تحت عنوان "فوج قهر الحصار".. أُقيمت بعد ظهر السبت فعاليات حفل تكريم حجاج قطاع غزة الذين استطاعوا بثباتهم كسر الحصار المفروض على القطاع والخروج لأداء فريضة الحج ثم العودة من معبر رفح، وقد دعا لهذا الاحتفال الذي أُقيم في ملعب فلسطين، ديوان رئيس الوزراء إسماعيل هنية، وحضر الحفل عددٌ من نواب المجلس التشريعي والقيادات الفلسطينية والوزراء، بالإضافة إلى الحجاج، وجمهور غفير من مواطنين قطاع غزة.

 

وافتتح الحفل بقراءة القرآن الكريم بصوت أحد الحجاج العائدين، ثم وقوف الجميع لقراءة الفاتحة على أرواح الشهداء وبخاصة الحجاج الذين ارتقوا على المعابر بسبب الحصار، وكذلك الذين تمَّت تصفيتهم بأيدي العدو الصهيوني عند عودتهم من معبر بيت حانون.

 

وقد تميَّز الحفل على غير عادة الاحتفالات بترتيب إلقاء الكلمات بشكلٍ مختلف؛ حيث ألقى الدكتور صالح الرقب- رئيس بعثة الحج ووكيل وزارة الأوقاف- كلمته، ثم تبعه الدكتور أحمد بحر رئيس المجلس التشريعي بالإنابة، واختتم الحفل بكلمة رئيس الوزراء إسماعيل هنية ثم تكريم الحجاج.

 

كما تميَّزت جميع الكلمات بقوتها وتدعيمها بآياتِ القرآن الكريم وربطها بالواقع بما كان عليه المصطفى- صلى الله عليه وسلم- والصحابة، رغم أنها كلمات ارتجالية لم تُقرأ من الورق، كما قطع هنية كلمته ليقوم أحد الحضور برفع آذان العصر.

 

وقد افتتح الجميع كلماتهم واختتموها بجزيل الشكر والعرفان لكلِّ مَن ساهم في هذا "النصر" بدءًا بالحكومات العربية، حكومة مصر الشقيقة وعلى رأسها الرئيس محمد حسني مبارك لقراره الجريء بفتح المعبر رغم الضغوطات الشديدة التي تعرَّض لها، وكذلك لحكومةِ الأردن وعلى رأسها الملك عبد الله الذين تلقوا الحجاج بالترحيب، وأصدروا الأوامر بنقلهم من ميناء العقبة إلى ميناء نويبع، وحكومة المملكة العربية السعودية التي اعترفت ببعثة غزة وبرئيسها، وقدَّمت كافة التسهيلات الممكنة للحجاج، ثم المنظمات والمجالس النيابة والنقابات وعلى رأسها اتحاد الأطباء العرب ونقابة الأطباء المصرية، وانتهاءً بالشعوب التي قالت كلمتها بضرورة فتح المعبر.

 

وعن المعاناة التي لقيها الحجاج قال الرقب: "كنتُ أشعر بآلام مَن فقدوا الدواءَ من كبار السن وبآلام العجزة والنساء، لكني كنتُ على ثقةٍ كبيرةٍ بالله سبحانه وتعالى أن النصر حليفهم، وأن عودتهم المظفرة للوطن ستكون ومن معبر رفح كما خرجوا من معبر رفح".

 

ولفت الرقب الأنظار إلى أن حكومة رام الله لم تكفَّ عن "المناكفة" حتى في مكة، فقد طلبت من السلطات السعودية الفصل بين بعثتي الحج، بعثة غزة وبعثة رام الله، حتى لا يحدث بينهم شجار وهذا غير صحيح، كما طلبت بوضع حجاج غزة في منى في مكانٍ مرتفع يصعب الوصول إليه، فتحملنا ذلك، واختتم كلمته بالآية الكريمة ﴿إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ (آل عمران: من الآية 120).

 

 الصورة غير متاحة

د. أحمد بحر

وفي سياقٍ متصل، ألقى الدكتور أحمد بحر- رئيس المجلس التشريعي بالإنابة- كلمته التي افتتحها بالآية الكريمة: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6)﴾ (القصص)، وتابع: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38)﴾ (الحج)، وبدوره أشاد بحر بوحدة الصف الفلسطيني وبالإصرار الذي تمسَّك به الحجاج قائلاً: "سمعتُ امرأةً حاجة أثناء متابعتي للوضع من خلال الجوال، كانت تقول: لن نرجع إلا عن طريق معبر رفح، فعلمتُ أن الله سبحانه وتعالى لن يُضيع تعب هؤلاء الحجاج، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128)﴾ (النحل).

