بالرغم من كونه يعتبر الفرصة الأخيرة للإدارة الأمريكية الحالية، لتحسين صورتها أمام الرأي العام العالمي والأمريكي، وإعطاء بعض المصداقية لتحركاتها الدولية، بعد سلسلة الإخفاقات التي مُنيت بها على صعيد عملية السلام وتحقيق الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، إلا أن الإدارة الأمريكية- على ما يبدو- تصر على فرض وجهة نظرها بما يخدم مصالح الكيان الصهيوني على الأطراف العربية والفلسطينية، والتوصل لنقاط اتفاق وهمية من أجل أن يخرج المؤتمر المقبل بصورةٍ تُوحي للمجتمع الدولي بإصرار الإدارة الأمريكية- مثلما وعدت في السابق- بوضع حدٍّ للمأساة الفلسطينية الحالية، متجاهلةً السخط العربي الرسمي والشعبي على عدم جدية تحركاتها فيما يتعلق بعملية السلام؛ الأمر الذي قد يدخل المنطقة في نفقٍ مظلم، بعد أن فرض الموقف الأمريكي معادلة صعبة على الحكومات العربية، التي يتعين عليها أن تختار ما بين الرضا الشعبي الذي صار ساخطًا على الإدارة الأمريكية الحالية، وعلى كلِّ مَن يتعامل معها، وبين الرضا الأمريكي الذي يرفض أي اعتراضٍ على قراراته الخاصة بعملية السلام في المنطقة.

 

توقيت المؤتمر

وتأتي الدعوة لمؤتمر الخريف في ظل أوضاع إقليمية ودولية- بالنسبة للإدارة الأمريكية الحالية-، أقل ما توصف به أنها مأساوية؛ حيث تعاني من مأزقٍ شديدٍ في العراق، بسبب تزايد حدة المقاومة، وقيامها بتكثيف هجماتها على القوات الأمريكية، وإصابة أعدادٍ كبيرةٍ منهم، وبصورةٍ تفوق بكثيرٍ ضحايا الغزو الأمريكي للعراق، هذا بالإضافة إلى التكلفة المالية العالية التي تتكبدها الولايات المتحدة بسبب وجود قواتها هناك، والذي يفوق بمراحل ما كان مخططًا له أثناء عمليات الغزو؛ الأمر الذي تسبب في الإضرار بصورة الإدارة الأمريكية الحالية ومعها الحزب الجمهوري.

 

وفي أفغانستان لا يختلف الوضع كثيرًا، بل على العكس، الوضع هناك يزداد سوءًا بعد عودة حركة طالبان مرةً ثانية، وسيطرتها على بعض المناطق، وإلحاقها خسائر فادحة بقوات التحالف هناك، بل وإجبارها بعض الدول المشاركة للولايات المتحدة في التحالف بتقليل مشاركتها.

 

وفي نفس السياق يمكن القول بأن الحرب الأمريكية على الإرهاب قد أُصيبت بسبب سياسات الإدارة الأمريكية الحالية في مقتل، لدرجة أن البعض صار يتهم إدارة بوش بالتسبب في ازدياد الحركات الإرهابية بعد الحادي عشر من سبتمبر، بدلاً من القضاء عليها أو حتى الحد منها.

 

وتأتي الدعوة للمؤتمر كذلك في ظل تصاعد التهديدات الأمريكية لإيران والرغبة في وضع حدٍّ لسعي طهران لامتلاك تكنولوجيا نووية، حتى لو تطلب ذلك توجيه ضربةٍ عسكريةٍ للمنشآت النووية الإيرانية، على غرار ما فعلته إسرائيل مع العراق.

