
