رغم كل العوامل المعاكسة فإنَّ غزة لا تزال صامدةً، وفي الأغلب ستظل صامدةً؛ حيث تتوالى الأنباء من قطاع غزة حاملةًَ العديد من الإشارات التي تؤكد ذلك.. ما بين نجاح المقاومة في قتل وإصابة العشرات من جنود الغزو الصهيوني، ونجاح الوحدات الهندسية وقطاعات الحرب الإلكترونية في كتائب المقاومة الفلسطينية في إسقاط العديد من الطائرات الصهيونية من دون طيار.

 

وبعد اليوم الخامس للاجتياح البري الصهيوني للقطاع؛ فإنَّه باستثناء قطاع السهل الساحلي الأوسط، ذي المساحات المنبسطة الواسعة؛ فإنَّ المقاومة الفلسطينية استطاعت وقف تقدُّم ألوية النخبة في الجيش الصهيوني، وعلى رأسها لواءا جفعاتي وجولاني؛ حيث لا تزال تدور معارك ضارية في مناطق شمال وجنوب وجنوب شرق القطاع، عند محاور التقدم الصهيوني في هذه المناطق في المنطار وبيت لاهيا وبيت حانون والمنطار ورفح؛ فلم تزد مساحات التوغل الصهيوني هناك عن كيلو مترين أو ثلاثة كيلو مترات على أقصى تقدير.

 

بل إنَّ المقاومة الفلسطينية والصمود المذهل في القطاع من جانب المواطن الغزِّيِّ العادي قد أدَّيا إلى زعزعة نفسية المقاتل الصهيوني الذي ظل عامَيْن يستعد لهذه اللحظة بحسب المصادر العسكرية الصهيونية ذاتها، بل إنَّ تعليقات المحلِّلين العسكريين في الـ"يديعوت أحرونوت" والـ"هاآرتس" في غضون الأيام الأربعة الماضية تُظهر حالةً من الانهيار في صفوف العسكريين الصهاينة لم تعرفها؛ باستثناء حرب الساعات الست في رمضان أكتوبر في العام 1973م على الجبهة المصرية وحرب الصيف في العام 2006م أمام حزب الله اللبناني.

 

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف استطاعت فصائل المقاومة الفلسطينية وأجنحتها العسكرية تحقيق هذا الإنجاز العسكري بالرغم من كل الإحباطات والعوامل التي تدعو إلى اليأس والهزيمة وعلى رأسها الحصار الصهيوني والعربي الظالم الذي أدى إلى خلوِّ غزة من أبسط مقومات الحياة، وعلى رأسها رغيف الخبز والمياه النظيفة؟!

 

وفي حقيقة الأمر فإنَّ الأمر في غزة يتجاوز مجرد القول إنَّ ما يجري في قطاع غزة إنما جاء نتاج تخطيطٍ طويلٍ ومثابرة من قطاع غزة وقيادات الحركات المقاومَة فيه؛ بل إنَّ الأمر يتعلق بمعجزةٍ حقيقيةٍ على أي مقياسٍ عسكريٍّ وإنسانيٍّ، يكاد يصل بنموذج غزة في الصمود والمقاومة إلى حالاتٍ تاريخيةٍ، كما جرى في ستالينجراد الروسية في الحرب العالمية الثانية، وفي بورسعيد خلال العدوان الثلاثي الغاشم في العام 1956م.

 

عوامل كارثية

مرت غزة في غضون الثمانية عشر شهرًا الماضية بالعديد من العوامل التي كانت تجعل من هزيمتها أمرًا محتومًا أمام آلة الحرب الصهيونية الجبَّارة؛ التي تحارب في جميع الجبهات وبمختلف ما لديها من أسلحةٍ بريةٍ وبحريةٍ وجويةٍ، ودون رادع من حقوق إنسان أو قانون دولي.

 

كما مزج الكيان الصهيوني في هذا الإطار مجموعةً من الأدوات السياسية والعسكرية والإعلامية التي كانت- في حالة أخرى بخلاف غزة- قادرةً على إسقاط أي خيارٍ للصمود، ولعل في النموذج العربي في حرب يونيو 1967م أبرز نموذج على ذلك.

 

فعلى المستوى العسكري استخدم الكيان الصهيوني في حربه الحالية على غزة أكثر من 700 طن من المتفجرات، وقصف أكثر من 1000 هدف؛ أي أنَّ كل هدف فلسطيني أسقط الصهاينة فوقه نحو 700 كيلو جرام من المتفجرات؛ أي أنَّ سيارة عائلة بكر- على سبيل المثال- التي تم قصفها في رفح قبل يومَيْن جرى إسقاط 700 كجم متفجرات فوقها!.