 

كل ذلك يدفع أمريكا والكيان لأن يعملا على تسكين القضية الفلسطينية- ولو مؤقتًا- من أجل أن يتمكنا من استكمال مخططاتهما للسيطرة على المنطقة وتطويعها وفقًا لأهوائهما ورغباتهما الخاصة، خاصةً بعد أن بدآ يواجهان نقدًا شديدًا سواء من قِبل الرأي العام الأمريكي أو من قِبل المجتمع الدولي غير الراضي عن سياسات أمريكا والكيان في منطقة الشرق الأوسط.

 

ولذلك نلحظ- حسب تأكيدات الخبراء والمحللين- مدى حرص الإدارة الأمريكية والصهيونية على استرضاء العرب والرئاسة الفلسطينية، عن طريق إظهار رغبتهم في تحقيق تقدمٍ ملموسٍ على صعيد عملية السلام بالمنطقة، حتى يتسنى لهم الاستفادة من تلك الدول في حال القيام بشنِّ أي حربٍ خاطفةٍ على إيران.

 

أهداف المؤتمر
 
 الصورة غير متاحة

بوش يضغط على عباس لضرب المقاومة

في ظل ذلك الوضع الدولي المتأزم على جميع الصعد الداخلية والخارجية تهدف إدارة الرئيس الأمريكي بوش من وراء ذلك المؤتمر إلى تحقيق عدة أهداف تتمثل في:

أولاً: تحسين صورة الرئيس الأمريكي بوش وحزبه الجمهوري أمام الرأي العام الأمريكي والدولي الذي يتهمهم بتحقيق المصالح الصهيونية على حساب المصالح الأمريكية الخاصة، وفي القلب منها المصالح الأمريكية- العربية.

 

ثانيًا: استغلال الوضع الدولي المؤيد للرئيس الفلسطيني محمود عباس "أبو مازن" من أجل ضرب حركة المقاومة الإسلامية حماس، والقضاء على المقاومة الفلسطينية، عن طريق تقديم بعض الدعم الصوري للحكومة الفلسطينية الحالية، وإحكام الحصار على غزة، وإثارة القلاقل الداخلية من أجل دفع الناس للثورة عليها، ليس هذا فحسب بل وتجفيف منابع الدعم التي تحصل عليها حركات المقاومة الفلسطينية من الخارج، خاصةً من قبل سوريا ولبنان وإيران، بل وضرب حركات المقاومة في المنطقة العربية، وعلى رأسها حزب الله اللبناني.

 

ثالثًا: تسكين وتهدئة الأطراف العربية الرافضة للدعم الأمريكي المطلق للكيان، خاصةً بعد رفضه مبادرة السلام العربية التي تقدمت بها السعودية مؤخرًا، والزعم بجدية إدارة بوش هذه المرة في حثِّ الكيان على تقديم الدعم الكامل للرئيس الفلسطيني أبو مازن، وتحقيق بعض ما سبق وصرَّح به بوش فيما يتعلق بإقامة الدولة الفلسطينية.

 

رابعًا: الحصول على الدعم العربي الكامل فيما يتعلق بالحرب الأمريكية المحتملة ضد طهران، خاصةً بعد إصرار الحكومة الإيرانية الحالية على الاستمرار في سياسات تخصيب اليورانيوم مهما كانت التحديات.

 

خامسًا: الحصول على الدعم العربي فيما يتعلق بالأوضاع الأمنية المتدهورة في العراق عن طريق حثِّ الدول العربية على الإسهام في تكلفة الوجود الأمريكي هناك، ودفعهم للمشاركة في عمليات التدريب والتهيئة الخاصة بالقوات العراقية من أجل بسط النفوذ والسيطرة على مختلف المناطق العربية.