 

وتابع: "القضية ليست قضية حجاج وإنما هي إذلالٌ للشعب الفلسطيني وللحكومة ليعبر الحجاج عن طريق معبر كرم أبي سالم، لكنَّ الله يريد شيئًا آخر وهو عزة حجاج بيته الحرام ليعود وفد الله بكل عزةٍ وكرامة فأهلاً وسهلاً بكم".

 

وانتقد بحر بشدة التوافق بين خطابات بوش وأولمرت وبين خطاب رئيس السلطة، ووصفه بأنه توافق للمؤامرة على القضية الفلسطينية، وعلى المقاومة الفلسطينية، قائلاً: "بوش منذ أن وطئت أقدامه النجسة أرض الوطن وتصريحاته تُعلن للعالم كله أن أمريكا ستحفظ أمن دولة الكيان المسخ بيهودية الدولة".

 

كما استنكر بحر دعوى بوش لعباس بالقضاء على المقاومة عندما قال له: "لن تُقام دولة فلسطينية إلا بالقضاء على الإرهاب، وعليك أن تحسم هذه المسألة بالقضاء على الإرهاب".

 

كما شدد بحر على أن الشعب الفلسطيني لا يمكن ابتزازه "بالمال السياسي المشبوه" الذي يدعمون به الأجهزة الأمنية، كما حدث قبل الحسم ليكون العبث والانفلات والانقسام، مؤكدًا أن المقاومة ستنتصر بإذن الله لأنها موحدة، وبإذن الله ستضرب بيدٍ من حديدٍ، وستظل رافعةً مشهرةً بندقيتها حتى النصر قائلاً: نحن عاهدنا الله أن نظل أوفياءَ للقدس واللاجئين والثوابت الفلسطينية.

 

وبحفاوةٍ شديدةٍ استقبلت الجماهير رئيس الوزراء إسماعيل هنية، الذي هنَّأ الحجاجَ بسلامةِ العودة، ووصف رحلة الحج قائلاً: "كان الخروج عبر معبر رفح فتحًا، وكانت العودة نصرًا، ومقامكم في أرض غزة بعد الحج مكرمة ونعمة"، وتابع قائلاً: "نقول ذلك لأن الكثيرين كانوا يتربصون بكم لعدم إتمام هذه الرحلة، حتى تتم الهزيمة المعنوية للحجاج ولأهل القطاع عامة".

 

كما وصف الخروج من غزة بأنه "خروج من بطن الحوت، خروجٌ من قلب الحصار، حدود مغلقة وبحر مسيج، وأجواء محتلة، وآلاف من الحجاج سيخرجون بالقراءات المادية لم أحد يتوقع ذلك، ولكنها رعاية الله ولطفه، لكنه القدر، فأنتم مُسجَّلون عند الله في بعثةِ الحج لهذا العام، وما كان لقوةٍ في الأرض أن تُوقف أقدار الله، فلذلك كان الخروج فتحًا بهذا المعنى، وكانت العودة نصرًا بهذا المعنى، وكان المقام بيننا نعمة ومكرمة من الله سبحانه وتعالى".

 

 الصورة غير متاحة

حضور كثيف في حفل تكريم الحجاج الفلسطينيين

وأضاف هنية، هذا التكريم ليس فقط للحجاج إنما الحجاج هم الذين كرموننا، فقد تضافرت عوامل عدة، لتكون هذه النهاية السعيدة، أولها صمود الحجاج أنفسهم ووحدة الكلمة والموقف وعدم الخروج على وحدة هذا الموقف بين الحجاج الذين هم قرروا عدم العودة إلا من معبر رفح، فرغم أن الصمود البطولي 6 أيام ذهابًا و8 أيام عودة، وحجاج القطاع يستقلون الحافلات والعبرات في البحر والبر على المعابر، إلا أن الموقف كان واحدًا، وهذا هو جوهر الموقف.

