الموت البطيء هو المصير الذي أصبح ينتظر المئات من المرضى في قطاع غزة؛ بسبب الإضراب المسيَّس من قبل حكومة رام الله من جهة، وإغلاق المعابر بشكل مستمر ونفاد مخزون الأدوية والنقص الحاد جرَّاء الحصار الصهيوني والدولي المفروض من جهة أخرى.

 

كانت حكومة رام الله قد أعلنت منذ عدة أشهر عن إضراب مسيَّس في كافة المؤسسات الخدمية والصحية والتعليمية في قطاع غزة؛ بهدف شلِّ كافة مناحي الحياة، مهددةً بقطع راتب كل من لا يلتزم بالإضراب.

 

وزعم بسام زكارنة نقيب الموظفين العموميين في حكومة فياض أن هذه الخطوة تأتي في ظل استمرار قمع الموظفين العاملين في قطاعي الصحة والتعليم، والفصل التعسفي المبني على الانتماء السياسي والاعتقال بحق المضربين منهم.

 

وحذَّر المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان من خطورة الانعكاسات الكارثية للإضراب الحاصل في قطاعي التعليم والصحة، مؤكدًا في الوقت ذاته أن الإضراب ليس مطلبيًّا ولا مهنيًّا ولا نقابيًّا، وأوضح المركز أن تنفيذ هذا الإضراب هو أحد تجليات حالة الانقسام السياسي الحادّ في المجتمع الفلسطيني، وتتويجٌ ‏لأفعال مختلفة تصدر عن طرفي الصراع والانقسام السياسي؛ بما يستجيب لرؤية كل طرف منهما.‏

 

إضراب المستنكفين

ويرقد الشاب محمد (17) عامًا على سريره في مستشفى الشفاء الطبي، بانتظار السفر للعلاج في المستشفيات الصهيونية؛ بعد أن عجز الأطباء عن تقديم العلاج المناسب لحالته المرضية، ويعاني جودة من تسريب للبروتين من كِليته المرهقة، وأنهى والده توفيق جودة الإجراءات اللازمة لسفره، ولكن إضراب المستنكفين عن العمل في مكتب التنسيق الأمني حال دون سفره!.

 

 الصورة غير متاحة

 أطفال غزة يواجهون الموت بسبب الحصار!!

وفي قسم الباطنة في مستشفى الشفاء وقف المواطن إيهاب مذهولاً؛ فلا يوجد طبيب أعصاب متخصص لعلاج والده الذي أصيب بجلطة دماغية، وفي محاولةٍ يائسة اتصل بأحد الأطباء المستنكفين لمعالجة والده على نفقته المالية الخاصة؛ فرفض الطبيب الإقدام؛ خشيةً على راتبه المهدّد بالضياع، وبعيون حائرة وقلقة أجرى اتصالاتٍ عديدةً لعله ينقذ والده الذي يرقد بدون متابعة لحالته.

 

أما المواطن إبراهيم فيعاني من التهابات حادَّة، وطوال 12 ساعة مكثها في قسم الباطنة لم تقدَّم له سوى مضادات حيوية لتخفيض السخونة، ولم يكن جاره المسنّ علي الدجاني أفضل حالاً؛ فملامحه توحي بالكثير؛ فهو يعاني من عدة أمراض، ويقول الممرض الذي أوصل إلى أنفه أنبوب التغذية: حالته الصحية حرجة للغاية بعد أن أصيب بجلطة وفقد وعيه، ولا يوجد طبيب أعصاب أو باطنة مختص.

 

من جهة أخرى دفع العشرات من المرضى الغزاويين حياتهم ثمنًا لإغلاق معبر رفح والمعابر الأخرى من قبل السلطات المصرية والصهيونية، وأعلنت مصادر طبية فلسطينية عن ارتفاع عدد الضحايا من المرضى جرَّاء الحصار الصهيوني الجائر على قطاع غزة منذ أكثر من عام إلى 253 مواطنًا.

