مشهد ملتهب.. ذلك الذي تنتظره مدينة الخليل والضفة الغربية بعد أيام في ظل سحابات التهديد المتواصلة من الجانب الأمني الفلسطيني الذي بدأ تنفيذ خطة أمريكية للقضاء على المقاومة، كشفها ما صرَّح به "عبد الرزاق اليحيى" وزير الداخلية في حكومة "سلام فياض"؛ عندما قال: "أنتم لا تتعلمون كيف تحاربون الإسرائيليين، وأنتم هنا ليس من أجل محاربة الاحتلال، وإنما لمحاربة قوى الشغب والجريمة والفوضى في فلسطين".

 

جاء هذا التصريح في 9 أكتوبر الجاري في قاعدة عسكرية في الأردن؛ خُصِّصت لتدريب عناصر مختارة من الأجهزة الأمنية التابعة للرئيس الفلسطيني محمود عباس، برفقة المنسق الأمني الأمريكي الجنرال "كيث دايتون" صاحب خطة اجتثاث المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة، وعلى رأسها حركة المقاومة الإسلامية حماس، ليكشف دور هذه الأجهزة الأمنية في مواجهة قوى المقاومة الفلسطينية في ظل تطبيق حكومة "عباس- فياض"، ويفضح شكل التنسيق الأمني بين سلطة "دايتون" وجيش الاحتلال الذي بات عنوانًا رئيسًا في تعزيز ودعم هذه الخطة المنظمة التي تنفِّذها سلطة "عباس" بالتعاون والتنسيق مع "إسرائيل" وأمريكا.

 

ولعل ما قالته وزيرة خارجية الولايات المتحدة "كونداليزا رايس" في خطابها الذي ألقته أمام مؤتمر الشراكة الأمريكية الفلسطينية الذي عُقد يوم الثلاثاء 14 أكتوبر الجاري، في غرفة التجارة الأمريكية بواشنطن، والذي حضره المنسق الأمريكي الخاص لأجهزة الأمن الفلسطينية "جيمس جونز"، وحضره رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض، ونحو 150 شخصًا من بينهم 30 من رجال الأعمال الفلسطينيين من الضفة الغربية، حول مطالبتها السلطة أن "تضاعف من جهودها" من أجل السَّلام، مشدِّدةً على ضرورة أن تواصل السلطة تصفية المقاومة الفلسطينية المسلَّحة، وقالت: إنه ينبغي عليها (السلطة) "تفكيك البنية التحتية للإرهاب (المقاومة)".

 

التوافق الأمني!

وشهد شاهد من حركة فتح على ما يدور؛ حيث هاجم النائب في المجلس التشريعي عن حركة فتح في محافظة بيت لحم "عيسى قراقع"، الأجهزة الأمنية التابعة لرئيس السلطة محمود عباس في المحافظة تعقيبًا على موقفها المذلّ يوم الأحد 12 أكتوبر خلال اقتحام قوات الاحتلال الصهيوني للمدينة وتنفيذ عملية عسكرية أسفرت عن هدم أجزاء من مبنى سكني، وإغلاق وسط المدينة لساعات؛ وسط اختفاءٍ كاملٍ لأجهزة عبَّاس الأمنية.

 

ووصف النائب الفتحاوي في مقالة له تحت عنوان: (اجتياح بهدوء ونوم أمني في العسل) هذه الأجهزة بأنها "أرانب لحفظ النظام الداخلي فقط والتصدي لأبناء شعبها"، وقال: "بيت لحم مليئة بالعمداء والعقداء والخبراء والمهمين جدًّا والتاريخيين جدًّا؛ الذين لا ينفكون يتحدثون عن ماضيهم الحافل بالبطولات.. هؤلاء الأبطال تحوَّلوا في زمن الاحتلال الجديد إلى أرانب مهمتها فقط حفظ النِّظام الداخلي، وليس لهم علاقة بالخارجي، والمقصود بالخارجي كلّ قادم من عتصيون أو القدس أو من معسكر (إسرائيلي)؛ سواء دبابة أو طائرة أو مغتصب أو جندي سائح، ومؤخرًا البضاعة الفاسدة".

