لم يكن عام 2008م عاديًّا على الشعب الفلسطيني في غزة؛ فمع زيادة الحصار تشتد معاناة أهل القطاع، ولم يجدوا وسيلةً للعيش إلا بالعودة إلى الماضي؛ يتكيَّفون معه ويستخدمون وسائله ليضربوا بذلك مثلاً آخر في الصمود والتحدي.
ففي عام 2008م بدأت الحياة في قطاع غزة تعود إلى مظاهرها البدائية التي تذكِّر بالحياة قبل سنين عدة؛ فالكثير من المواطنين الغزاويين باتوا يعتمدون على وسائل بدائية في التغلب على صعوبة الحياة والظروف الصعبة التي يمرون ويمر بها القطاع الذي يصارع تحت وطأة حصار صهيوني جائر منذ عامين كاملين أضنيا كاهلهم وقضيا على أدنى حقوقهم الإنسانية.
فقد عاد سكان القطاع إلى استخدام الحطب وأفران الطين و"بابور الكاز" والشمع؛ حيث تواصل دولة الإرهاب الصهيوني منع وصول إمدادات الوقود وغاز الطهي وأيٍّ من المواد اللازمة إلا بكميات قليلة لا تكاد تكفي أيامًا معدودة.
وإلى جانب ما يعاني منه المواطنون في القطاع من انقطاع التيار الكهربائي عن منازلهم لفترات طويلة يوميًّا؛ مما دفعهم إلى العودة إلى استخدام أشياءٍ استغنَوا عنها منذ سنين طويلة.
العودة إلى الحطب
فالحاج مهدي الصعيدي يقضي نحو خمس ساعات يوميًّا يجوب خلالها الأراضيَ الواقعة بالقرب من منزلة في حي الشجاعية شرق قطاع غزة؛ بحثًا عن الحطب من أجل الطهي وإعداد الشاي.
وقال الصعيدي- وهو أب لعشرة أبناء- إنه بحاجةٍ إلى الحطب من أجل الطهي وإعداد الشاي.
![]() |
|
الحطب.. الوقود البديل بعد نفاد الغاز |
وباتت الحمير المُحمَّلة بالأغصان الجافة مشهدًا مألوفًا في غزة؛ حيث تحوَّلت المخابز في غزة أيضًا إلى الحطب بسبب نفاد الغاز لديها.
المواطن أبو عبد الله هو الآخر عندما فرغت أنبوبة الغاز المتبقية لديه لإعداد الطعام في بيته بدأ بجمع ما تبقَّى من أخشابٍ كان يستخدمها للبناء ليستخدمها للطبخ.
وأضاف أبو عبد الله بلهجة حزن لـ(إخوان أون لاين): "عدنا إلى الوراء عشرات السنين، والضرورة لها أحكام".
وابور الجاز
وللتغلب ولو قليلاً على آثار الحصار المؤلم، اضطر أهالي غزة إلى العودة إلى "بوابير الجاز" الذي لم يتصور أن يحلَّ ضيفًا على العائلات في عصر التكنولوجيا والأقمار الصناعية.
ففي سوق فراس الشعبي وسط مدينة غزة، عادت محالُّ تصليح مواقد الكيروسين التي هجرها أهل غزة منذ سنوات طويلة، إلى فتح أبوابها الخشبية القديمة أمام المواطنين الذين اصطفوا في انتظار الحصول على مواقد نحاسية قديمة، أو تحويل أسطوانات الغاز الحديدية إلى مواقد تعمل بالسولار المُهرَّب بعد إضافة كميات من ملح الطعام للمساعدة على إسالته وتخفيفه لتشغيل المواقد.
![]() |
|
فلسطينيات يستخدمن الحطب لإعدام الطعام |
الحاجّة أم بهاء (50 عامًا) من مدينة غزة، التي كانت تنتظر لحظة وصول دورها أمام مُصلح "بوابير الجاز"؛ قالت إنها نجحت بعد تفتيش أثاث منزلها القديم، في العثور على موقد نحاسي يعمل بالجاز، وجاءت لإعادة إصلاحه واستعماله في تدبير شئون المنزل.
وأضافت أنها تعاني من نفاد غاز الطهي منذ شهرين من جرَّاء انقطاعه من محطات التعبئة، وأجبرت منذ ذلك الوقت على استخدام الأقراص الكهربائية لإعداد الطعام.
لكنها مع تجدد مشكلة انقطاع التيار الكهربائي لم تَعُد لها جدوى، فاتجهت إلى استخدام الخشب ومخلفات ثمار ونواة الزيتون بعد عصرها لتحضير الطعام لأسرتها المكوَّنة من تسعة أفراد.
"عدنا إلى الوراء عشرات السنين".. بهذه العبارة رد الشاب رفيق حسن على سؤال (إخوان أون لاين) عن سبب وجوده في السوق وهو يحمل موقدين من الكيروسين لتصليحهما بعد أن نفد غاز الطهي من منزله منذ أيام.
