بعد أسبوعٍ واحدٍ من توقُّف الحرب وعودة الحياة إلى طبيعتها في قطاع غزة، ورغم أن الجرح الغائر لم يندمل بعد؛ بدأت جامعات غزة- وعلى رأسها الجامعة الإسلامية- تستعد لاستنهاض مسيرتها التعليمية من جديد؛ وسط أحجار المباني المُدمّرة والمتناثرة والمنتشرة في كل مكان من أرض الجامعة بعد القصف الصهيوني الذي طالها والعديد من المدارس والجامعات الأخرى.

 

وأعلن الدكتور كمالين شعت رئيس الجامعة الإسلامية عن بدء دوام المدرِّسين والعاملين منذ صباح اليوم السبت، فيما سيتم الإعلان عن موعد دوام الطلبة في وقتٍ لاحقٍ، متوقِّعًا أن يكون دوامهم خلال عشرة أيام، مشيرًا إلى أن الجامعة تُجري كافة الاستعدادات لتجاوز الأزمة الحاليَّة.

 

من ناحيته بيَّن رئيس جامعة الأزهر الدكتور جواد وادي أن دوام العمل الأكاديمي والإداري يوم الأحد القادم؛ على أن يُنظَر في حضور الطلاب في وقتٍ لاحقٍ.

 

وبخصوص امتحانات نهاية الفصل الدراسي الأول ذكر الدكتور وادي أن الجامعة ستعلن عن موعد بدء الامتحانات في وقتٍ لاحقٍ، ولكن ستكون الامتحانات كما تقرَّر لها سابقًا، ولن يتم التغيير في الجدول؛ حيث ستبدأ امتحانات المختبرات ثم متطلبات الجامعة وأخيرًا التخصصات.

 

وبخصوص دوام جامعة الأقصى قال الدكتور منير نشوان نائب رئيس الجامعة إن دوام الطلبة يوم الأحد القادم، مؤكدًا أن إدارة الجامعة تفقَّدت مبانيَها ورصدت أضرارها ومستعدة لبدء الدوام الدراسي للطلبة.

 

جديرٌ بالذكر أن الطائرات الحربية الصهيونية قصفت إبَّان الحرب على قطاع غزة أجزاءً كبيرةً من مباني الجامعة الإسلامية بغزة، والتي تُعتبر من المباني ذات الأهمية، فيما تضرَّرت الجامعات الأخرى بشكلٍ كبيرٍ من جرَّاء قصف استهداف محيطها.

 

يشار إلى أن الجامعة الإسلامية رفعت منذ نشأتها في العام 1978م راية العلم والمتعلمين؛ لتعلن للأجيال المتعاقبة على مر العصور اهتمامها الحثيث والمتواصل بتحقيق أعلى درجات النهضة العلمية على مستوى الوطن العربي، ولتقدم بذلك صورةً نموذجيةً لمؤسسة أكاديمية حضارية، وتُعتبر "الإسلامية" أول مؤسسة للتعليم العالي في قطاع غزة تحتضن ما يقرب من 20 ألف طالب وطالبة من أبناء الشعب الفلسطيني، وتُخرِّج آلاف الطلبة سنويًّا؛ وتخطَّت الجامعة عبر 3 عقود من الزمان أصعب الظروف التي يعيشها سكان قطاع غزة، وهي تشقُّ طريقها بثبات وثقة نحو تحقيق الرفعة والتقدم، وظللت الجامعة موظفيها وطلبتها بأوراقها الخضراء اليانعة التي رُويت بجهود المحبين والداعمين للجامعة والحريصين على خدمة المسيرة التعليمية لتحقق بذلك حضورًا علميًّا متميزًا في الأوساط التعليمية.

