لم تتمالك عيون الآلاف من المواطنين نفسها وهي تنظر صوب جثمان الشهيد المجاهد والوزير الدكتور أحمد شويدح وهو ممدَّد في مقدمة مصلى المسجد العمري الكبير وسط مدينة غزة استعدادًا للصلاة عليه، فانهمرت الدموع الممزوجة بالحزن على وجنتي كل مشارك، وعلت أصوات الحناجر بالبكاء، وتخضَّبت اللحى بدموع الفراق أثناء موكب التشييع الذي جاب شوارع المدينة؛ لتتبدل أجواء الفرحة والسعادة بالعيد إلى أجواء من الحزن والأسى على فراق أحد أعلام الشعب الفلسطيني.
فمع إشراقة شمس يوم الأربعاء (1/10) ثاني أيام عيد الفطر المبارك كانت الصدمة في نفوس وقلوب أبناء الشعب الفلسطيني عندما تزيَّنت شاشة فضائية (الأقصى) بخبر عاجل يعلن عن وفاة الدكتور أحمد شويدح بعد يومين من إصابته بمرض مفاجئ.
وُلد الدكتور أحمد شويدح في غزة في 14/1/1959م، وحصل على درجة الماجستير في العام 1988م من كلية الشريعة بالجامعة الأردنية، كما حصل على درجة الدكتوراه في العام 1997م من كلية الشريعة بجامعة أم درمان الإسلامية بدولة السودان، وكان قد حصل على درجة البكالوريوس عام 1984م من كلية الشريعة والقانون بالجامعة الإسلامية في غزة؛ التي لزم حرمها أمينًا على العلم الذي بين يديه حتى يوم إعلان وفاته.
لم يكن د. شويدح شخصًا عاديًّا، رغم بساطته وقربه من عامة الناس؛ فبقدر الذي وصل إليه من العلم والمنصب إلا أن قلبه لم يزل ينبض بروح قضايا الفقه والتشريع الإسلامي التي عالجها.
عُرف الدكتور شويدح عالمًا عاملاً فقيهًا وقائدًا ورجل إصلاح وجنديًّا وطالبًا في مواطن أخرى، وشغل عدة مناصب؛ كرئيس دائرة الإفتاء في رابطة علماء فلسطين، وعميدًا لكلية الشريعة والقانون بالجامعة الإسلامية بغزة، ورئيسًا للجنة الإفتاء بالجامعة، وفي العام الحالي عيِّن وزيرًا للعدل في الحكومة المقالة، وكلِّف أيضًا بوزارة الأسرى وشئون المحررين.
وعشية عيد الفطر نقل د. شويدح بشكل مفاجئ إلى "المشفى" إثر مضاعفات مرض اللوكيميا "سرطان الدم" الذي ألمَّ به قبل فترة قصيرة، قبل أن يتوفى فجر الأربعاء ثاني أيام عيد الفطر، ومن آخر تصريحاته رحمه الله تهنئته للأسرى في سجون الاحتلال؛ حيث هنأهم بعيد الفطر المبارك في آخر بيان صحفي صدر عنه؛ نشر على صفحات العديد من المواقع الإلكترونية.
ودعا من خلاله المؤسسات الحقوقية والإنسانية إلى "العمل الجاد والفوري من أجل إدخال الحلويات والتمر وأغراض العيد إلى الأسرى في السجون المختلفة، والتي تقدمها وزارة الأسرى والصليب الأحمر الدولي وأهالي الأسرى".
وناشد وزير الأسرى والمحررين "أبناء شعبنا وفصائله الوطنية والإسلامية تفقد أهالي الأسرى في أيام العيد، وزيارتهم ومواساتهم ومشاركتهم معاناتهم بغياب أبنائهم داخل السجون؛ لأن ذلك من شأنه أن يخفف عنهم كثيرًا مما يشعرون به من ألم وحسرة".
ولشويدح فتاوى عديدة؛ لعل من أهمها فتواه التي اعتبر فيها أن استخدام العنف والتعذيب ضد المجرمين فضلاً عن المتهمين لانتزاع الاعترافات محرم في الشريعة الإسلامية، ولا يجوز بأي حال من الأحوال.
ويعد الراحل د. شويدح هو أول من حصل على درجة الأستاذية ودرجة أستاذ مشارك في الشريعة والقانون في الجامعة الإسلامية، ومن شدة حرصه على علم الشيخ محمد قوصة مؤسس كليتي الشريعة والقانون وأصول الدين بالجامعة وتوفي في فبراير الماضي، عمد الراحل إلى جمع فتاوى الشيخ قوصة في كتاب.
