بعد ساعاتٍ قليلةٍ من الزيارة التي قام بها روبرت جيتس وزير الدفاع الأمريكي لتركيا يوم الخميس 28 فبراير وعدم صدور أي بيان بعد زيارته يتعلَّق بملفاتٍ عرضها على الجانب التركي، مثل المشاركة في العمليات بأفغانستان وبمشروع الدرع الصاروخي، سحبت تركيا بشكلٍ مفاجئٍ قواتها العسكرية في ساعةٍ مبكرةٍ من صباح الجمعة 29/2/2008 بعد تدخل عسكري دام 8 أيام بشمال العراق لضرب قواعد منظَّمة حزب العمال الكردية الانفصالية بي. كي. كي.
كانت رئاسة أركان الجيش التركي أعلنت بعد ظهر الجمعة 29/2/2008 أن القوات التركية عادت لقواعدها بعد إتمام عملياتها بشمال العراق، وقامت بقتل عدد 240 مسلحًا من المنظَّمة وأصابت عدد 500 هدف متنوع.
ونوَّه البيان العسكري إلى أن قرار سحب القوات ليس متأثرًا بضغوط خارجية، وأن تركيا هي التي اتخذت قرارَ التدخل وهي نفسها التي اتخذت قرار الانسحاب.
إذا لزم نعود مجددًا
الانسحاب المفاجئ للقوات التركية من شمال العراق نزل كالصاعقة على العاصمة أنقرة، وأحدث حرجًا لدى المسئولين الحكوميين؛ ففي الوقت الذي قال فيه جميل شيشك نائب رئيس الحكومة والمتحدِّث الرسمي باسمها "لا أستطيع أن أقول شيئًا قاطعًا في خصوص الانسحاب"، قال محمد علي شاهين وزير العدل إن الأهداف تحقَّقت من وراء العمليات، وإذا لزم نعود مرةً أخرى لها؛ لأن قرار البرلمان التركي في القيام بعمليات خارج الحدود لا زال مستمرًا.
ورأى سعد الله أرجينش نائب رئيس المجموعة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية أن رئاسة الأركان حين تقول إن الأهداف تحقَّقت يكون كلامها هو الصحيح، وكلما كان هناك حاجة للتدخل العسكري سنتدخل.
خيبة أمل المعارضة البرلمانية
البرلمان التركي

المعارضة البرلمانية أصيبت بخيبة أمل كبيرة من قرار سحب القوات من شمال العراق، فقال أونور أويمن نائب رئيس الحزب الجمهوري: إن التدخل الأمريكي وتأثيره السلبي على الإرادة التركية واضح بكل أسف ومرارة، ومن الواضح أن أمريكا تعهَّدت للأكراد بفرض انسحاب على تركيا في وقتٍ معينٍ ومحدَّدٍ، وهذا شيء يبعث على قلقنا وانزعاجنا، ونتعجَّب بشدة من تراجع أمريكا عن دعم تركيا في مكافحة الإرهاب.
وعلَّق جيهان باششجي نائب رئيس حزب الحركة الوطنية المعارض على قرار سحب القوات المبكر بقوله: "كان يلزم الاستمرار بالعمليات العسكرية لتوجيه ضربة قاصمة للإرهاب، وحتى الوصول لإقامة حزام أمني عازل على الحدود مع العراق، ونذكِّر هنا بوجود أمريكا بالعراق منذ عدة سنوات باسم مكافحة الإرهاب وما قامت به "إسرائيل" ضد لبنان عام 2006 كان باسم مواجهة الإرهاب"، ويضيف قوله: "كان يلزم الاستمرار بالعمليات لكي لا يكون بمقدور المنظمة الكردية العودة مجدَّدًا".
اللواء متقاعد علاء الدين برمق صيز أكَّد أن رئاسة أركان الجيش هي الجهة الوحيدة التي لديها المعلومات الصحيحة بشأن الأهداف وقرار الانسحاب، والمعتَقد أن الأخبار التي نُشرت في اليومين الأخيرين عن الاقتراب من منطقة نهر الزاب الأعلى هي التي خلقت أجواءً من انتظار المزيد من القوات.
