حذَّرت وزارة الصحة الفلسطينية من أن القطاع الصحي ما زال يعاني من نقصٍّ حادٍّ في الأدوية والمستلزمات الطبية، مشيرةً إلى أن بعض الأدوية الأساسية أصبح رصيدها "صفرًا" بسبب تداعيات الحصار المفروض ومحاولات الاحتلال المستمرة في عرقلة ومنع دخول الأدوية منذ عدة أشهر.

 

وحذَّرت الصحة من حدوث كارثة صحية ليست بسيطةً في قطاع غزة، مؤكدةً أن هناك أكثر من 150 نوعًا من الأدوية مفقودة وبعض الأدوية أصبح رصيدها صفرًا، وبالتالي يتعرض المئات من المرضى لخطر الموت.

 

وحذَّر الدكتور منير البرش من النقص الحاد الذي تواجهه وزارة الصحة في الأدوية والمستلزمات الطبية، وما قد ينجم عنه من خطرٍ حقيقي يهدد حياة العشرات من المرضى الذين يرقدون على أَسرَّة المستشفيات في قطاع غزة بانتظار السماح لهم بالسفر لتلقي العلاج في الخارج، ومنع وصول الأدوية إلى القطاع.

 

وأوضح أن هناك 94 صنفًا من الأدوية نفدت من مخازن وزارة الصحة، إضافةً إلى نفاد أدوية عاجلة خاصة بمرضى السرطان والأورام والكلى، علاوةً على نفاد 120صنفًا من المستلزمات الطبية، ما يُنذر بكارثةٍ إنسانيةٍ خطيرة قد تودي بحياة العشرات من المرضى.

 

وناشد كافة المؤسسات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان والصليب الأحمر الدولي وكافة الأحرار والشرفاء في العالم، بضرورة التدخل الفوري والعاجل من أجل الضغط على الاحتلال لرفع الحصار عن أبناء الشعب الفلسطيني، وفتح المعابر والسماح بإدخال جميع أشكال المعدات الطبية والأدوية التي نفدت من مخازن وزارة الصحة.

 

قمنا برصد نماذج من الحالات الصحية الصعبة؛ حيث يرقد الشاب محمد جودة (17 عامًا) على سريره في مستشفى الشفاء الطبي بانتظار السفر للعلاج في المستشفيات الصهيونية بعد أن عجز الأطباء عن تقديم العلاج المناسب لحالته المرضية، ويعاني جودة من تسريبٍ للبروتين من كليته المرهقة، وأنهى والده توفيق جودة الإجراءات اللازمة لسفره، ولكن إضراب المستنكفين عن العمل في مكتب التنسيق الأمني حال دون سفره.

 

وفي قسم الباطنة في مستشفى الشفاء وقف المواطن إيهاب عجور مذهولاً، فلا يوجد طبيب أعصاب متخصص لعلاج والده الذي أُصيب بجلطةٍ دماغية، وفي محاولةٍ يائسةٍ اتصل بأحد الأطباء المستنكفين لمعالجة والده على نفقته المالية الخاصة، فرفض الطبيب القدوم خشيةً على راتبه المهدد بالضياع، وبعيون حائرة وقلقة أجرى عجور اتصالات عديدة لعله ينقذ والده الذي يرقد منذ فترة بدون متابعة لحالته.

 

أما المواطن إبراهيم فيعاني من التهابات حادة، وطوال 12 ساعةً مكثها في قسم الباطنة لم يُقدَّم له سوى مضادات حيوية لخفض السخونة، ولم يكن جاره المسن علي الدجاني بأفضل حالاً منه، فملامحه تُوحي بالكثير، فهو يعاني من عدة أمراض، ويقول الممرض الذي أوصل إلى أنفه أنبوب التغذية: حالته الصحية حرجة للغاية بعد أن أُصيب بجلطةٍ وفقد وعيه، ولا يوجد طبيب أعصاب أو باطنة مختص.

 

من جهة أخرى دفع العشرات من المرضى الغزيين حياتهم ثمنًا لإغلاق معبر رفح والمعابر الأخرى من قِبل السلطات المصرية والصهيونية، وأعلنت مصادر طبية فلسطينية، عن ارتفاع عدد الضحايا من المرضى جرَّاء الحصار الصهيوني الجائر على قطاع غزة منذ أكثر من عام إلى 253 مواطنًا.

 

وقال الدكتور معاوية حسنين مدير عام الإسعاف والطوارئ بوزارة الصحة: إن الشاب عيد أحمد اللحام (37 عامًا) كان يعاني من انسداداتٍ معوية شديدة، وحاول الأطباء إنقاذه بإجراء عملية جراحية كبرى له؛ حيث إنه لم يتمكَّن من السفر نتيجة الحصار، لكنه تُوفي.

 

ويُهدد خطر الموت قائمةً كبيرةً من المرضى من أصحاب الأمراض الخطيرة والمزمنة، جرَّاء عدم تلقيهم العلاج بسبب عدم توفر الأدوية، ومنعهم من مغادرة القطاع لتلقي العلاج، نتيجة الحصار الصهيوني المشدد، وإغلاق كافة معابر القطاع منذ أكثر من خمسة عشر شهرًا.

 

 الصورة غير متاحة

مرضى غزة يواجهوان خطر الموت بسبب النقص الحاد في الأدوية

ودفع النقص في الأدوية والمستلزمات الطبية في مستشفيات القطاع بالمئات من المواطنين إلى الغضب والاستياء لعدم وجود العلاج.