وللدكتور شويدح مؤلفات وأبحاث في فقه المعاملات المالية والتأصيل الشرعي لها، ولغيرها من القضايا المعاصرة التي اهتم بها من ناحية شرعية؛ مثل اختيار جنس الجنين، والمرابحة للآمر بالشراء والاستصناع، وعقود المقاولات والمناقصات، والزكاة والضريبة، والتربية الجنسية.
ومثَّل د. شويدح منهجًا وسطيًّا معتدلاً في الفتوى بحيث تتماشى مع حاجة المجتمع والواقع الذي يعيشه الناس، ويشير من عاصروه إلى أنه لم يصدر فتوى قط قبل الولوج في نصها وفهم دلالاته ومقاصد الشريعة وأثره على النفس، وكيف يستقبلها الجمهور وبأي طريقة وأسلوب يوصلها له.
وقد حرص على الجمع بين التأصيل الشرعي والفهم المعاصر للناس، ومن أهم الأمور التي أخذت حيِّزًا من تفكيره هو "همّ" نجاح كلية الشريعة وأساتذتها وطلبتها ومحبتهم لبعضهم البعض، وهم العمل الإسلامي وكيفية النهوض به وبالحركة الإسلامية.
طريق الثغور
حمل الدكتور شويدح في قلبه منذ نعومة أظافره حب المقاومة والجهاد ومشاركة المرابطين على الثغور؛ حيث كان في استنفار دائم بين شباب المقاومة على نقاط الرباط، دون أن تلجمه الأوضاع الأمنية السيئة دومًا والمتدهورة أحيانًا عن ارتداء بزته العسكرية ملتزمًا بآداب الجندية غير خارج عن مضمارها، تحت إمرة شباب هم في عمر أولاده، رغم مكانته الحركية التي لم يبدها يومًا.
ويقول أحد المقاومين من الذي كان يحرص على الخروج برفقته: "رحمه الله د. أبو أيمن.. جسَّد بأفعاله وامتثاله للأوامر بأن الجندية طريق للقيادة".. يقول زميله وصديقه د. ماهر الحولي الأكاديمي المتخصص في الشريعة الإسلامية من مخيم دير البلح وسط القطاع:
الدكتور أحمد بطبعه لا يميل للحياة العسكرية، ورغم ذلك كان ملتزمًا بزيارة المرابطين على الثغور وتفقدهم حتى رحيله".
ويضيف د. ماهر: "في إحدى الليالي خرجت سيدة وقدمت لكل مرابط ثمن بزة وحذاء عسكري.. حينها قال د. أحمد: نحن أحق من النساء بهذا، ومنذ ذلك الوقت وهو يلازم المرابطين يتفقَّدهم ويقدم لهم المال والزاد بنفسه"، صمت رفيقه في الدراسة برهةً، متمتمًا:
"لم ينقصه علم أو مال أو جاه أو سلطان ليجهد نفسه، كان بإمكانه قضاء وقته في المنزل، لكنه أراد أن يدفع ويرفع من معنويات الشباب".
رجل فقه معاصر
صداقة د. الحولي للوزير الراحل وشهادة الدكتوراة للأخير بدأت في مهدها في الخرطوم العاصمة السودانية؛ سألته عن الانطباع الذي تركته في نفسه منذ عام 97، ردَّ د. ماهر قائلاً: "لم أفقد صديقًا بل عالمًا ربانيًّا، أحبه كل من التقى به، ودخل مهجة فؤاده، زرع في شخصيتي الكثير من المعاني، ما زلت أحاول أن أقلده في صفاء قلبه وعدم حمل الضغينة والحقد على أحد ورد الإساءة بالحسنى".
قضى الوزير العلامة أيامه الأخيرة والتي كانت تتمثل بشهر رمضان معتكفًا في عدة مساجد بغزة وقيام الليل وقراءة القرآن بصورة كبيرة، كما أقام وشارك في عدة إفطارات جماعية، وقال أحد أبنائه إن آخر كلام الدكتور شويدح قبل وفاته كان ذكرًا وتقوى الله وقراءة القرآن.
