بدموعٍ منهمرةٍ ومشاعرَ متأججةٍ ونبراتٍ غاضبةٍ روى الفوج الأول لاتحاد الأطباء العرب العائد من قطاع غزة بعد أكثر من أسبوع مآسيَ الشعب الفلسطيني وسط شلالات الدماء والأشلاء المُقطَّعة والمتناثرة في ظل الغياب العربي والرسمي الذي وصل إلى حدِّ التآمر والمتاجرة بالقضية الفلسطينية.
في البداية وصف الدكتور باسم الكسواني رئيس الوفد الطبي الأردني ما رأوه في غزة بالشيء البشع والمريع، موضحًا أن حالات القتل والبتر والحرق والتفحم تتحدث عن عمليات إبادة تتنافى مع كافة المقاييس الإنسانية والقانونية.
![]() |
|
د. باسم الكسوني |
وأكد د. الكسواني أن أعداد الجرحى الفلسطينيين من جرَّاء العدوان الصهيوني كبيرة جدًّا في ظل استخدام قوات الاحتلال أسلحةً مُحرَّمةً تُستخدم لأول مرة ضد الشعب الفلسطيني، كالفسفور الأبيض، والقنابل الارتجاجية والانشطارية؛ الأمر الذي صعَّب مهمة الأطباء الفلسطينيين والوفود الطبية، وجعلهم في حيرةٍ وصلت إلى حدِّ الذهول!.
وروى أن الاحتلال الصهيوني كان يتعمَّد قتل الجرحى بدم بارد؛ حيث كان يترصَّد سيارات الإسعاف إما بإطلاق النار والقذائف الصاروخية، أو بتعطيلها عن أداء عملها المنوط بها من نقل الجرحى والشهداء.
وضرب مثلاً بإحدى سيارات الإسعاف التي كانت تنقل أحد الجرحى فقام جنود الاحتلال بمنعها من مواصلة طريقها أكثر من 45 دقيقة والجريح ينزف، وقامت بإطلاق الرصاص في الهواء لإرهاب طاقم الإسعاف، ثم سمحت للسيارة بالعبور ولكن بشرط أن تسير بسرعة 10 كيلو مترات في الساعة، وهو الأمر الذي أودى بحياة الجريح.
![]() |
|
د. محمد الرفاعي |
واستكمل الدكتور محمد رفاعي أستاذ الأنف والأذن- ودموعه تنساب على وجنتيه- قائلاً: "إن ما يحدث في قطاع غزة جريمة بشعة يرتكبها الكيان الصهيوني بحق مدنيين عُزَّل؛ في ظل تآمر دولي وعربي على إنهاء القضية الفلسطينية".
مضيفًا أن الأشلاء المتناثرة في الشوارع تنهشها الكلاب ولا تستطيع الطواقم الطبية مواصلة عملها في ظل قصف صهيوني إجرامي، مؤكدًا أن كل تلك الصور المريعة تعكس فضيحة وجريمة دولية عربية، وإن كانت في نفس الوقت ترسم صورة من لؤلؤٍ لشعبٍ صمد ولا يزال يصمد أمام آلة قتل بشعة.
ويستكمل د. رفاعي روايته قائلا: "إننا ذهبنا لنُثبِّت ذلك الشعب العملاق فثبَّتونا، وهو ما رأيناه عندما وصل إلى مستشفى الشفاء شابٌّ أمعاؤه مهتَّكة، ومخُّه خارج جمجمته، مبتور القدم، استُشهد على الفور، ذهبنا لنخبر أمه فوجدناها تزغرد وتصيح وتكبِّر؛ في مشهدٍ طالما رأيناه على شاشات التلفاز لم نعرف قيمته إلا عندما رأيناه بأنفسنا".
![]() |
|
د. عبد الرازق عيسى |
وفي صورةٍ مأساويةٍ أخرى يروي الدكتور عبد الرازق عيسى عضو الوفد الطبي الأردني أنه "في إحدى الغارات الصهيونية على أحد أحياء قطاع غزة نقلت سيارات الإسعاف أسرةً كاملةً أصيبت في القصف، وأثناء عملنا وجدنا طبيبًا فلسطينيًّا ضمن الطاقم الطبي في غرف العناية الفائقة "المركزة" يصرخ قائلاً "أخي"؛ حيث وجد أخاه وسط الجرحى شهيدًا، وفشلت جميع المحاولات في إنقاذه".
ويضيف: "إن الاحتلال الصهيوني استخدم في عدوانه جميع قواته الضاربة ضد المدنيين العُزَّل؛ فمن الطبيعي في السابق عند أي عدوان أن يتم قتل العُزَّل؛ إما بالرصاص أو الأسلحة الثقيلة أو حتى دانات المدافع والدبابات، ولكن العدو الصهيوني في هذا العدوان كان يضرب العزل بالصواريخ التي تزن طنًّا من المتفجرات شديدة الاحتراق (TNT)، ومن المعروف طبيًّا أن 4 جرامات من (TNT) تكفي لقتل أي شخص.
![]() |
|
د. أحمد عبد العزيز |
ويروي الدكتور أحمد عبد العزيز أستاذ العظام المعروف أن إصابات الجرحى الفلسطينيين من جرَّاء العدوان الصهيوني في منتهى "العجب"؛ فحالات البتر والتشوُّه كانت الإصابات ذائعة الصيت في هذا العدوان، مضيفًا أن الكيان الصهيوني استخدم في عدوانه موادَّ كيميائية خطيرة جدًّا في ظاهرها صلب، ولكنها عند دخولها جسم الإنسان تذوب وتتحوَّل إلى مادة سامة تتسبَّب في سرطنة جسم الجريح، بالإضافة إلى نزيفٍ حادٍّ وتناقص الصفائح الدموية بشكل كبير جدًّا.
ويقول إن الفسفور الأبيض الذي استخدمه الكيان الصهيوني في فترة العدوان مادة خطيرة، وهو ما رأيناه في إصابات الجرحى أو عبر شاشات التلفزيون؛ حيث يظل الفسفور مشتعلاً حتى بعد وضع الرمال عليه؛ نتيجة تفاعله الشديد مع الأكسجين، مُسبِّبًا تدهورًا للكبد والكلى والقلب والرئة ومن ثمَّ الشهادة.
![]() |
|
د. حسام الدين المصراتي |
ويروي الدكتور حسام الدين المصراتي (طبيب مصري) أن رحلته الطبية الإنسانية تلك غيَّرت كثيرًا من حياته السابقة والقادمة؛ فالثبات والقوة كانا عنوانًا للشعب الفلسطيني المقاوم في غزة، مؤكدًا أن الشعب الفلسطيني كان متماسكًا ومتعاونًا، مُجنِّبًا كل خلافاته من أجل صد العدوان، فلا تستطيع أن تُفرِّق بين حماس وفتح، والجهاد وألوية الناصر؛ فالكل متكاتف من أجل صد العدوان.
والأكثر من ذلك مديرو مستشفيات القطاع؛ حيث إنهم تقريبًا لا ينامون؛ فهم إما في غرف العمليات وإما في قسم الاستقبال والطوارئ؛ يحملون أكياس الدم ويساعدون الطواقم الطبية، أو بين غرف المستشفى بين الجرحى يعالجون ويداوون، أو بين العاملين يشاهد النشرات الإخبارية أو يتناول طعامه معهم.




