يبدو أن الأمور في موريتانيا تشهد تطورًا إيجابيًّا فيما يخص تعاطف الشعب الموريتاني مع إخوانهم الفلسطينيين المحاصرين في غزة؛ فقد دعا رئيس البرلمان الموريتاني مسعود ولد بلخير في خطاب افتتاح الدورة البرلمانية الاستثنائية منذ يومين السلطات في بلاده إلى قطع العلاقات مع "الصهاينة"، والتي وصفها بأنها "مشينة"، واعتبر مراقبون في نواكشوط أن الدعوة لأول مرة أمام قبة البرلمان لقطع العلاقات مع "الكيان" تمثِّل أوجَ الضغوط التي يتعرَّض لها الرئيس سيدي ولد الشيخ عبد الله من مختلف القوى السياسية في موريتانيا في هذا الخصوص.
وأضافوا أن الأمر بات قرار الرئاسة الموريتانية وحدها، في انتظار عرض تلك العلاقات على ممثِّلي الشعب الموريتاني، كما تعهَّد بذلك ولد الشيخ عبد الله قبل وبعد تنصيبه رئيسًا.
وقال ولد بلخير: "إن دماء الشعب الفلسطيني ما زالت تسيل في وضح النهار وأمام العالم، وما زالت غزة الحبيبة على قلوبنا مكبلةً بالاحتلال والإغلاق والتجويع والحصار والقتل؛ مما يدعونا نحن نواب الشعب الموريتاني إلى أن نطالب الحكومة الموريتانية بإعادة النظر في علاقات مشينة مع كيان، يقتل إخوتنا ويحتل أراضيهم ويحاصرهم".
ولم يكتفِ رئيس البرلمان الموريتاني بالمطالبة بقطع العلاقات، بل طالب بطرد "السفير الصهيوني" وإغلاق سفارة الكيان في بلاده، وإنهاء ما وصفها بالحالة الشاذة والمرفوضة والمتمثِّلة في وجود علاقات دبلوماسية متبادلة بين موريتانيا وإسرائيل.
![]() |
|
رئيس مجلس النواب الموريتاني مسعود ولد بلخير |
وكشف ولد بلخير الذي يترأَّس أيضًا حزب التحالف الشعبي التقدمي عن أن إنهاء حالة التطبيع بين موريتانيا والصهاينة وإغلاق السفارتين في نواكشوط وتل أبيب جزءٌ من "التعهدات المكتوبة" والموقَّعة بينه وبين الرئيس الموريتاني الحالي سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، والتي على أساسها دعمه في جولة الانتخابات الرئاسية الثانية منتصف مارس العام الماضي.
وأبدى ولد بلخير أسفه البالغ لما وصفه بالحملات المغرضة في الأيام الماضية التي هدفت إلى التشكيك في موقف حزبه وبعض قياداته من مسألة التطبيع مع الصهاينة, وقال: "لا أحد بإمكانه المزايدة علينا في هذا الموضوع؛ فأنا وحدي من بين رؤساء الأحزاب السياسية من وقَّع وفرض على الرئيس الحالي أن يضع حدًّا لهذه العلاقة".
تطبيع غير طبيعي
أما عن التطبيع وكيف تطور بهذه السرعة؛ فقد تطورت العلاقات الموريتانية الصهيونية فجأةً ودون مقدمات، وتحوَّلت إلى تطبيع شامل في وقت قياسي لم تكن له سابقةٌ في العلاقات العربية الإسرائيلية، فقد اعتادت القيادات العربية المطبعة التمهُّل والتستُّر حفاظًا على ماء وجهها، لكن القيادة الموريتانية سلَكَت سبيلاً مغايرًا تمامًا, وقد أثارت العلاقات الموريتانية الصهيونية استغرابًا كبيرًا من الجميع شمل الداخل الموريتاني والخارج العربي، واستوى فيه دعاة التطبيع الشامل والمتمسكون بالمقاومة حتى النهاية، ولم يكن هذا الاستغراب مستغربًا للأسباب الآتية:
فموريتانيا ليست من دول الطوق ولا حتى من دول "الشرق الأوسط" التي قد تتخذ من ضرورات الجغرافيا السياسية ذريعةً إلى نوع ما من التعاطي مع الدولة اليهودية، بل هي دولة نائية المكان يمكن أن تعيش كل تاريخها خارج نطاق المحور الشرق أوسطي وتعقيداته.
