يعيش حُجَّاج قطاع غزة حالةً من القلق والترقب على سفرهم المرتقب إلى مكةَ المكرمة لأداء فريضة الحج؛ نتيجةَ عدم حصولهم على تأشيرة حج من السفارة السعودية في مصر من جهة، وعدم إبداء السلطات المصرية أي بوادر لتشغيل معبر رفح الحدودي، وهو المنفذ الوحيد لسكان قطاع غزة على العالم من جهةٍ أخرى.
ويساور القلق المئات من الحُجَّاج الذين يتخوَّفون من ضياع فرصة الحج هذا العام وتكرار مأساة حُجَّاج العام الماضي، حين رفضت السلطات المصرية دخولهم عبر المعبر وعودتهم إلى غزة بعد أداء فريضة الحج؛ حيث اضطروا إلى العودة عبر بواخر أردنية حوصرت في عرض البحر الأحمر؛ مما أدى إلى وفاة بعضهم نتيجة البرد ونفاد الطعام والدواء.
كما كشفت مصادر صحفية عن أن وزارة الأوقاف في رام الله ووزيرها جمال بواطنة تضع العقبات أمام حصول الحُجَّاج على تأشيرة الحج من السفارة السعودية في مصر.
من جهةٍ أخرى لم تُبْدِ السلطات المصرية أية بوادر لإعادة تشغيل معبر رفح والسماح لحُجَّاج غزة بالسفر عبر المعبر، وترفض السلطات المصرية بشدةٍ منذ الحسم العسكري في قطاع غزة إعادة تشغيل معبر رفح بشكلٍ نهائي، وتؤكد القيادة المصرية بشكلٍ يومي تمسكها باتفاقية المعابر 2005 التي ترفضها حماس.
يقول الحاج رياض الحاج: "بعد دعواتٍ وصلوات وتقرُّب إلى الله ظهر اسمي في قرعة الحج لهذا العام والحمد لله، لكني لا أعرف هل سأسافر لأداء الفريضة حقًّا أم لا؟!"، وأضاف: "لا نستبعد القيام بأيِّ إجراءٍ لعرقلة سفرنا؛ فهم حتى اللحظة يرفضون منحنا التأشيرات من قِبل السفارة السعودية بمصر، ويواصلون إغلاق معبر رفح ولا ندري ماذا نفعل".
وأعرب الحاج رياض عن استغرابه بالقول: "الواحد منّا لا يستطيع تجاوز خطوات صغيرة للمرور عبر معبر رفح وتلبية نداء الله بالحج".
وقال وقد بدا الغضب يرسم ملامح وجهه: "ليُريني الرئيس عباس قدرته على إنفاذ الحجيج، نحن لا نطلب العون والفرج إلا من الله، السلطة للأسف هي من تتآمر علينا".
الحاج حسن سعد من غزة سجَّل اسمه في قوائم المسافرين لأداء مناسك الحج؛ يساوره القلق والخوف من ضياعِ حلم العمر، قال: "لا توجد بوادر أمل في سفر حجاج قطاع غزة حتى الآن.. مشاعر القلق تساورنا جميعًا، ولا ندري هل تستجيب المملكة العربية السعودية لندائنا ومنحنا التأشيرات والتدخل للسماح لنا بالخروج من قطاع غزة، ولكن نأمل من الله عز وجل أن تنجح ونحجّ".
وتابع سعد (40 عامًا) أنه "إذا تم إلغاء سفرنا فإنَّ الأمر سيكون صعبًا على نفوس حُجَّاج القطاع، لا سيَّما أنهم عانوا لتجهيز أموالهم وترتيب أنفسهم لزيارة بيت الله الحرام".
ويخشى حجاج قطاع غزة أنْ يتمَّ إلغاء سفرهم هذا العام مقابل مضاعفة عدد حُجَّاج الضفة الغربية من قِبل السلطة الفلسطينية في محاولةٍ لحرمان حُجَّاج غزة.