 

وقال الدكتور معاوية حسنين مدير عام الإسعاف والطوارئ بوزارة الصحة: إن الشاب عيد أحمد اللحام (37 عامًا)، كان يعاني من انسدادات معوية شديدة، وحاول الأطباء إنقاذه بإجراء عملية جراحية كبرى له؛ حيث إنه لم يتمكن من السفر نتيجة الحصار، لكنه تُوفي.

 

ويتهدَّد خطر الموت قائمة طويلة من المرضى من أصحاب الأمراض الخطيرة والمزمنة؛ جراء عدم تلقيهم العلاج بسبب عدم توفر الأدوية، ومنعهم من مغادرة القطاع لتلقي العلاج؛ نتيجة الحصار الصهيوني  المشدَّد، وإغلاق كافة معابر القطاع منذ أكثر من خمسة عشر شهرًا.

 

ودفع النقص في الأدوية والمستلزمات الطبية في مستشفيات القطاع المئات من المواطنين إلى الغضب والاستياء لعدم وجود العلاج؛ فالمواطن أبو إبراهيم الذي يراجع في العيادة الخارجية لمستشفى الشفاء؛ حيث يعاني من مرض عصب القولون عبَّر عن استيائه وغضبه، مشيرًا إلى أنه يأتي يوميًّا إلى المستشفى ويغادره دون الحصول على العلاج، مؤكدًا انه لا يستطيع صرف العلاج على نفقته الخاصة بسبب سوء أحواله المادية.

 

من جانبه يخشى المواطن "أيمن" أن يفارق والده الحياة لعدم توفر العلاج اللازم له، معربًا عن أمله في أن تحل أزمة معبر رفح والنقص الحاد في الأدوية بأسرع وقت ممكن؛ حتى يتمكن المرضى من التواصل مع العلاج، ويقول الشاب "أبو أحمد" المُصاب بفشلٍ كلوي: كلما توجهت من أجل الحصول على الأدوية الخاصة بعلاجي أصطدم بعبارة "للأسف.. لا يوجد".

 

صابر أبو أحمد يشبه آلاف المرضى، والذين لم تشفع صرخات ألمهم لرفع حصار مفروض على القطاع وإغلاق مُحكم لمعابرها لا يسمح للدواء بالدخول.

 

من جانبه قال المواطن محمد إسماعيل "35 عامًا" ولديه خمسة أطفال ويسكن في مدينة غزة: إنه منذ أن نفدت الأدوية التي يحتاجها لتثبيت الكلية المزروعة من مستودعات وزارة الصحة بشكل نهائي انقطع عن تناول الجرعة المقررة له مما يهدد حياته للخطر، وأضاف: "الطاقم الطبي الذي زرع لي الكلية حذرني من نسيان تناول الجرعة ولو ليوم واحد ولذلك أصابتني حالة إعياء شديدة، وكثيرًا ما تصيبني حالة إغماء، تستدعي نقلي إلى المستشفى.

 

 وأضاف: "على الرغم من أن الدواء مرتفع الثمن، ورغم ذلك حاولت شراءه على حسابي الخاص من الصيدليات الخاصة؛ إلا أنني لم أجده أيضًا، وأصبحت حياتي الآن معلقةً على دخول هذا الدواء، مع العلم أن أي لحظة تأخير ستترك أثرًا سلبيًّا على صحتي".

 

مرضى الكلى

وطفت على السطح كارثة إنسانية جديدة؛ تمثلت في مواجهة مرضى الكلى موتًا محققًا؛ نتيجة نفاد الأدوية الخاصة بعمليات غسيل الكلى وزراعتها في مشافي القطاع العامة والخاصة منها على حدّ سواء؛ بسبب الحصار المفروض، ودفعت هذه الحالة بالمئات من أهالي ومرضى زراعة الكلى في غزة إلى توجيه نداء عاجل في الأشهر الماضية إلى كافة المسئولين والمنظمات الأممية والحقوقية، مطالبين بالتدخل العاجل.