ولم تبدأ القيادة الموريتانية علاقاتها مع الصهاينة في وقت يسمح بالحفاظ على ماء الوجه كما فعلت بعض الدول العربية بعد مؤتمر مدريد واتفاق أوسلو؛ بدعوى أن الحكومة الصهيونية آنذاك "حكومة سلام"، بل جاءت الخطوات الموريتانية في أسوأ وقت للقضية الفلسطينية، وفي ظل أسوأ حكومة يمينية حكمت الدولة العبرية.
بدأت القيادة الموريتانية مسيرتها في التودُّد إلى الصهاينة في وقت كانت فيه العلاقات بين الصهاينة والدول العربية المطبعة تسوء يومًا بعد يوم، إضافة إلى الواقع الفلسطيني المأساوي، فكانت الخطوات الموريتانية معاكسةً لكل تفكير منطقي ينظر إلى عموم الوضع الفلسطيني والعربي في مجمله.
لهذه الأسباب مجتمعةً كان طبيعيًّا أن يستغرب الجميع خطوة القيادة الموريتانية، وأن تثير سخط الجميع، بمن فيهم من لا يمكن اتهامهم بمعاداة التطبيع أو تشجيع المقاومة.
تبريرات محيِّرة

وفي سبيل ذلك ادعت حكومة نواكشوط أن "المصالح العليا" للشعب الموريتاني هي التي فرضت هذا السلوك، وهو الشعب الذي عبَّر بكل وسائل التعبير المتاحة عن سخطه واشمئزازه من تلك العلاقات ونزل إلى الشارع بكافة قواه السياسية والاجتماعية وتحمَّل الجراح والسجون والتعذيب في رفضها؛ "فقد ادَّعت القيادة الموريتانية أن الدافع إلى إقامة علاقات مع الصهاينة هو خدمة الفلسطينيين عبر فتح قنوات التأثير في الدولة اليهودية.. والواقع يشهد أنها جرحت مشاعر الفلسطينيين أكثر من مرة، وهي تتفاخر بمدِّ اليد لشارون في أوجِ مذابحه لهم، حتى طالب بعضهم بسحب عضوية موريتانيا من جامعة الدول العربية".
وادعت أن الأمر لا يعدو أن يكون تطبيقًا لروح أوسلو ومؤتمر مدريد، وما تضمَّناه من التزام ضمني من الدول العربية بالانخراط في مسيرة التطبيع، وهذه دعوى لا تقوم في ظل حكم اليمين الصهيوني الذي لا يعترف بمرجعية أوسلو ولا مدريد (وقد أعلن شارون مؤخرًا إلغاء هذه الاتفاقات).
وقالت إن "المصالح العليا" للشعب الموريتاني هي التي فرضت هذا السلوك، وهو الشعب الذي عبَّر بكل وسائل التعبير المتاحة عن سخطه واشمئزازه من تلك العلاقات، ونزل إلى الشارع بكافة قواه السياسية والاجتماعية وتحمل الجراح والسجون والتعذيب في رفضها.
وفي المقابل هل يستطيع بلخير فعلاً أن يفي بتصريحاته النارية ويطرد السفير الصهيوني من بلاده, ويقوم بقطع العلاقات وسحب السفير الموريتاني من تل أبيب وبخاصة أن موريتانيا دولة إسلامية ونسبة المسلمين بها 100% ويعارض أبناء الشعب الموريتاني التطبيع منذ البداية؟!