الحاج محمد رجب بدا متعلّقًا بالأمل، إلا أنه لم يُخْفِ مشاعر الحزن والترقُّب أيضًا التي تسود حُجَّاج القطاع من إمكانية منعهم من السفر قائلاً: "لن تجرؤ حكومة دايتون على منع الحُجَّاج من السفر؛ لأنَّ هذا سيمثِّل فضيحةً لها على مستوى العالم... في كلِّ عام توجَد عقبات ويتمّ التغلُّب عليها والسماح للحُجَّاج بالسفر.. هذا ما نتوقّعه بإذن الله".
حماية حقوق الحجيج
من جهةٍ أخرى طالب حُجَّاج غزة الشرعيون وأصحاب القرعة كل الجهات التي تتغنَّى بالحوار والوفاق ومحاربة الانقسام بسرعة التدخل لتمكينهم من الحج، وضمان حقهم القانوني والدستوري والوطني والديني، ولَجْم لصوص الحج والعمرة.
ووجَّهوا نداءهم بشكلٍ خاص إلى خادم الحرمين وولي عهده بسرعة التدخل لإنقاذ حقهم من وزير أوقاف رام الله الذي يتذرَّع بالشرعية التي أثبت عدم أهليته لها؛ لأنه يعزز الانقسام ويبتز المواطنين ويتعامل مع مواطنين دون آخرين.
![]() |
|
إسماعيل هنية |
كما وجَّهوا صرخةً عاليةً إلى رئيس الوزراء إسماعيل هنية ووزير الأوقاف طالب أبو شعر ووزير الداخلية سعيد صيام أن يحموا حقهم في الحج المكفول من خلال القرعة العلنية، وألا يسمحوا بخروج حُجَّاج عبر بواطنة وزمرته كبديلٍ عنهم، وناشدوهم أن يكثِّفوا تحركاتهم الدبلوماسية، ويتخذوا الإجراءات القانونية المناسبة بحقِّ هؤلاء؛ حفاظًا على حقوق المواطنين.
وفيما أعلنت وزارة الأوقاف الفلسطينية في غزة إتمام كافة استعداداتها لإنجاح موسم الحج هذا العام، داعيةً إلى سرعة فتح معبر رفح، كشفت مصادر مقرَّبة من الجهات التي تتابع إجراءات حُجَّاج قطاع غزة الذين تحدَّدت أسماؤهم للحج هذا العام من خلال قرعة علنية أشرفت عليها وزارة الأوقاف في حكومة هنية؛ عن أن هناك عقباتٍ ما زالت تعوق إتمام حصول الحُجَّاج على تأشيرة حج من السفارة السعودية في مصر.
وأكدت هذه المصادر أن السبب المباشر في وجود هذه العقبات هو موقف وزارة الأوقاف في رام الله ووزيرها جمال بواطنة الذي ذهب إلى السعودية قبل شهر رمضان واتفق مع الجهات المختصة فيها على أنه هو الجهة الرسمية التي يتعامل معها المجتمع الدولي، وأنه المفوَّض الوحيد للتعامل مع حُجَّاج فلسطين بشقِّيها قطاع غزة والضفة الغربية؛ الأمر الذي انعكس على طريقة التعامل مع بعثة حُجَّاج قطاع غزة الرسمية المفروزة من قِبل وزارة الأوقاف والحكومة، وبيَّنت المصادر ذاتها أن هذا الإجراء الذي قام به بواطنة يخالف الإجراءات المتبعة منذ عقود، والتي تنصُّ على أن حُجَّاج قطاع غزة تُشرف عليهم أوقاف غزة، وحُجَّاج الضفة تشرف عليهم أوقاف الضفة.
تهميش وحرمان!
وأوضحت هذه المصادر أن بواطنة- ومن خلال بعض المنتهزين والمنتفعين- يسعى إلى تهميش كل حُجَّاج القرعة العلنية، والذين دفعوا رسومًا من خلال شركات الحج والعمرة والمرخَّصة، وحرمانهم من أداء مناسك الحج، واستبدالهم بأسماء يتم استغلال رغبتهم في الحج، وتجميع جوازات سفرهم بطرق غير شرعية.