 الصورة غير متاحة

قذائف غير تقليدية يستخدمها الكيان ضد أهل غزة العزل!!

 

كما تستخدم آلة الدمار الصهيونية في قطاع غزة العديد من المقذوفات غير التقليدية، وبعضها محرَّم دوليًّا؛ مثل قذائف اليورانيوم المنضَّب والقنابل الارتجاجية والقنابل الفراغية لقصف المناطق التي يشتبه في أنَّها تحتوي على أنفاق تستخدمها المقاومة في الشمال والجنوب، وكذلك قنابل الفوسفور الأبيض، والقنابل العنقودية المستخدمة لقصف أكبر مساحة ممكنة.

 

وبطبيعة الحال فإنَّه مع اكتظاظ غزة السكاني؛ فإنَّ المدنيين هم الهدف الأساسي لهذه المقذوفات التي تندرج عسكريًّا- وفق القانون الدولي- تحت بند الأسلحة غير الإنسانية، أو الأسلحة فوق التقليدية، والمؤسف حقيقةً صمت الحكومة المصرية في هذا الشأن.

 

فمن بين الشهادات التي قيلت عن هذه النوعية من الأسلحة شهادة الأطباء النرويجيين العاملين في غزة، والذين غادروها قبل الغزو البري، وشهادة أحد الفلسطينيين المقيمين في منطقة القناة.. هؤلاء أكدوا أنَّ دويَّ وتأثيرَ قنبلةٍ ارتجاجية واحدة يمكن سماع تأثيره في بورسعيد، وبطبيعة الحال تضرَّرت كثيرًا منازل المصريين في رفح المصرية، ولكن لا أحد يهتم بأمرهم من الحكومة المصرية.

 

كما تستخدم القوات الصهيونية القنابل الذكية، وهي عبارة عن قنابل ذاتية التوجيه، وتستخدم الليزر والأقمار الصناعية في تحديد مسارها، وقد طلب الكيان الصهيوني كمياتٍ إضافيةً منها، تقدَّر ببضعة آلاف من الولايات المتحدة قبل الحرب.

 

كما تستخدم القوات الصهيونية في محرقتها الحالية في قطاع غزة مجموعةً مختلفةً من أحدث الأسلحة التي أنجبتها عقلية علماء ومُصنِّعي الأسلحة في الولايات المتحدة؛ فعلى مستوى سلاح الجوّ يستخدم الجيش الصهيوني مقاتلات الـ"إف 16" الهجومية متعددة المهام.. هذه المقاتلة القادرة على حمل أسلحة نووية، ولديها القدرة على العمل في مختلف الأجواء، تقوم بقصف منازل الفلسطينيين!.

 

 الصورة غير متاحة

آباتشي صهيونية تطلق صاروخًا تجاه هدف بغزة

بالإضافة إلى ذلك فإنَّ الكيان الصهيوني يستخدم في قصف المنازل والمساجد الفلسطينية مروحيات الأباتشي الهجومية؛ المخصَّصة أصلاً لتدمير الدبابات والمدرَّعات؛ تقصف منازل أهلنا في غزة!!، بالإضافة إلى عدد من الطرازات من الطائرات من دون طيار، من بينها نوعيات مزوَّدة بصواريخ مخصصة لـ(اصطياد) الأفراد؛ مثل الزنانة والبريداتور وغيرهما.

 

وفي مجال القوات البرية يمتلك الكيان الصهيوني أكبر نسبة انتشار للمدرَّعات في العالم، مقارنةً مع المساحة؛ حيث تبلغ نسبة التدريع الصهيوني مدرعةً واحدةً لكل كيلو متر مربع أو أقل؛ تستخدم القوات الصهيونية في الاجتياح الحالي دبابات الميركافاه الصهيونية الصنع، ومدفعيته الثقيلة البعيدة المدى.

 

وخصّص الكيان الصهيوني للعملية الحالية في القطاع حوالي 30 ألفًا من الأفراد؛ أي حوالي فرقتَيْن خفيفتَيْن، وهي قوة هائلة بالنسبة للقطاع، وللمقارنة والتوضيح، فإنَّ الفرق التي حاربت القوات المصرية في سيناء في حربَيْ يونيو وأكتوبر كانت 3 فرق مدرَّعة ومشاة ميكانيكية؛ أي أن أفرادها محمولون على مركبات مجنزرة أو تسير على عجلات عادية (دواليب)، وبينما لا تزيد مساحة قطاع غزة عن 400 كيلو متر؛ فإنَّ مساحة سيناء تبلغ حوالي 61 ألف كيلو متر؛ أي أكثر 180 مرَّة من مساحة قطاع غزة.