 

مؤتمر بلا أجندة

في الواقع يفتقد مؤتمر أنابوليس لوجود أجندةٍ موضوعيةٍ متفق عليها من قِبل جميع الأطراف المشاركة فيه، وإنما فقط مجموعة من النقاط العمومية التي سبق وتم التحدث بشأنها دون أن يتم التوصل إلى حلولٍ لها؛ ولذلك لُوحظ في بداية الدعوة للمؤتمر رفض بعض الدول العربية حضوره ما لم يتم الاتفاق على أجندةٍ محددة له، على اعتبار أنه لن يكون أكثر من مكلمة يتحدث فيها الجميع، دون أن يكون لذلك الكلام أي تأثيرٍ على أرض الواقع، ومن تلك الدول السعودية ومصر التي أوقفت قبولها للمؤتمر على ما ستسفر عنه جولة رايس الأخيرة، ثم قررتا في النهاية المشاركة بوفدٍ رفيع المستوى.

 

وكان الرئيس مبارك قد صرَّح أكثر من مرةٍ بأن مؤتمر الخريف بلا أجندة، مطالبًا بوضع أجندة محددة له، إذا ما كان يُرجى تحقيق أية نتائج إيجابية بعد عقده، وذلك حتى لا يكون نسخة مكررة من اللقاءاتِ والمؤتمرات السابقة، سواء التي عُقدت مؤخرًا في شرم الشيخ، أو تلك التي عُقدت في أمريكا.

 

 الصورة غير متاحة

بشار الأسد

كما أكد الرئيس السوري بشار الأسد أن دمشق لن تحضر المؤتمر ما لم تتأكد من جديته ومن طرح قضية الجولان المحتل، مشددًا على أن سوريا تذهب للمؤتمر "عندما يكون السلام العادل والشامل هو الأساس والهدف، أي عندما يشمل قضية الجولان، فالمسار السوري أساسي وقضية الجولان هي رقم واحد"، مشيرًا إلى أن "المؤتمر لم يسبقه أي تحضيرٍ على الإطلاق"، وبالتالي فهو "يفتقر لأي فرص نجاح".

 

إلا أنه وبعد الزيارات المكثفة التي قامت بها وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس ومندوبوها إلى المنطقة من أجل إقناع الدول العربية (الضغط عليها) وعلى رأسها السعودية بالمشاركة، قد دفعت الدول العربية لأن تعلن في اجتماع وزراء الخارجية العرب بمقر جامعة الدول العربية 23/11/2007م قبول دعوة الرئيس الأمريكي بوش لحضور اجتماع أنابوليس للسلام يوم الثلاثاء المقبل في الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن بشرط إطلاق عملية التفاوض الجاد والشامل بين العرب و"الإسرائيليين" من أجل الوصول إلى سلامٍ عادلٍ وشاملٍ على جميع المسارات العربية، وانطلاقًا من المبادرة العربية للسلام.

 

وذلك بالرغم من مطالبة حركة حماس جميع الأطراف العربية بمقاطعة لقاء الخريف واتخاذ مواقف حاسمة لحماية القضية الفلسطينية من عمليات التصفية والشطب، داعيةً في بيانٍ لها السلطة الفلسطينية لإعادة تقييم موقفها حول المشاركة في لقاء الخريف بعد تصريحات رئيس وزراء الصهيوني إيهود أولمرت الأخيرة، والخاصة بصعوبة إبرام معاهدة مع الفلسطينيين في الوقت الحالي، بزعم أن الطريق نحو تحقيق ذلك مليء بالعقبات.

 

تحركات يائسة

بعد أن بدا للإدارة الأمريكية مدى تصلب الموقف العربي بشأن حضور اجتماع "أنابوليس"، ومطالبة البعض منهم وعلى رأسهم مصر على لسان وزير الخارجية أحمد أبو الغيط بتأجيل عقد المؤتمر إلى أن يتم الاتفاق على أجندة المؤتمر، عمدت الإدارة الأمريكية إلى إرسال وزيرة خارجيتها كوندوليزا رايس أكثر من مرةٍ من أجل الاجتماع بأطراف المؤتمر في فلسطين و"إسرائيل" والأردن ومصر، والحصول على موافقاتهم الخاصة بحضوره.