ولفتت المصادر الانتباه إلى أن بواطنة ووزارته يحاولون الاستئثار بنصيب قطاع غزة من مكرمة خادم الحرمين، والبالغة ألفًا ومائتي حاجٍّ، وكذلك حصة قطاع غزة من الإداريين والبالغ عددهم مائتين وأربعين، وهذا ما حصل العام الماضي.
مصالح ذاتية وفضائح!
وعلى الصعيد نفسه أفادت مصادر من السفارة الفلسطينية في الرياض والقنصلية الفلسطينية في جدة في المملكة العربية السعودية أن بواطنة يتحرَّك في ملف الحج والعمرة وفق مصالحه الذاتية؛ لا يرعى حقوق المواطنين، ولم ينسِّق معها ولم يشاورها في كل المواقف.
وأعربت هذه المصادر عن خشيتها من حدوث فضائح مالية وإدارية من قِبل بواطنة ورجالاته في موسم الحج؛ نتيجة هذه السياسة كما حدث من فضائح في موسم العمرة، سواء هناك في رام الله أو في مكة والمدينة.
وهذا ما يفسِّر تأخر حصول حُجَّاج قطاع غزة حتى اللحظة على التأشيرات الرسمية، بينما حُجَّاج الضفة الغربية حصلوا على تأشيرات بشكلٍ سلسٍ وسهل، وأعلنوا عن مواعيد سفرهم؛ الأمر الذي خلق حالةً من الغضب والقلق لدى حُجَّاج قطاع غزة الذين يتساءلون عن السبب الذي جعل بواطنة يُحاربهم في أداء مناسك الحج؛ حيث لم يجرؤ الاحتلال في أسوأ الظروف على منعهم منها، واعتبروا ذلك امتدادًا لسياسة قطع الأرزاق الممارسَة من قِبل حكومة فياض.
ابتزاز الحجاج!
وأفادت مصادر مقرَّبة من البعثة الموجودة في المملكة أن هناك لقاءاتٍ واتصالاتٍ يومية تجري للحصول على تأشيرات الحجاج، بما فيها اتصالات من قِبل الحكومة، وخاصةً رئيس الوزراء إسماعيل هنية ووزير الأوقاف، أسفرت عن لقاء البعثة مع ولي العهد مشكورًا، والذي وعد بمتابعة الأمر، وما زالت البعثة تتابع وتنتظر القرار النهائي من ولي العهد حفظه الله؛ حيث يُتوقَّع أن يكون إيجابيًّا ولصالح حُجَّاج قطاع غزة.
مناشدات لإنقاذ الحج
![]() |
|
د. مروان أبو راس |
وناشدت رابطة علماء فلسطين علماء الأمة الإسلامية، وعلى رأسهم علماء مصر والمملكة العربية السعودية، التدخلَ لدى حكوماتهم والضغط عليها من أجل تسهيل خروج حُجَّاج غزة عبر معبر رفح البري جنوب القطاع لأداء مناسك الحج.
وقال الدكتور مروان أبو راس رئيس رابطة علماء فلسطين: "يا علماء الحرمين.. أصبحتم مدرسة في الدعوة وتصحيح المفاهيم والمعتقدات.. أليس من حق إخوانكم في غزة أن تقفوا معهم في تلبية نداء أبيهم إبراهيم؟!".
واتهم أبو راس الحكومة في رام الله باحتجاز جوازات سفر حُجَّاج غزة والتنسيق مع مصر والسعودية والتواصل معهم لمنعهم غزة من السفر عبر معبر رفح البري، مشيرًا إلى أن مصر والسعودية لم تقدِّما إلى الآن التسهيلات اللازمة عبر مندوبيها في قطاع غزة بهذا الشأن، وشدد أبو راس على أن حُجَّاج غزة لن يغادروا إلا عبر معبر رفح البري.