وأضاف بعصبيةٍ: "منذ سنين تركنا استخدام (البوابير)"، مشيرًا إلى أنه اضطر إلى استخدام الكرتون والحطب لأعمال الطهي رغم ما يسبِّبه من مشاكل صحية وبيئية.
لكنه يقول إنه تعب من هذا العمل اليومي الذي يحتاج إلى جهد كبير، فلجأ إلى تصليح "بابوري جاز" ورثهما عن والديه لاستعمالهما في أعمال الطهي.
حسن ورغم انقطاع "الجاز الأبيض" أوضح أنه سيستخدم "السولار" المصري المُهرَّب عبر الأنفاق بعد وضع قليل من ملح الطعام عليه لتشغيل "بابوريه" بعد تصليحهما.
صاحب المحل تصبَّب عرقًا واتشح وجهه بالسواد، وكان بين الفينة والأخرى يدعو زبائنه- وهم من مختلف الفئات الاجتماعية- إلى الابتعاد عنه قليلاً لدخول الهواء والضوء إلى محله الصغير بسبب انقطاع التيار الكهربائي.
عودة اضطرارية
العديد من أصحاب هذه الحرفة القديمة عادوا إليها هذه الأيام بعد أن تركوها لاستغناء الناس عنها.. عادوا إليها بعد انتعاشها من جديد.
"أبو أحمد" قال وهو يصلح أحد "البوابير": "رجعت الناس إلى البوابير بعد أن استغنَوا عنها من عشرات السنين"، وأضاف: "فكرت كثيرًا في ترك صنعتي، لكن لا يوجد بديل؛ فاليوم- والحمد لله- الأوضاع أحسن من الماضي".
أسرة أخرى صرخات صغارها لا تتوقف: الأول يريد كوب الحليب الساخن، والثاني يطلب شايًا والثالثة تسأل عن صحن "البطاطس المقلي"، والأم تنظر بحيرة إليهم وإلى أسطوانة غاز أعلنت عن نفاد آخر قطراتها.
التأفف يزداد والقلق يخيم على مائدة الإفطار، وفجأةً وبسرعة البرق سارعت "أم أحمد أبو سمرة" إلى سطح المنزل تبحث في كومة أثاث قديمة، بعد دقائق كانت تصيح بفرح: "وجدته.. وجدته".
ضمت "بابور الجاز" ككنزِ ثمين عثرت عليه، نفضت الغبار عنه وأخرجته إلى النور بعد تسعة أعوام من هجره، ولما أخبرها صاحب محل تصليح "البوابير" بأن ما تحمله سيتكفل بمداواة أزمتها تنفست الصعداء وسمحت للابتسامة أن تعلو وجهها.
"غادة" في العقد الثاني من عمرها أذعنت في نهاية المطاف لاستخدام البابور، وبنبرات ساخطة قالت: "صعبٌ أن نستيقظ على واقعٍ يُعيدنا بلمح البصر إلى الزمن الماضي واستخدام أدواتٍ قد انقرضت، ولكن ما بيدي حيلة (الجوع كافر)، وصغاري لا يصمتون عن البكاء".
أفران الطين
ودفع الحصار الجائر، والذي أرهق حياة الغزاويين، إلى العودة إلى صناعة أفران الطين واستخدامها بديلاً آخر في مواجهة الحصار بعد أن نفدت لديهم البدائل الأخرى، ولكن على الرغم من ذلك يشتكي سلام عطا الله من ارتفاع سعر الطين اللازم لبناء الأفران في قطاع غزة، والذي اضطر سكانه المحاصرون إلى اللجوء إليها في مواجهة الحاجة لطهي الطعام وإعداد الخبز.
ويشير عطا الله إلى أنه كان يشتري الطين بثمن قليل من تجار لبناء أفران خاصة تستخدم- بعد إشعال الأوراق والحطب فيها- لإعداد الخبز وطهي الطعام.
![]() |
|
أفران الطين تعود من جديد |
وأضاف أن سعر هذا الطين ارتفع إلى حد كبير في الآونة الأخيرة بسبب الحصار؛ ما اضطره إلى رفع سعر أفرانه الطينية المتنقلة التي ازداد الطلب عليها كثيرًا وتضاعف ثمنها مرات عدة، فيما تضطر أسر كثيرة- خصوصًا الفقيرة- إلى شرائها بالتعاون فيما بينها باقتسام تسديد ثمنها.
المواطنة رجاء محمد من مدينة خان يونس لم تجد أمامها للتغلب على انقطاع الوقود والكهرباء المتكرر سوى شراء أحد أفران الطين من سوق خان يونس؛ لاستخدامه لتحضير متطلباتها المنزلية من تحضير الطعام، وتسخين المياه، وإعداد كافة المأكولات التي تريدها.
وأضافت أنها في ظل محاصرة سماء وبحر وبر القطاع، تطلب من أطفالها الصغار جمع الأخشاب والورق وروث الحيوانات من الطرقات لتجفيفها وإشعال فرن الطين لتحضير مستلزمات المنزل.