 

كما شبَّه هنية هذا الصمود بموقف المبعدين في مرج الزهور قائلاً: "يوم أن أُبعد المئات إلى جنوب لبنان، فيوم أن وطئت أقدامنا أرض الجنوب قال الأستاذ عبد الفتاح دخان من بين الجبال والهضاب وتحت الأمطار، وفي قلب البردِ القارص والعالم كله يترقب، قال كلمةً: والله لو نعضُّ على صخرةٍ من صخور لبنان لن نُغادر هذا المكان إلى أي مكانٍ في العالم غير فلسطين، ثبت المبعدون فكانت العودة لأرض فلسطين، وأنتم الآن تعيدون تلك الصفحة المضيئة.. ثبت الحجاج فكسروا الحصار وأبطلوا المؤامرة وكتب الله لهم هذه العودة الكريمة.

 

كما دعا هنية صُناع القرار أن يتعلموا من العجوز الفلسطينية المريضة التي كانت تظهر على شاشات الفضائيات، وتؤكد أنها لن تعود إلا من معبر رفح، فإن إرادة المحتل ليست قدرًا على الشعب الفلسطيني، وإن كلمة الأمريكان ليست سيفًا على رقابنا، وإننا قادرون على أن نكسر كلمة المحتل ونكسر سيف الأمريكان المصلت على رقاب الشعب والأمة.

 

وعن زيارة بوش للمنطقة قال هنية: "تصريحات بوش تصبُّ في ثلاث مسارات، مسار سياسي ومسار أمني ومسار اقتصادي، فلما تفحصنا رؤيته السياسية، وإذا بها تعتمد يهودية الدولة العبرية وتغيير في حدود 67، وشطب الحق عودة اللاجئين، وإخراج القدس وإبقاء المستوطنات في الضفة الغربية.

 

أما في الجانب الأمني فقد ركَّز على ضرورة تطبيق خارطة الطريق التي تعني مواجهة المقاومة والمقاومين، وفي هذا المجال قال الصهاينة إن أي دولة مستقبلية فلسطينية يجب أن تخضع للخطوط الحمراء الإسرائيلية والإطار الأمني، وهي خمسة خطوط:

أولاً: تطبيق خارطة الطريق.

 

ثانيًا: احتفاظ قوات الاحتلال بما يُسمَّى بالتدخل السريع والملاحقة الساخنة داخل الأراضي الساخنة.

 

ثالثا: دولة فلسطينية منزوعة السلاح.

 

رابعًا: احتفاظ عسكري إسرائيلي بمنطقة الأغوار.

 

خامسًا: تعزيز التنسيق والتعاون الأمني مع قوات الأمن الفلسطينية.

 

 الصورة غير متاحة

جانب من حضور الحفل

هذا هو المنظور الأمني للدولة الفلسطينية التي يعدون الشعب الفلسطيني بها، أما المسار الاقتصادي فإن الملايين والمليارات مشروطة، ويجب أن تُوجَّه لوجهاتٍ محددة، وأنا أقول بأن المليارات التي تصل إلى رام الله لا يدخل منها إلى الشعب الفلسطيني في القطاع شيء، والكثير من أبناء شعبنا الفلسطيني في الضفة أيضًا محرومون من هذه الملايين"، وأكد هنية أن "الحديث عن الإنفاق على قطاع غزة لا أساسَ له من الصحة".

 

وشدد هنية على رفض تصريحات بوش قائلاً: "أقول وبشكلٍ واضحٍ إن المسار السياسي والاقتصادي لرؤية بوش مرفوض ولا نقبله، فنحن لا نقبل دولةً فلسطينيةً مقسمةً، لن نقبل بشطبِ القدس، لن نقبل بشطب حقِّ العودة، لن نقبل بعدم الإفراج عن 11 ألف أسير فلسطيني، لن نقبل ببقاء المستوطنات على جزءٍ من الأرض الفلسطينية".

 

وتابع: "أقول بكل ثقة واطمئنان بوش سيذهب، وسيبقى الشعب الفلسطيني، بوش سيذهب وستبقى القدس وستبقى القضية الفلسطينية، وستبقى الأمة هذه إرادة الطغاة وإرادة الطغاة مهزومة؛ لأنها تعتمد على القوة الغاشمة".

 

كما أكد هنية تمسك حكومته بما تم الاتفاق عليه في وثيقة الوفاق الوطني، مطالبًا بضرورة أن يتوقف التعاون الأمني البغيض بين الأجهزة الأمنية في الضفة وبين الاحتلال الصهيوني، كما طالب بضرورة فتح المعبر للمرضى والعالقين والحجاج وكافة أبناء الشعب الفلسطيني.