 

وبالفعل نجحت رايس في إقناع الأطراف العربية بالمشاركة في المؤتمر، بعد وعودٍ منها بطرح مختلف القضايا على أجندة المؤتمر، وصولاً إلى سلامٍ عادلٍ وشامل، خاصةً بعد إصرار العديد من الدول العربية على تناول كافة القضايا العالقة الخاصة بعملية السلام في المنطقة.

 

إلا أنه ورغم ذلك يبدو من خلال قراءة مجمل اللقاءات التي تمت بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس "أبو مازن" ووزيرة الخارجية الأمريكية رايس مع رئيس الوزراء الصهيوني إيهود أولمرت، والتي لم تسفر عن اتفاقاتٍ محددةٍ بشأن المسائل العالقة بين الطرفين الفلسطيني والصهيوني، بالإضافة إلى رفض الحكومة الصهيونية الاتفاق على بعض البنود الخاصة بالمؤتمر، وإصرارها على تنفيذ رؤيتها الخاصة بعملية السلام؛ الأمر الذي دفع الرئيس الفلسطيني أبو مازن- في بعض الفترات السابقة- لأن يهدد بعدم حضور المؤتمر ما لم يعترف الكيان بالشروط الفلسطينية الخاصة بإقامة الدولة وعودة اللاجئين.

 

إن المؤتمر لن يسفر عن نتائج مرجوة سواء للفلسطينيين أو للصهاينة، وما يؤكد ذلك ما أشارت إليه الإذاعة العبرية مؤخرًا من أن ممثلي الكتل المشاركة في الائتلاف الصهيوني الحاكم يرفضون بصورةٍ شبه مطلقةٍ إعطاء الرئيس الفلسطيني أبو مازن أية ضمانات خاصة بعملية السلام، وقد وصل الأمر لدرجة قيام وزيرة الخارجية الأمريكية رايس بالضغط على أبو مازن كي ينسى فكرة التوصل للوثيقة التي تتطرق لتحديد جدول زمني لمفاوضات الحل النهائي، بعد الضغوط الصهيونية الشديدة على الإدارة، وإصرار الأطراف الصهيونية المشاركة في حكومة أولمرت تقديم أية تنازلاتٍ حتى ولو كانت شكلية.

 

ولذلك كله يعتقد الخبراء أن فرص نجاح المؤتمر ضئيلة للغاية؛ وذلك للعديد من الأسباب منها؛ عدم وجود أجندة للمؤتمر، وعدم رغبة الإدارة الأمريكية في الضغط على الصهاينة من أجل تنفيذ بعض المطالب الفلسطينية والعربية، واعتبار الكيان أن الوضع الدولي الحالي يصبُّ في صالحه، ومن ثَمَّ فلن يقوم بتقديم أية تنازلات، بالإضافةِ إلى يأس الدول العربية من إدارة بوش، وفي نفس الوقت عدم تخوفها منها على أساس أنه لم يبق على رحيلها سوى عام فقط لن تستطيع خلاله توجيه أي تهديدٍ مباشرٍ لحكومات تلك الدول.

 

وفي العموم تبقى وحدة الصف الفلسطيني، وسعي جميع الأطراف لتجاوز الخلافات التي وقعت في الفترة الأخيرة، مع الاتفاق على رؤية واضحة وبرنامج تحركٍ مشتركٍ تتفق عليه جميع الفصائل الفلسطينية، السبيل الوحيد لانتزاع حقوق الشعب الفلسطيني المغتصبة، يُضاف إلى ذلك أهمية اتفاق الدول العربية على موقفٍ موحدٍ يدعم الجانب الفلسطيني مبني على إستراتيجية عربية للتحرك والعمل بموجبها في جميع المحافل الدولية والإقليمية، مع عدم الانسياق وراء المساعي الأمريكية والصهيونية الخاصة بحصار حماس، خاصةً أنه قد ثبت للجميع فشل ذلك الخيار، بل وضرره على أمن واستقرار الأراضي الفلسطينية والمنطقة العربية على حدٍّ سواء.