ويقول المحلل السياسي التركي حسن جمال (جريدة ميلليت): "كان المعتقد أن تركيا ستقع في فخِّ المنظَّمة داخل العراق بموجب هجوم منطقة "داغليجه" الحدودي الذي وُقِّع في نوفمبر 2007، لكن هذا لم يحدث، ونحن بحاجة اليوم لعمليات مدنية ودبلوماسية سريعة بعد انتهاء العمليات العسكرية".
ويضيف قوله: "بالنظر لتصريحات اللواء حسن قونداقجي (متقاعد) فإن عمليات 1992 شارك فيها عدد 35 ألف جندي وآلاف من المعدات العسكرية، ومع هذا انسحبت تركيا رغم كون تلك العملية كانت أكبر من هذه العملية".
ويرى المحلل السياسي جنجزي شاندار أن أمريكا كزعيمةٍ لحلف شمال الأطلسي وتركيا عضو فيه يكون ممكنًا لها أن تضغط على تركيا وتطلب منها الانسحاب، وأمريكا دولة عظمى لها إمكانيات كبيرة تسمح لها بهذا الطلب، مع عدم نسيان دورها في تقديم معلومات عسكرية استخباراتية لتركيا؛ لكي تقوم بهذه العملية.
مراد يتكين المحلل السياسي التركي (جريدة راديكال) أعرب عن مفاجئته بقرار الانسحاب، مشيرًا إلى وجود جانب فني عسكري في المسألة، "ولا أستطيع القطع بما تمَّ التوصل إليه من أهداف".
من جهتها قالت المحللة السياسية لاله صاري إبراهيم أوغلو (مجلة جينز العسكرية): "إن القرار صائب وليس بمفاجئ، ومدى تأثير هذه العملية على المنظمة يتضح في الشهور القادمة، ولكني أعتبر العملية ناجحة.
ويقول يالم أرألب المحلل الدبلوماسي لشبكة (إن. تي. في الإخبارية): لا يجب أن نفاجَأ بالانسحاب؛ لأنه ليس ممكنًا البقاء بالعراق حتى آخر إرهابي؛ فليس هناك ظروف دولية تسمح بذلك، ولم تنجح أمريكا أو أية دولة على توجيه ضربة واحدة نهائية للإرهاب".
نزهت قاندمير سفير تركيا السابق بأمريكا، قال إن المؤسف في عملية الانسحاب أن نسمع عنها من طرف أكراد العراق وليس من طرف رسمي تركي، ومما لا شكَّ فيه وجود تناقض كبير بين تصريحات المسئولين الحكوميين والعسكريين يوم أمس وما حدث صباح اليوم، وكذا هناك تأثير أمريكي واضح الذي يطالب تركيا بخطوات سياسية واقتصادية لحل المشكلة الكردية.
أرجان شيت أوغلو (جامعة باغجه شهر الخاصة) قال: "لا أعتقد بوجود ضغوط دولية على تركيا أجبرتها على الانسحاب، وبدون التخمين أو الوقوف على أهداف العملية ربما تكون القوات التركية أنجزت أهدافها ولذا انسحبت"، لكن الباحث التركي بالشئون الإستراتيجية سادات لاتشينر رأى أن العملية العسكرية التركية بشمال العراق كانت سياسيةً أكثر منها عسكريةً؛ ولذا لم يفاجَأ بقرار الانسحاب.
![]() |
|
الفريق يشار بيوك آنيط رئيس أركان الجيش التركي |
كما تحدَّثت مصادر صحفية تركية مستقلة عن وجود مطالب أمريكية جديدة من تركيا، حملها وزير الدفاع لأنقرة، تتعلَّق بمشاركة القوات التركية الموجودة بأفغانستان بالعمليات العسكرية ضد طالبان وتنظيم القاعدة ومشاركة تركيا بمشروع الدرع الصاروخي الأمريكي بقبول وضع بطاريات صواريخ على أراضيها، وفتح القواعد العسكرية التركية للقوات الأمريكية للاستخدام في عمليات الانسحاب التدريجي المنتظَر لها من العراق.