 

وعلى رأس التشكيلات التي تحارب في غزة ألوية النخبة في الجيش الصهيوني؛ مثل جولاني وجفعاتي، وهاناحل، بالإضافة إلى لواء من القوات الخاصة المظلية، وبطبيعة الحال فإنَّ غزة لا تملك العمق الطبوغرافي الذي تملكه سيناء وجنوب لبنان؛ حيث لا تساعد طبيعة القطاع على التخفِّي والتمويه، فلا توجد فيها الأحراش والمناطق المرتفعة اللازمة لإنجاح حرب العصابات مثلاً أو إخفاء حركة القوات.

 

كذلك لا تملك حركات المقاومة في قطاع غزة ذات العمق السياسي الذي ساعد حزب الله اللبناني في حرب تموز من العام 2006م؛ حيث كان الدعم الإيراني والسوري فورًا للحزب، مقارنةً مع حالة الحصار السياسي الراهنة التي تتعرَّض لها حركة حماس في غزة.

 

حصار طويل

 الصورة غير متاحة

والمشكلة أن الحرب تأتي بعد أكثر من عامٍ ونصفٍ على الحصار الذي فرضه الكيان الصهيوني؛ عندما حسمت حماس الوضع في قطاع غزة عسكريًّا في يونيو من العام 2007م، وقد أدى الحصار إلى نفاد المواد الأساسية من القطاع، بكل ما يعنيه ذلك؛ حيث نفدت إمدادات الوقود الصناعي وغاز الطهي والدقيق والأرز والسكر والحليب والأطعمة المعلبة واللحوم الطازجة.

 

وبحسب الإحصائيات التي تعتمدها وكالات الإغاثة الخاصة وتلك التابعة للأمم المتحدة؛ فإنَّ أكثر من 80% من سكان القطاع- البالغ عددهم حوالي مليون ونصف المليون نسمة- يعتمدون حاليًّا على الإعانات، والمرضى لا يجدون الطعام والدواء، وقامت المنظمات الإغاثية بإطعامهم البسكويت الغني بالبروتين.

 

كما انهارت الخدمات البلدية بشكلٍ كاملٍ؛ فتم تدمير كابلات الكهرباء، ومواسير المياه والصرف الصحي، مما أدى إلى انتشار المياه العادمة وجثث الحيوانات والنفايات البشرية والكيماوية والمنزلية في شوارع القطاع؛ بما يقود غزة إلى كارثة بيئية حقيقية، وتفاقمَ الوضع مع نفاد الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية، وامتلاء المستشفيات بالمصابين.

 

حصار سياسي ونفسي

 الصورة غير متاحة

فتح معبر رفح مطلب كل الشعوب العربية

وشمل الحصار الصهيوني حصارًا آخر على المستوى الدبلوماسي؛ حيث شارك العرب في الحصار الفعلي على غزة؛ بإغلاق معبر رفح وتعطيل قرار جامعة الدول العربية الذي يقضي بكسر الحصار الصهيوني المفروض على القطاع.

 

كما استطاعت الدبلوماسية الصهيونية عن طريق بعض الأطراف العربية تعطيل انعقاد قمة عربية أو إسلامية لبحث الوضع في قطاع غزة، كما استطاع الكيان الصهيوني تعطيل مجلس الأمن الدولي حتى الآن عن إصدار قرار يدعو إلى وقف إطلاق النار في غزة وذلك بتدخلٍّ أمريكيٍّ مباشرٍ.

 

بالإضافة إلى هذا استخدم الكيان الصهيوني مختلف أساليب الحرب النفسية لزعزعة الثبات والصمود الفلسطيني، وإحداث وقيعة بين أهالي غزة وقيادتهم السياسية الشرعية التي انتخبوها؛ فقامت الطائرات الصهيونية وأجهزة الاتصال التابعة للجيش وأجهزة الأمن بإرسال رسائل للفلسطينيين في قطاع غزة، سواءٌ عن طريق إسقاط المنشورات أو إرسال رسائل قصيرة بالهاتف المحمول أو بيانات إذاعية.

 

وتنوَّعت محتويات هذه الرسائل ما بين القول بأن الحرب الصهيونية ليست موجهةً إلى الفلسطينيين، وإنما تستهدف أساسًا حركة حماس، وبعضها "حذَّر" الفلسطينيين من أنهم "سيدفعون ثمن دعمهم لحماس"، بينما قالت بعض المنشورات التي ألقاها الطيران الحربي الصهيوني على الفلسطينيين إنه لا سبيل أمام أهل غزة "سوى الفرار"، مع استخدام عبارات من نوع "الصدمة والترويع"، و"الرصاص المصبوب" و"المحرقة" و"حرب بلا هوادة"، لوصف الوضع في قطاع غزة.