 

فيما طالب "حسام خضر" النائب عن حركة فتح في المجلس التشريعي- خلال مؤتمر صحفي له السبت 18 أكتوبر- رئيس السلطة محمود عباس بإعادة النظر في الاتفاقية الأمنية مع الاحتلال الصهيوني؛ التي تسمح للقوات الصهيونية بالدخول والخروج من وإلى المدن والمخيمات الفلسطينية، واصفًا تلك الاتفاقية بـ"المهينة والمذلة لكافة أبناء الشعب الفلسطيني"، مؤكدًا أن "بعض قيادات الأجهزة الأمنية المرتزقة غير مهتمين"، واصفًا إيَّاهم بـ"المرتزقة".

 

وقال خضر الذي أفرج عنه مؤخرًا من سجون الاحتلال: "نحن قاتلنا واعتقلنا وناضلنا؛ ليس لنحمي المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أو نلاحق ونطارد رجال المقاومة، وأطالب الشرفاء في شعبنا بالتحرك والنزول للشوارع من أجل الدفاع عن مشروعهم السياسي".

 

نموذج الخليل

وفي هذا السياق يمكن قراءة الحملة الأمنية التي تطال مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية، وتطال قراها: الظاهرية، ودورا، وحلحول، وصوريف، وبيت أمّر، وترقوميا, وتفوح، وبيت أولا؛ التي لا يمر يوم إلا وتداهمها قوات الأمن "الدايتونية" وقوات الاحتلال الصهيوني لتعتقل أبناءها أو تداهم منازلها ومؤسساتها.

 

ووصلت حدة الاعتقالات والمداهمات اليومية لمدينة الخليل إلى تخطي الأمر إلى فصل العشرات من المعلمين والمعلمات الذين تم تعيينهم في عهد حكومة هنية السابقة؛ دون أية ضوابط أو قانون أو التزام بأجواء حوار، أو أيّ شيءٍ آخر.

 

وتكشفت هذه الخطة- بحسب ما نقلته مصادر صحفية عن مصادر فلسطينية رفيعة المستوى- عن لقاء عقد في مغتصبة "بيت إيل"، المتاخمة لمدينة رام الله، يوم الخميس 23 أكتوبر بين قادة أجهزة أمنية فلسطينية وقادة عسكريين صهاينة وضباط أمريكيين لبحث إدخال عناصر الأمن الوطني الفلسطيني إلى الخليل.

 

وحسب صحيفة (القدس العربي) فإنَّ المصادر الفلسطينية لفتت إلى أنَّ الاتفاق الفلسطيني الصهيوني الأمريكي على إدخال عناصر الأمن الفلسطيني، الذين تدرَّبوا في المملكة الأردنية الهاشمية، بإشراف أمريكي، كان قد تمّ التوصل إليه قبل نحو أسبوعين، إلاَّ أنّ الحكومة الصهيونية ما زالت متردِّدةً في إخراجه إلى حيّز التنفيذ؛ بسبب خشيتها من رد فعل المغتصبين اليهود.

 

وأضافت المصادر أن الجنرال الأمريكي "دايتون" أقنع الصهاينة بضرورة إدخال الأمن الفلسطيني إلى مدينة الخليل؛ باعتبارها المعقل الرئيس لحركة المقاومة الإسلامية حماس في الضفة الغربية المحتلة.

 

وشدَّدت المصادر في سياق حديثها على أنَّ الاجتماع كان حاسمًا في هذه القضية، مشيرةً إلى أنَّ الصهاينة اقتنعوا بضرورة إدخال القوات الفلسطينية إلى المدينة، ولكنَّ البند الذي ما زال قيد البحث هو تحديد التاريخ الذي ستدخل فيه القوات الفلسطينية إلى المدينة لتباشر ملاحقةَ الخلايا التابعة لحركة حماس، والتي تنشط في المدينة والقرى المحيطة بها.

 

وأشارت إلى أن عناصر الأمن الفلسطيني اختبرت من قبل الأمريكيين في الحملة التي شنتها السلطة الفلسطينية على مدينة نابلس مؤخرًا، حيث أثبتت هذه العناصر قدرتها وجدارتها، على حدِّ تعبيرها.

 

وأوضحت أنَّ عناصر الأمن الفلسطيني الذين سينقلون إلى الخليل كانوا قد تلقوا التدريبات في معسكر "الموقر" الأردني طيلة الشهور الماضية، وأنهت كتيبة النخبة، ويبلغ عدد أفرادها 700 عنصر، التي شكلت وفقًا لخطة رسمها المنسق الأمني الأمريكي الجنرال "كيث دايتون" تدريباتها على يد مدربين أردنيين وبإشراف أمريكي في أحد المعسكرات الأمريكية التي أقيمت غربي مدينة عمان، لافتة إلى أن الأمريكيين خصصوا مبلغ 7 ملايين دولار لتأهيل الجيش العراقي والجيش الفلسطيني.

