لم يكن صحفيو غزة بمنأى عن آثار الحصار الدولي الخانق والجائر الذي يتعرَّض له القطاع منذ عامين وما تبعه من أزمات إنسانية وصحية متلاحقة أضنت كاهل المواطنين وسط صمتٍ دولي وعربي مريب.
فلم يسلم الصحفيون كغيرهم من المعاناة والمآسي القاسية التي يكابدها ويعانيها سكان القطاع بسبب الشلل الذي أصاب كافة مناحي الحياة بما في ذلك من نفاد الوقود والانقطاع المتواصل للتيار الكهربائي وما تبعه من أزمات صحية ونفسية.
ودفعت أزمة الكهرباء بسبب إغلاق المعابر ونفاد الوقود العديد من صحفيي غزة إلى إعلان التحدي وحالة الاستنفار والبحث عن بدائل جديدة وابتكار وسائل تعينهم على أداء رسالتهم الإعلامية وفضح ما يحدث في القطاع من جرائم إنسانية ناجمة عن الحصار الذي طال مختلف جوانب الحياة الصحية والاقتصادية والمعيشية وولَّد قصصًا إنسانيةً يندى لها الجبين.
فبينما اضطر الصحفي محمد أبو قمر مراسل شبكة "إنسان أون لاين" إلى شراء جهاز كمبيوتر محمول اضطر آخرون إلى استخدام وسائل ذات تكاليف مرتفعة كالمولدات الكهربائية واستخدام الرسائل القصيرة لكن سرعان ما تبدأ مرحلة جديدة من المعاناة بسبب نفاد وقود المولدات أو تعطل شبكة الهواتف الأرضية أو المحمولة؛ فالصحفي أبو قمر بدت عليه وهو يتحدث لـ"إخوان أون لاين" ملامح اليأس والإحباط بسبب الانقطاع المتواصل للتيار الكهربائي وصعوبة التواصل مع شبكته الإخبارية وتغطية الأحداث المتلاحقة في القطاع بما في ذلك القصص الإنسانية التي تقشعر لها الأبدان وتولَّدت بفعل الحصار المضني.
وبدا أبو قمر متخوفًا من فقد عمله وقوت يومه لعدم تمكنه من التواصل لتغطية الأحداث المتلاحقة؛ مما دفعه لشراء جهاز كمبيوتر محمول "لاب توب" للتغلب على هذه الأزمة التي عصفت بسكان قطاع غزة وأغرقتهم لعدة أسابيع في ظلام دامس لكن "يا فرحة ما تمت"؛ حيث أشار الصحفي أبو قمر إلى أن جهازه الجديد حل أزمته بشكل جزئي لا تتعدى الساعتين.
وأوضح أبو قمر إلى أنه يضطر أحيانًا للبحث عن أماكن يتوفر بها التيار الكهربائي لإيصال رسالته الإعلامية، مؤكدًا أنه سيواصل البحث عن البدائل التي تمكنه من أداء واجبه الوطني والإعلامي وكشف حقائق ما يتعرض له القطاع من حصارٍ وتدميرٍ وتآمر دولي جائر.
ولم يكن الصحفي "إبراهيم المدهون" مدير مركز وموقع "البيان" الإلكتروني أحسن حالاً؛ حيث أشار إلى أن الانقطاع المستمر للكهرباء دفعهم إلى التوقف عن العمل لساعاتٍ متواصلة وحرمانهم من تغطية بعض أخبار السبق الصحفي.
وأضاف المدهون: "نحن كمؤسسة إعلامية نعاني بشكلٍ مضاعف؛ حيث كان من واجبنا أن نكون على تواصل ومتابعة لما يجري على الساحة الفلسطينية بسبب الحصار الذي أنهك حياتنا".
ولم يقف المدهون مكتوف الأيدي أمام أزمة الكهرباء؛ حيث لجأ للبحث عن بدائل في سبيل أداء واجبه الإعلامي وكشف حقيقة ما يتعرض له القطاع ظلم وقهر مبرمج؛ وأشار إلى أنه: "تم توفير مولد كهربائي رغم تكلفته الباهظة وشح الوقود ورداءتها؛ حيث من الممكن أن تتسبب في تلف أجهزة الحواسيب والطابعات .
وكان الصحفي سمير حمتو المحرر في صحيفة "الحياة الجديدة" بغزة أكثر امتعاضًا من الانقطاع المتواصل للكهرباء وما يسببه من صعوبة في التواصل مع العالم الخارجي ونقل صورة ما يحدث في القطاع من جرائم إبادة بحق الأطفال والأبرياء.
وأشار حمتو إلى أن الصحفيين يحاولون جاهدين ابتكار وسائل جديدة تمكنهم من أداء واجبهم الصحفي والوطني في فضح الممارسات الصهيونية مضيفًا: "سنواصل دورنا في اختراق وكسر الحصار والتعبير عن هموم وأوجاع شعبنا من خلال اللجوء لأماكن يتوفر بها التيار الكهربائي أو باستخدام الهواتف النقالة والأرضية.
وأوضح أنه لجأ مؤخرًا لإرسال مواده الإعلامية عبر الرسائل القصيرة رغم تكاليفها الباهظة، مشددًا على أن الصحفيين سيؤدون دورهم وواجباتهم في متابعة الهموم والمشاكل الإنسانية رغم الحصار الخانق ونفاد الإمكانات والوسائل المتاحة.
وقال حمتو: "الصحفيون عليهم واجب وطني كبير في المساهمة في رفع المعاناة عن الشعب الفلسطيني من خلال فضح ممارسات الاحتلال وتسليط الضوء على المآسي التي خلفها الحصار الظالم المفروض ونقل صورة حقيقية عما يجري لحث الرأي العام العالمي على التحرك تجاه المساهمة في رفع الحصار.
ويعتقد حمتو أن الصحفيين باتوا مستهدفين كغيرهم من أبناء الشعب الفلسطيني من فرض وتشديد الحصار.
ودعا حمتو صحفيي العالم وممثلي الفضائيات ووكالات الأنباء لاختراق الحصار والقدوم لغزة لنقل صورة ما يجري من مجازر حقيقية يتعرض لها أكثر من مليون ونصف المليون فلسطيني من خلال حرمانهم من الخدمات الإنسانية كالماء والغذاء والدواء والكهرباء والوقود.
ولم تسلم مطابع الصحف الفلسطينية من ظلم الحصار الجائر؛ حيث باتت تشتكي من الانهيار وتوقف العمل بسبب انقطاع الكهرباء وشح الورق ومستلزمات الطباعة، وفي تحدٍّ للحصار ومواصلة فضح الممارسات القاسية بحق قطاع غزة لجأت العديد من المطابع للعمل بأقل الإمكانات المتاحة لها.
وفي هذا الصدد أكد مؤمن الجراح مدير فرع الألوان في شركة الجراح للطباعة أن المطابع كانت أول المتضررين من الحصار بسبب نفاد الورق ومستلزمات طباعة الصحف.
وأشار إلى أنه تم تقليص عدد العمال وساعات العمل والزبائن وعدم استقبال عروض جديدة، مضيفًا أنهم عملوا بأقل الإمكانات المتاحة من أحبار وأوراق وأقل طاقة ممكنة بحيث يبقى العمل ولا تتوقف المطبعة، موضحًا أن كل المواد الكيميائية المستخدمة للطباعة ممنوع إدخالها كالأحبار والأحماض والألوان ومواد التثبيت.