 

كما لجأت بعض المواقف الصهيونية إلى محاولة إحداث انقسام ووقيعة بين الفلسطينيين وحركة حماس، وذلك من خلال بعض التصريحات للمتحدث باسم الجيش الصهيوني أفيخاي أدرعي وقادة سياسيين وعسكريين صهاينة آخرين؛ أشارت إلى ما وصفته بـ"اختفاء" قيادات الحركة والحكومة الفلسطينية بعد القصف، "تاركين الفلسطينيين وحدهم في الميدان".

 

صمود مذهل

 الصورة غير متاحة

 الحسرة والألم تعتلي وجوه جنود صهاينة بفعل المقاومة

ولكن ذلك كله لم يفتَّ في ساعد المقاومة ولا أهالي قطاع غزة؛ حيث لم تستطع الحرب الصهيونية إلى الآن تحقيق أهدافها السياسية والعسكرية والأمنية، ومن بينها وقف إطلاق الصواريخ من غزة على المغتصبات الصهيونية، وإضعاف حركة حماس سياسيًّا، ومَحو صورة الهزيمة العسكرية التي لاقاها الجيش الصهيوني في لبنان.

 

فحتى الآن لا تزال الصواريخ الفلسطينية تصيب المغتصبات، ووصلت إلى مدى لم تسبقه سلفًا، وهو 45 كيلو مترًا، وظلت على معدلاتها اليومية ما بين 40 إلى 60 صاروخًا، كما لجأت المقاومة الفلسطينية على المستوى العسكري إلى إستراتيجيات إبداعية فعلاً؛ للتغلب على فارق القوة الكبير بينها وبين الجيش الصهيوني؛ فقامت بالآتي:

- إعداد غرفة عمليات للتنسيق بين مختلف الأجنحة العسكرية التي تحارب الكيان الصهيوني، وعلى رأسها كتائب الشهيد عز الدين القسام (حركة حماس) وسرايا القدس (الجهاد الإسلامي في فلسطين) ولجان المقاومة الشعبية (ألوية الناصر صلاح الدين) وكتائب شهداء الأقصى (حركة فتح).

 

- بنصب أكمنة ومفارز متقدمة من عناصرها في المناطق التي كان من المرجَّح حدوث الاختراق البري من جهتها، بجانب وضع عبوات ناسفة لتغطية نقاط أخرى محتملة، ومن خلال الأنباء الميدانية الواردة من القطاع، فقد ثبت نجاح المقاومة في توقع نقاط الاختراق؛ حيث اشتبكت مفارز المقاومة مع القوات الصهيونية المتقدمة، بينما انفجرت العبوات المزروعة في نقاط الاختراق الأخرى، واستطاعت المقاومة حصر التقدم الصهيوني، كما سبق القول، حتى مسافة 2 كيلو متر فقط داخل قطاع غزة في بعض محاور الاختراق.

 

- قامت المقاومة الفلسطينية بإعداد كمائن في عدد من المنازل القريبة من الحدود مع الكيان الصهيوني في عدة محاور؛ بزرع قنابل بداخلها وأفراد مختفين حولها؛ حيث كانت تعلم أنَّ القوات الصهيونية سوف تعمد إلى احتلال بعضها لاستخدام أسطحها في تنفيذ عمليات قنص وقصف.

 

- قامت المقاومة بحفر أنفاق بلغ عددها بحسب مصادر فلسطينية حوالي 600 نفق، وصنعت المقاومة فيما بينها شبكة تنقل واختباء محكَمَة على طول الحدود مع الكيان الصهيوني؛ تحسبًا للاجتياح البري، وبالفعل وفَّرت لها هذه الشبكة قدرةً هائلةً على الحركة والتنقل.

 

بالرغم من أن الكيان الصهيوني عمد إلى سياسة الصدمة والرعب مع الفلسطينيين، وحمل المدنيون الكثير من ثمن الحرب على حماس؛ فإنه من الملاحظ أنه لم تُرصد حالة تململ في صفوف فلسطينيي القطاع، ولم تذكر تقارير أي نية لدى الغزيِّين للانقلاب على حركة حماس؛ برغم رهانات الكيان الصهيوني على ذلك.

 

كما استمرت المؤسسات الفلسطينية في العمل، رغم تدمير مقار الحكومة والمجلس التشريعي والأجهزة الأمنية، مع استمرار الحكومة الفلسطينية برئاسة إسماعيل هنية فاعلة وعلى قيد الحياة.

 

ومن هنا فشلت الرهانات الصهيونية وبقيت رهانات الشعوب؛ فهل تقوم الشعوب العربية والإسلامية بتطوير مواقفها لتكون عند مستوى الحدث؟ هذا ما سوف تجيب عنه الأيام المقبلة.