لم تسلم مدارس اللاجئين ووكالة الغوث "الأونروا" من آلة الحرب الصهيونية المتواصلة على قطاع غزة، وطالتها- كغيرها من المؤسسات- حمم القصف والقذائف الجوية والمدفعية التي تطلقها قوات الاحتلال، مستخدمةً كافة أنواع الأسلحة التدميرية؛ ما أسفر عن استشهاد وجرح المئات من الفلسطينيين اللاجئين الذي احتموا بداخلها أملاً في النجاة.
فالمواطن روحي السلطان لجأ هو وعائلته كغيره إلى مدرسة مخيم الشاطئ للاجئين لتحميه من الموت بعد أن دمَّر القصفُ الصهيونيُّ منزلَه في بلدة بيت لاهيا، لكنه استُشهد مع اثنين من أبناء عمه فرَّا من منزليهما في منطقة العطاطرة ببلدة بيت لاهيا بصاروخ أطلقته طائرة صهيونية على المدرسة.
وعلى جدران مراحيض مدرسة "أسماء الابتدائية" بمخيم الشاطئ والتي يحتمي فيها 450 فلسطينيًّا تبدو بقع دماء وبعض الأشلاء التي تناثرت من جثث الشهداء.
وفي ساعات الصباح بعد أن لملم المسعفون أشلاء الشهداء ووضعوها في كيس واحد قبل دفنها؛ تجمع العشرات من النساء والأطفال حول بقع الدم والحزن على وجوههن.
يروي بهجت السلطان (30 عامًا) ابن عم الشهداء، والذي كان يمسك بيد ابنه الطفل وليد البالغ من العمر 6 أعوام: كنا نظن أن علم الأمم المتحدة (الأزرق) سيحمينا.. لكن الموت يلاحقنا أينما كنا، طالما بقي اليهود، متسائلاً: أين صواريخ العرب وجيوشهم لينسفوا تل أبيب؟!
ويضيف الطفل وليد- وهو حافي القدمين-: سمعت الصاروخ واستُشهد عبد وروحي وهما شهداء.. إحنا خايفين من اليهود لأنهم يريدون أن يموِّتوننا.
ويتساءل زياد زايد (52 عامًا) الذي فرَّ من مدينة الشيخ زايد الإسكانية: أين سنذهب؟ في كل مكان موت.. حتى في المستشفى موت!!.
طفلة فلسطينية أصابتها صواريخ الهمج الصهيونية

ويروي أن الشبان الثلاثة ذهبوا لإحضار مياه للأولاد الصغار، وعندما وصلوا الحمامات (المراحيض) لتعبئة المياه للشرب قصفوهم فجأةً، بعد نصف ساعة لم نعثر على أي شيء.. إلا أشلاء!.
أم العز (39 عامًا) المنحدرة من بلدة الرملة التي احتمت مع أطفالها السبعة في المدرسة؛ اعتبرت أن استهداف الشباب الثلاثة جعلنا نخاف أكثر الآن، وقالت: نحن مهددون بالموت في أي لحظة.. من سيحمينا من الطائرات التي تقصف?!
وتشكو هذه المرأة من عدم توفر الطعام والمياه أو البطاطين والأغطية لأربعمائة وخمسين شخصًا لجؤوا إلى المدرسة التي تديرها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الـ(أونروا).
وقال الجريح محمود أحمد (45 عامًا) الذي وصل إلى مستشفى كمال عدوان: إن ما حدث "مجزرة"، مشيرًا إلى أنه لم يكن يتصور أن تصل "الهمجية" إلى هذا المستوى في استهداف المدنيين، وذكر أنه أخلى منزله بعد تعرضه للقصف في محيط منطقة جبل الكاشف، ولجأ إلى المدرسة مع أفراد أسرته المكونة من سبعة أفراد ليجدوا أنفسهم هدفًا للصواريخ، وقد تهدَّمت جدران المدرسة وانهالت على أجساد الشهداء الذين كان من بينهم عدد كبير من الأطفال والنساء، وأعادت تلك المجزرة إلى الأذهان تاريخًا طويلاً من المجازر الصهيونية بحق الشعب الفلسطيني.
وفي موقع الجريمة تبدَّت أبشع الصور؛ فالأشلاء متناثرة، والدماء الطاهرة الممزوجة بتراب الطرقات تشهد على حجم الوحشية، فيما كانت جدران المدرسة المهدمة المنازل المدمرة تشهد على استباحة كل المحرمات.
هول المشهد
وبصعوبة نجح عدد من رجال الإسعاف والمواطنين في الوصول إلى المكان المستهدف وعيونهم إلى السماء تراقب حركة الطائرات التي تتأهَّب لإطلاق المزيد من الصواريخ، ارتجف أحد ضباط الإسعاف من هول المشهد، وقال: "منذ أكثر من عشرة أيام ننقل جرحى وإصابات.. تابعت مقتل عائلات بأكملها.. لكن لم أرَ في حياتي مثل هذه المشاهد"، وأضاف: "الدماء كانت في كل مكان والأشلاء كذلك.. صراخ الأطفال والنساء كان يقطع نياط القلوب".