 

وقالت المصادر: إنَّ التحرك الفلسطيني هذا لا يعني نقل المسئولية الأمنية عن الأحياء الفلسطينية في الخليل إلى السلطة، بل سمحت (إسرائيل) للسلطة بالعمل في المدينة؛ لأنَّ هذه القوات ستقوم بعمليات محددة في مناطق وأوقات مختلفة، ومن المتوقع أن تنسق تلك القوة تحرّكاتها مع قوات الاحتلال في الخليل.

 

وكانت السلطة الفلسطينية قد تسلَّمت من الأردن الشهر الماضي بموافقة صهيونية ما يقارب 1000 بندقية، بالإضافة إلى عشرات آلاف الرَّصاصات.

 

حملة إجرام

ولعل أخطر ما يحاك لهذه المدينة العريقة من مؤامرات، ما راج حاليًا حول استعدادات واسعة تقوم بها الأجهزة الأمنية "الدايتونية" في محافظة الخليل لشن حملة أمنية أطلقوا عليها زورًا وبهتانًا اسم: حملة "شموخ الوطن"، والتي تستهدف حركة حماس وأبناءها في أرجاء المحافظة.

 

حيث تمت تهيئة الأجواء لتلك الحملة المعززة بما يزيد عن 1000 عنصر أمني، بعمل لقاء موسع حضره مسئولو الأجهزة الأمنية في المحافظة، وعلى رأسهم العميد "سميح الصيفي" قائد قوات الأمن في المحافظة, والمحافظ, ومدير جهاز الأمن الوقائي العقيد "إياد الأقرع", وعدد من مسئولي الأجهزة الأمنية في الخليل, في قاعة رابطة الجامعيين في الخليل بتاريخ (20/10/2008م), مع ما يزيد عن ألف شخصية من وجهاء ومخاتير ورجال إصلاح من كل قرى ومخيمات المحافظة، وتمَّ الحديث في هذا اللقاء عن الحملة وأهدافها، مدَّعين أنها تستهدف الخارجين عن القانون، وجمع السّلاح، وأن قوائم من الأسماء أُعدت من أجل اعتقالها في تلك الحملة الإجرامية, هذا وقد أطلقت عليها أجهزة الأمن "الدايتونية" حملة "شموخ الوطن" إلاَّ أنَّ التسمية الحقيقية لهذه الحملة: "مجزرة لحماس وأبنائها".

 

وأكد هذا التوجه محافظ الخليل "حسين الأعرج" بتهديده، في ذات اللقاء، باتخاذ كافة الإجراءات القانونية بحق من أسماهم بـ"الخارجين عن القانون"، مؤكدًا أن الأجهزة الأمنية ماضية في خطتها لتطبيق ما أسماه "الأمن وبسط النظام والقانون في المحافظة، وسنعمل على جمع السلاح من بين المواطنين، ومن يضبط في بيته سلاح ستتم معاقبته، ولن نسمح لأيِّ كان بالعبث بأمن المواطن والسلطة مهما كان انتماؤه الفصائلي"، في إشارة واضحة باستهداف سلاح المقاومة، وحركة حماس.

 

واتفق قائد قوات الأمن في منطقة الخليل العميد سميح الصيفي معه قائلاً: "ستقوم الأجهزة الأمنية بتنفيذ حملة أمنية في جميع أنحاء المحافظة تحت اسم "حملة شموخ الوطن"، وبشعار "لا علم يعلو فوق فلسطين إلاَّ علم فلسطين".

 

وذكر الصيفي الحملات الأمنية التي نفذها مؤخرًا في ريف المحافظة التي استهدفت المقاومين، مؤكدًا نجاح تلك العمليات، وأنها حققت نتائج جيدة جدًّا، معترفًا بوجود بعض "التجاوزات" في تلك الحملات.

 

وأكد أن الأجهزة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام من يعتدي عليها سواء بإطلاق الرَّصاص أو ما شابه ذلك، مضيفًا القول: إن "من يطلق علينا النار سنطلق عليه النار، ولن نسمح للخارجين على القانون بمقاومتنا، وإفشال حملتنا، ولا بالتعدي على حرمات شعبنا وأعراضهم وممتلكاتهم"، وهو ما تقوم به هذه الأجهزة "الدايتونية" بحق أهلنا في الخليل.