 

المواطن أبو إبراهيم الذي يراجع في العيادة الخارجية لمستشفى الشفاء حيث يعاني من مرض عصب القولون عبَّر عن استيائه وغضبه، مشيرًا إلى أنه يأتي يوميًّا إلى الـمستشفى ويغادرها دون الحصول على العلاج، مؤكدًا أنه لا يستطيع صرف العلاج على نفقته الخاصة بسبب سوء أحواله الـمادية.

 

من جانبه يخشى المواطن أيمن أن يفارق والده الحياة لعدم توفر العلاج اللازم له، معربًا عن أمله في أن تحل أزمة معبر رفح والنقص الحاد في الأدوية بأسرع وقتٍ ممكنٍ حتى يتمكَّن الـمرضى من التواصل مع العلاج.

 

ويقول الشاب "أبو أحمد" المُصاب بفشلٍ كلوي: كلما توجهت من أجل الحصول على الأدوية الخاصة بعلاجي أصطدم بعبارة "للأسف.. لا يوجد".

 

مصير "أبو أحمد" يشابه آلاف المرضى، والذين لم تشفع صرخات ألمهم لرفع حصار مفروض على القطاع وإغلاق مُحكم لمعابرها لا يسمح للدواء بالدخول.

 

من جانبه قال المواطن محمد إسماعيل "35 عامًا" ولديه خمسة أطفال ويسكن في مدينة غزة إنه منذ أن نفدت الأدوية التي يحتاجها لتثبيت الكلية المزروعة من مستودعات وزارة الصحة بشكلٍ نهائي انقطع عن تناول الجرعة المقررة مما يهدد حياته للخطر.

 

وأضاف: "الطاقم الطبي الذي زرع لي الكلية حذَّرني من نسيان تناول الجرعة ولو ليومٍ واحد؛ ولذلك أصابتني حالة إعياء شديدة، وكثيرًا ما تُصيبني حالة إغماء، استدعت نقلي إلى المستشفى.

 

وأضاف: "على الرغم من أن الدواء مرتفع الثمن، ورغم ذلك حاولت شراءه على حسابي الخاص من الصيدليات الخاصة، إلا أنني لم أجده أيضًا، وأصبحت حياتي الآن معلقةً على دخول هذا الدواء، مع العلم أن أي لحظة تأخير ستترك أثرًا سلبيًّا على صحتي".

 

وطفت على السطح كارثة إنسانية جديدة، تمثَّلت بمواجهة مرضى الكلى موتًا محققًا، نتيجة نفاد الأدوية الخاصة بعمليات غسيل الكلى وزراعتها في مشافي القطاع العامة والخاصة منها على حدٍّ سواء، بسبب الحصار المفروض، ودفعت هذه الحالة بالمئات من أهالي ومرضى زراعة الكلى في غزة، لتوجيه نداءٍ عاجلٍ في الأشهر السابقة إلى كافةِ المسئولين والمنظمات الأممية والحقوقية، طالبين التدخل العاجل.

 

وقال مرضى الكلى: إن الأدوية الخاصة بإنقاذ حياتهم نفدت تمامًا، وإن أجسام العديد منهم تتسمم بسبب عدم توفر العلاجات، وعدم قدرة أهالي المرضى على شراء الأدوية لتكلفتها العالية، وحسب الرسالة فإن الأدوية المفقودة، وهي من نوع (Cyclospani + Cell Sept)، تعتبر الوحيدة القادرة على إنقاذ حياة المئات من المرضى.

 

ويُشكِّل النقص في الأدوية اللازمة للمرضى، خصوصًا الذين قاموا بعمليات زرع الكلى، خطرًا كبيرًا على حياتهم، ووفقًا لمصدر خاص لـ"الرسالة" في مستشفى الباطنة بمجمع دار الشفاء في مدينة غزة، فإن نوعين اثنين من الأدوية على الأقل، هما (CYCLOSPANI) و(CELLSEPT) قد نفدا من مستودعات وزارة الصحة في قطاع منذ عدة أسابيع؛ ما يهدد حياة العشرات من المرضى، بينهم مرضى أجروا عملياتٍ لزرع كلى داخل أجسامهم، ويعرضهم الانقطاع عن تناول هذه الأدوية إلى خطرٍ جسيمٍ قد يودي بحياتهم، وتستخدم هذه الأدوية لتثبيت الكلية المزروعة في جسم المريض، والتي تتكلف زراعتها في مستشفيات خارجية، مبالغ طائلة، ومعاناة جسيمة.

 

وأكد المصدر أن العديدَ من الحالات بدأت تدهور، وظهرت أعراض رفض الكلية المزروعة على بعض المرضى، وطُلِبَ منهم أن يجروا فحوصات للتأكد من حالاتهم الصحية خارج المستشفى؛ حيث لا تتوافر مثل تلك الفحوصات والتحاليل الطبية في المستشفى.

 

وأعرب المصدر عن خشيته من تأخير دخول الدواء لفترة أطول، وبدء ظهور حالات رفض حاد للكلى المزروعة، سيجبر الوزارة على استخدام أنواع جديدة من الأدوية، يحتاج دخولها إلى القطاع إجراءات معقدة، هذا إن تمَّت الموافقة عليها.