 

 الصورة غير متاحة

محمد أبو طه من أوائل ضحايا الحصار الظالم على غزة

وقال مرضى الكلى "Renal transplantation": إن الأدوية الخاصة بإنقاذ حياتهم نفدت تمامًا، وإن أجسام العديد منهم تتسمَّم بسبب عدم توفر العلاجات، وعدم قدرة أهالي المرضى على شراء الأدوية لتكلفتها العالية، وحسب (الرسالة) فإن الأدوية المفقودة، وهي من نوع Cyclospani + Cell Sept، تعتبر الوحيدة القادرة على إنقاذ حياة المئات من المرضى.

 

ويشكِّل النقص في الأدوية اللازمة للمرضى خصوصًا الذين قاموا بعمليات زرع الكلى خطرًا كبيرًا على حياتهم، ووفقًا لمصدر خاص لـ(الرسالة) في مستشفى الباطنة بمجمع دار الشفاء في مدينة غزة؛ فإن نوعين اثنين من الأدوية على الأقل هما CYCLOSPANIوCELLSEPT قد نفدا من مستودعات وزارة الصحة في قطاع منذ عدة أسابيع؛ ما يهدد حياة العشرات من المرضى، بينهم مرضى أُجريت عمليات لزرع كلى داخل أجسامهم، ويعرِّضهم الانقطاع عن تناول هذه الأدوية إلى خطر جسيم قد يودي بحياتهم، وتستخدم هذه الأدوية لتثبيت الكلية المزروعة في جسم المريض، والتي تتكلَّف زراعتها في مستشفيات خارجية مبالغ طائلة ومعاناة جسيمة.

 

وأكد المصدر أن العديد من الحالات بدأت بالتدهور، وظهرت أعراض رفض الكلية المزروعة على بعض المرضى، وطلب منهم بأن يجروا فحوصات للتأكد من حالاتهم الصحية خارج المستشفى، حيث لا تتوافر مثل تلك الفحوصات والتحاليل الطبية في المستشفى.

 

وأعرب المصدر عن خشيته من تأخير دخول الدواء لفترة أطول، وبدء ظهور حالات رفض حادٍّ للكلى المزروعة، سيجبر الوزارة على استخدام أنواع جديدة من الأدوية؛ يحتاج دخولها إلى القطاع إجراءات معقدة؛ هذا إن تمت الموافقة عليها.

 

الرصيد "صفر"

من جانبها حذرت وزارة الصحة الفلسطينية من أن القطاع الصحي ما زال يعاني من نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، مشيرة إلى أن بعض الأدوية الأساسية أصبح رصيدها "صفرًا" بسبب تداعيات الحصار المفروض ومحاولات الاحتلال المستمرة في عرقلة ومنع دخول الأدوية منذ عدة أشهر، وحذرت الصحة من حدوث كارثة صحية ليست بسيطة في قطاع غزة، مؤكدةً أن هناك أكثر من 150 نوعًا من الأدوية مفقودة وبعض الأدوية أصبح رصيدها صفرًا وبالتالي يتعرض المئات من المرضى لخطر الموت.

 

وحذرت من النقص الحاد الذي تواجهه وزارة الصحة في الأدوية والمستلزمات الطبية، وما قد ينجم عنه من خطر حقيقي يهدد حياة العشرات من المرضى الذين يرقدون على أسرة المستشفيات في قطاع غزة بانتظار السماح لهم بالسفر لتلقي العلاج في الخارج، ومنع وصول الأدوية إلى القطاع.

 

وأوضح أن هناك 94 صنفًا من الأدوية نفدت من مخازن وزارة الصحة، إضافة إلى نفاد أدوية عاجلة خاصة بمرضى السرطان والأورام والكلى، علاوة على نفاد 120 صنفًا من المستلزمات الطبية، ما ينذر بكارثة إنسانية خطيرة قد تودي بحياة العشرات من المرضى.

 

وناشد كافة المؤسسات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان والصليب الأحمر الدولي وكافة الأحرار والشرفاء في العالم ضرورة التدخل الفوري والعاجل من أجل الضغط على الاحتلال لرفع الحصار عن أبناء الشعب الفلسطيني، وفتح المعابر والسماح بإدخال جميع أشكال المعدات الطبية والأدوية التي نفدت من مخازن وزارة الصحة.