وكانت الطائرات الصهيونية قصفت بعدة صواريخ محيط المدرسة التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا)؛ التي آوى إليها المئات من الفلسطينيين الفارِّين من القصف والتوغل الصهيوني؛ ما أدى الى استشهاد العشرات من المواطنين وإصابة المئات بجروح
ووفق المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان الذي وثَّق الجريمة في حوالي الساعة 3:35 مساء الثلاثاء الموافق 6/1/2009م أطلقت الدبابات والطائرات 4 صواريخ وقذائف مدفعية باتجاه مخيم جباليا، سقطت إحداها في فناء منزل المواطن سمير شفيق ديب، (43 عامًا)؛ ما أدى إلى استشهاده ووالدته المسنة نادية ذيب (70 عامًا)، و3 من أنجاله، وهم: عصام (12 عامًا)، ومحمد (23 عامًا)، فاطمة (20 عامًا)، و5 من أنجال شقيقه معين، وهم: نور، عامان، مصطفى (12 عامًا)، ومحمد (17 عامًا)، وأثيل (7 أعوام)، وآلاء (19 عامًا)، بالإضافة إلى اثنتين من نساء العائلة؛ هما: آمال مطر ديب (34 عامًا)، خضرة عبد العزيز ديب (41 عامًا).
المدرسة.. ساحة موت!
![]() |
|
الأطفال ضحايا الوحشية الصهيونية |
وأكد المركز الحقوقي أن بين الشهداء ثمانية أطفال وشقيقين وأبًا ونجله، كما أصيب في هذه الجريمة حوالي 50 مواطنًا آخرون عدد منهم بجراح خطيرة.
ويعتبر مخيم جباليا ليس أكثر مخيمات القطاع اكتظاظًا بالسكان فحسب؛ بل أكثر أماكن العالم اكتظاظًا بالسكان؛ حيث يقطنه أكثر من 176 ألف فلسطيني وفق تقديرات الإحصاء الفلسطيني لعام 2007م، بينما مساحته لا تزيد عن 14 ألف دونم.
ووصف عبد اللطيف قانوع المتحدث باسم حماس في شمال قطاع غزة ما حدث أيضًا بـ"المجزرة" معتبرًا استهداف المدنيين بهذا الشكل دليلاً على تخبط الاحتلال وفشله في مواجهة المقاومة الفلسطينية.
وأشار قانوع إلى أن ما يحدث يذكِّر بمجازر صبر وشاتيلا (سبتمبر 1982م في لبنان وسقط فيها 700 قتيل) ومذابح دير ياسين (أبريل 1948م خلفت ما بين 250 – 300 قتيل) وكفر قاسم (أكتوبر 1956م وخلفت 45 قتيلاً)، وتساءل: "هل هذه هي البطولة..؟ استهداف المدنيين وقتل النساء والأطفال وتدمير المنازل على رؤوس قاطنيها؟!".
وأكد المستشار الإعلامي للأنروا عدنان أبو حسنة أن 3 شهداء ارتقوا بعد قصف مدرسة أسماء في غزة، وقصفوا مدرسة حي الشوكة برفح، وهما مدرستان من أصل 21 مدرسة فتحتها الأنروا لإيواء 15 ألف نازح فلسطيني.
وقال أبو حسنة :" قمنا بتوزيع البطاطين والمعلبات ومياه الشرب لآلاف الفلسطينيين الذين لجأوا لمدارس الـ(أونروا) مشدِّدًا على عدم تعريض المدنيين للخطر أو القصف.
وروت مادلين العواودة (18 عامًا)- التي دمَّر القصف الصهيوني منزل عائلتها في جباليا-: لا نوم في هذا الملجأ (المدرسة).. حياتنا جحيم، ولا نعرف ماذا يمكن أن نفعل، أينما تذهب يوجد موت وقصف ودمار.. لا نعرف هل سنعود حتى لبقايا البيت أم سنموت مثل الشباب الذين استُشهدوا في القصف؟!
وكانت الأمم المتحدة فنَّدت المزاعمَ الصهيونية عن استهدافها مقاتلين فلسطينيين كانوا في المدرسة التي قصفتها بقطاع غزة، وأسفرت عن استشهاد أكثر من 40 فلسطينيًا معظمهم من الأطفال.
ونفت المنظمة أن تكون المدرسة التي تديرها مفوضية غوث وتشغيل اللاجئين "أونروا" يوجد بها أي من عناصر المقاومة الفلسطينية، مؤكدةً أن المزاعم الصهيونية لا أساس لها من الصحة.