وناشد أصحاب مكاتب الحج والعمرة في قطاع غزة كلَّ مَن له علاقة في تسهيل رحلة حُجَّاج قطاع غزة أن يعمل على إتمام الأمر، مشيرين إلى العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز، والرئيس المصري محمد حسني مبارك.
وقال أصحاب المكاتب السياحية في غزة: "نستحلفكم بالله العظيم وبكتابه الكريم، أن تُصدروا تعليماتكم لمنح التأشيرات لحُجَّاج قطاع غزة وبسرعة؛ نظرًا لضيق الوقت، كما أننا ومن هذا المقام نناشد ونستصرخ سيادة الرئيس حسني مبارك، رئيس جمهورية مصر العربية، أن يأمر بفتح المعبر".
وأوضح عبد الله الغزاوي أحد أصحاب هذه المكاتب أن هناك ضغوطًا على حكومة رام الله، مبيِّنًا عدم علم مكاتب غزة بنوعية تلك الضغوط، وقال: "نحن كأصحاب شركات حج وعمرة نستفيد في القطاع غزة من تقديم الخدمات لحُجَّاج قطاع غزة، ملتزمين بتعليمات وزارة الأوقاف للشئون الدينية، ملتزمين بالنظام عندهم حسب الأنظمة المعمول بها".
وأضاف: "رام الله عملت مع أشخاص معينين، وطلبوا منهم تسجيل الأسماء وإرسالها إلى رام الله، علمًا بأننا كل عام نسجِّل في قطاع غزة ونُدير العمرة من قطاع غزة، ويُشرف على ذلك وزارة الأوقاف الموجودة في غزة، ورام الله في الأعوام السابقة لم تعمل بهذه الطريقة المتبعة منذ أعوام، وهو ما أضرَّ بنا وبمصالحنا كقطاع خاص، ونحن نطالب رام الله والمعنيين بألا يُسيِّسوا الحج".
وكان الدكتور طالب أبو شعر وزير الأوقاف والشئون الدينية أعلن أن وزارته أتمت كامل استعداداتها لإنجاح موسم الحج لهذا العام وما يلزمه من حجزٍ لفنادق وخدمات النقل في المملكة العربية، وناشد د. أبو شعر أيضًا العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود ضمان المكرمة الملكية القاضية بزيادة عدد الحُجَّاج الفلسطينيين من القطاع، مذكِّرًا بأنه لم يتبق لموسم الحج سوى أيام.
وحمَّل وزير الأوقاف الفلسطيني حكومةَ رام الله المسئوليةَ الكاملةَ عن تأخير وإفشال موسم الحج في قطاع غزة لهذا العام، داعيًا إياها إلى تجنيب الحج المناكفات الحزبية والسياسية؛ لكون الحج فريضةً أعظم من كل المناكفات والتجاذبات السياسية، وقال: "نقول بشكلٍ جازم إن هذا المؤتمر ليس إعلانًا للفشل، وإنما نريد أن نحذِّر الإخوةَ في رام الله ونصارح شعبنا بهذا الموقف أن موسم الحج في خطر؛ لأن كل المجريات التي تمت من حكومة رام الله منذ أشهر إلى الآن تصبُّ في إفشال موسم الحج".
ودعا الوزير الفلسطيني رام الله وجامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي إلى التدخل من أجل إنقاذ موسم الحج، كما دعا أبو شعر الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين إلى التحرك العاجل لمساعدة الحُجَّاج المُسجَّلين في غزة لأداء فريضة الحج.
وناشد أبو شعر خادم الحرمين الشريفين وولي عهده ضرورة سرعة منح التأشيرات لحُجَّاج غزة الذين أفرزتهم القرعة العلنية؛ "وذلك انطلاقًا من كوننا الحكومة الشرعية التي نالت ثقة المجلس التشريعي".