الوداع الأخير
لم يتوان الآلاف من المواطنين عن المشاركة في تشييع جثمان من أحبوه وغرسوا وحفروا ذكرياته في قلوبهم جنبًا إلى جنب مع نواب المجلس التشريعي وقيادات الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة؛ فقد توافد الآلاف إلى مستشفى الشفاء بغزة؛ حيث يرقد جثمان الدكتور شويدح وذلك للمشاركة في تشييع جثمانه.
ومع رفع أذان الظهر بمدينة غزة كان الجثمان قد وصل إلى المسجد العمري الكبير لتتم الصلاة عليه في هذا المسجد الذي طالما شهد له بقيام الليالي الأخيرة في شهر رمضان المبارك، وكذلك صلاة التراويح.
ومن المظاهر التي أثارت مشاعر المواطنين والمشيِّعين هي دموع رئيس الوزراء إسماعيل هنية التي انهمرت حزنًا على فراق أحد رفقاء دربه وصلاته وأحد وزراء حكومته.. الكثير من الشباب والوزراء والنواب كان مشهدهم كمشهد رئيس وزرائهم.. دموع غرغرت في عيونهم لفراق أحد علماء ومشايخ ووزراء هذا البلد.
على أحد جدران المسجد العمري من الداخل وقف أحد الشباب وقد بللت الدموع لحيته ولسانه يلهج بالدعاء بأن يرحم الله العلاًّمة الدكتور شويدح وأن يتقبله، ووقف مذكِّرًا المشيعين والناس بالأماكن التي شهدت سجود جبهته- رحمه الله- في الأيام الأخيرة من رمضان بصلاة التراويح وقيام الليل.
![]() |
|
هنيه في زيارة لشويدح في أيامه الأخيرة |
بدوره عدد رئيس الوزراء إسماعيل هنية- في كلمة له خلال مراسم التشييع- مناقب الراحل الفقيد، مشيدًا بإنجازاته خلال عمله القصير في الحكومة الفلسطينية، سواءٌ في وزارة العدل أو الأسرى، مستذكرًا أن الوزير الراحل كان قبل على الفور تكليفه في الحكومة المحاصرة والمضطهدة كمغرم لا مغنم دون الانتباه للمنصب أو التكليف.
ونعى الدكتور أحمد بحر رئيس المجلس التشريعي بالإنابة باسم نواب المجلس الوزير الراحل شويدح، مستذكرًا مسيرته وعطاءه بعد أن جمع بين الجهاد والعلم ليغدو أحد علماء الشعب الفلسطيني وأحد رموزه المجاهدة.
وشدد النائب الدكتور خليل الحية في كلمة حركة "حماس" خلال مراسم التشييع، على مكانة الراحل الفقيد كأحد أعلام الأمة وفرسان النضال الوطني والجهاد في العلم والإسلام من أجل رفعة وخدمة الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية.
وتقدم الحية بالتعزية الحارة إلى عائلة الفقيد والشعب الفلسطيني وحكومته، مؤكدًا أن آثار الراحل شويدح ومسيرته المضيئة ستبقي نبراسًا من بعده.
كما نعى الدكتور ماهر الحولي عميد كلية الشريعة والقانون في الجامعة الإسلامية الوزير شويدح، مستشعرًا بعظم المسئولية والأمانة بعد رحيل الفقيد، وأشاد الحولي بجهاد ورباط وعلم الوزير شويدح، وقال: "نفتقد اليوم فقيهًا كبيرًا برحيل الفقيد وعالم بشئون متطلبات وحاجيات الأمة وصاحب غزارة علم كبير ودقيق"، مضيفًا أن بوفاة الراحل كرامات عظيمة وهو الذي توفي بعد صيام وقيام رمضان.
كما أشاد النائب الدكتور مروان أبو رأس رئيس رابطة علماء فلسطين بمسيرة الوزير شويدح بما تمتع به من علم وفقه واسعين وتميزه بالإسلام الوسطي والمعرفة والدراية، مشيرًا إلى ظروف وفاته التي هي نصر للحكومة الفلسطينية التي تحاصر مع شعبها وتعاني ما يعانيه.
من جهته قال الشيخ عبد الكريم الكحلوت إنه يعز على الجميع الوقوف لنعي أحد رموز العلم ووداعه كابن بار وصديق حميم ورجل من رجال العلم، مؤكدًا أن الراحل كان رجل علم بكل ما تنطوي عليه الكلمة من معنى وواقع، وكان من آخر وصايا الدكتور شويدح لأبنائه "اتقوا الله".