مأكولات شعبية
وبات العديد من الأسر الغزاوية تعتمد في وجباتها على المأكولات الشعبية الجاهزة، كـ"الفول والحمص والفلافل"، بينما تعتمد أسر أخرى على الزعتر والزيت والزيتون، أما الأكل الصحي المتوازن فأصبح في خانة "المستحيل".
وبامتعاضٍ وحسرةٍ روت أم عمار حكايتها الأسبوعية مع الطبخ: "كل ثلاثة أيام أُعِدُّ وجبةً واحدةً؛ فغاز الطهي على وشك النفاد من بيتي، وباقي الأسبوع أكتفي بالمعلبات والناشف والسلطات".
"ريم" لم تفلح في إقناع والدتها بتجهيز وجبتها المفضلة "الفطائر والبيتزا" بحجة نفاد غاز الطهي، وبأسفٍ شديدٍ قالت: "لم أَعُد أحتمل أكثر.. كل يوم فول أو حمص.. أريد فطائر جبنة أو لحمة.. أشعر أن أمعائي قد اهترأت وأصابها الصدأ".
الشمع ولمبات الجاز
الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي لم يقتصر تأثيره على الطعام والشراب فقط، وإنما امتدت إلى كل مناحي الحياة في غزة؛ حيث أربك أجندة طلاب غزة، وغيَّر من عاداتهم في المذاكرة ومراجعة دروسهم، ولم يجدوا وسيلةً لتحصيل دروسهم إلا بالشموع ولمبات الجاز وغيرها من الوسائل البدائية التي أصبحت نوعًا من الترف أو التراث فقط في لوحات الفنانين وذاكرة أجدادنا.
![]() |
|
أسرة غزاوية تتناول عشاءها على ضوء الشموع |
وحول هذا الوضع تقول الطالبة إيمان: "إن انقطاع الكهرباء غيَّر عاداتنا، وشتَّت انتباهنا وتراجع إقبالنا على المذاكرة"، وقد تأتي الكهرباء خلال المساء؛ مما تضطر إلى السهر على غير عادتها، خاصةً أوقات الامتحانات، وعندما تقطع الكهرباء تذاكر على نور الشموع التي أحيانًا لا تجدها من جرَّاء الحصار؛ مما يدفعها إلى استخدام ضوء الجوال الخافت، وهو ما يتعب عينيها ويرهقها.
وتغرق محافظات قطاع غزة يوميًّا في ظلام دامس بسبب نقص الوقود؛ حيث يتعمَّد الاحتلال الصهيوني إدخال كميات بسيطة من الوقود المخصص لمحطة كهرباء غزة، وحذرت مؤسسات شعبية ورسمية وحقوقية في قطاع غزة والخارج في مرات عدة من وقوع كوارث في القطاع ووفاة العشرات من المرضى في المستشفيات بسبب نقص الوقود وانقطاع الكهرباء.
وتسبَّب انقطاع التيار الكهربائي- إلى جانب الحصار المفروض ونقص المعدات الصحية وإغلاق المعابر- في وفاة أكثر من 270 مريضًا فلسطينيًّا في مختلف الفئات العمرية، وتستخدم دولة الكيان الكهرباء منذ فترة وسيلة ضغط وإذلال للفلسطينيين.
وحذَّرت وزارة الصحة في غزة من أن القطاع على أعتاب كارثة إنسانية وصحية حقيقية من جرَّاء احتمال تلف العديد من الأدوية والتطعيم الوقائية المحفوظة في ثلاجات المستشفيات بسبب الانقطاع المتكرر للكهرباء، وحذرت وزارة الصحة من عودة القطاع الصحي 50 عامًا إلى الوراء مع انتشار عدد من الأمراض.
أعراس على الدف
ومع اشتداد الحصار تغيَّرت مظاهر إحياء أعراس الزواج في القطاع؛ حيث لجأت الكثير من العائلات إلى استخدام الدف بديلاً عن المعازف والآلات الموسيقية، ولم تَعُد الكثير من العائلات تُقيم ولائم للضيوف وتكتفي بدعوتهم إلى حضور حفل إشهار الزواج في الصالات، مع أن دعوة الضيوف إلى تناول طعام الغداء بمناسبة الأعراس هو سمة أساسية من سمات الأفراح في قطاع غزة.
وبات مشهد النسوة اللواتي يملأن الشارع في ذهابهن إلى صالات الأفراح وعودتهن منها مشهدًا مألوفًا في قطاع غزة بسبب نقص وقود السيارات والمركبات، ولم يَعُد بإمكان أصحاب الأفراح توفير مثل هذه الحافلات والسيارات؛ الأمر الذي يضع المدعوين أمام خيارين لا ثالث لهما: وهما إما الوصول إلى صالات الأفراح سيرًا على الأقدام، أو الاعتذار عن عدم تلبية الدعوات لعدم مقدرتهم على السير مسافات طويلة.
وعلى الرغم من اشتداد الحصار وظلم القريب والبعيد يزداد أهالي قطاع غزة صبرًا وثباتًا، لكن بركان الصبر قد ينفجر ويطال الأخضر واليابس، وهذا ما لا يُرضي السادة صُنَّاع الحصار.