 

وبالرغم من دورها الريادي في تقديم خدمة التعليم الأكاديمي والبحث العلمي وخدمة المجتمع؛ إلا أن طائرات الاحتلال أبت إلا أن تحقق أهدافها في طمس الهوية الفلسطينية وإلغاء معالم الحضارة الإسلامية ومحاربة الثقافة العربية الأصيلة عندما أغارت بطائراتها الحربية بعد منتصف ليل يوم الأحد الموافق 28 ديسمبر 2008م على ذلك الصرح العلمي الشامخ؛ لتتوقف معها نبضات قلوب الآلاف من أبناء وطلاب غزة، وليزداد الترقُّب لشاشات التلفزة، ومعه ترتسم علامات الحزن والأسى على وجوه أبناء الشعب الفلسطيني عامةً وأبناء الجامعة خاصةً؛ لتعلن الأخبار الإذاعية استهداف طائرات الاحتلال مبانيَ الجامعة الإسلامية.

 

وامتدَّت أيادي الصهاينة العابثة لتطال منارة العلم الراسخة على مدار ثلاثين عامًا من البذل والعطاء؛ التي كانت وما زالت عنوانًا للتحدي والصمود، ووقفت حناجر وأقلام المئات من أساتذة وأكاديميي الجامعة عاجزةً أمام الدمار والتخريب والهدم الذي ألمَّ بمباني الجامعة ومختبراتها وأجهزتها وقاعاتها الدراسية وأثاثها ومكاتبها، فيما لم تسلم حدائقها وأشجارها من الحرق والإبادة.

 

وتروي أحجار مباني الجامعة الإسلامية بغزة المتناثرة في كل مكان قصة نجاح كبيرة تُسَجَّل لأساتذة الجامعات وطلبتها، عبر براءة اختراعاتهم وتميُّزهم الأكاديمي وأدائهم العلمي والإداري الرفيع.

 

وتُدخل مشاهد أجهزتها ومختبراتها العلمية المدمرة الحزنَ والأسى على قلوب مشاهديها لتذكِّرهم بإنجازاتها العظيمة وخدماتها المتميزة التي تضاهي ما تقدمه أضخم المختبرات في فلسطين.

 

وكان مبنى المختبرات العلمية دُمِّر بشكل كامل بعد قصفه بصاروخين؛ حيث يخدم المساقات الأكاديمية النظرية لطلبة البكالوريوس والباحثين من طلبة الدراسات العليا في كلية العلوم بالجامعة، ويضم المبنى مختبرات تخدم الدراسات البيئية والريفية وفحص المياه والتربة.

 

كما تعرَّض مبنى سمو الأمير تركي بن عبد العزيز للهندسة وتكنولوجيا المعلومات للتدمير بشكل كامل، ويضم: مراسم لكلية الهندسة، مركز لعمارة التراث الفلسطيني، والمختبرات الدراسية للكهرباء والحاسوب والأبحاث الدراسية التي تخدم المساقات النظرية.

 

وقد ألحق القصف أضرارًا فادحةً أدَّت إلى سقوط أجزاء من مبنى اللحيدان للقاعات الدراسية، ومبنى طيبة للقاعات الدراسية، فضلاً عن تهشُّم أثاث وزجاج باقي مباني ومرافق الجامعة.
يُشار إلى أن الجامعة الإسلامية تعرَّضت إبَّان الحسم العسكري الذي نفَّذته حركة حماس في قطاع غزة العام الماضي للتخريب والتدمير والحرق من قِبَل عناصر حركة فتح.

 

وقدَّر نائب مدير العلاقات العامة بالجامعة الإسلامية بغزة حسام عايش حجم الخسائر الأوَّلية التي تكبَّدتها الجامعة الإسلامية وحدها من جرَّاء استهداف الطيران الصهيوني عددًا من أبنيتها بما يعادل حوالي 15 مليون دولار.

 

وأشار عايش إلى أن تسعة مبانٍ تعليميةٍ بالجامعة تضرَّرت بشكل جزئي بجانب تسويه مبنيَي المختبرات العلمية والهندسية بالأرض، ولفت النظر إلى أن الحرب على غزة- في رأيه- كانت معنيةً بالتدمير والتخريب لا بتحقيق أهداف عسكرية، كما ادَّعت تل أبيب.