من بين الأخبار التقليدية كأخبار فلسطين والعراق ولبنان.. التي تظهر في وسائل الإعلام المصرية هذه الأيام، قيام طلبة الجامعات (الأزهر أو المنوفية أو القاهرة أو عين شمس..) بالمظاهرات الحاشدة بجميع الكليات، وتنظيمهم وقفةً احتجاجيةً، رفعوا خلالها الأعلام السوداء، مطالبين بالإفراج الفوري عن زملائهم الذين اعتقلتهم أجهزة الأمن الأسبوع الماضي.

 

في مثل هذه الأيام من العام الماضي اجتاحت الجامعات المصرية موجاتٌ من الأحداث الهائلة "شطب العديد من الطلبة المرشحين لانتخابات الاتحادات الطلابية.. اعتصامات.. مظاهرات.. اشتباكات.. انتخابات موازية لاتحاد حر بعيدًا عن الاتحاد الرسمي.. مجالس تأديب.. فصل الطلبة.. حرمانهم من أداء الامتحانات.. حبس الطلبة بالجملة واعتقالهم، وكانت فضيحة عالمية للنظام، اضطَّرَّت القيادة السياسية إلى التدخل للإفراج عن الطلبة المحبوسين منعًا لاستمرار هذه المسرحية السخيفة، وأَُسدل الستار عن هذه الأحداث".

 

وظن بعض الناس خيرًا، فرُبَّ ضارة نافعة، فقد يكون ذلك سببًا في رفع يد الأمن عن الجامعات، وترك شئونها لتسير بصورة اعتيادية كما سارت عشرات السنيين من قبل، وبغض النظر عن انتماءات الطلبة أو اتجاهاتهم السياسية، لماذا يُحرَمون من أبسط حقوقهم الطبيعية، وهو حق التعبير عن رأيهم، وانتخاب من يمثلهم في اتحاد الطلبة؟! وهل سيتأثر الأمن القومي للبلاد لو تمكَّن مجموعة من الطلبة- من غير المنتمين للحزب الوطني- من مجلس اتحادهم؟!

 

إلا أن أمر هذا النظام عجيب؛ فالاستفزاز أبرز سماته، كالأب الذي يستعقُّ أبناءَه، فما من شريحة في المجتمع إلا واتخذها- دون داعٍ- خصمًا له، كالقضاة والمهنيين؛ بفرض الحراسة على نقاباتهم، والعمال والصحفيين.. وغيرهم، ولم يبقَ إلا الأجنَّة في بطون أمهاتهم ليستثيرهم.

 

يا سادة.. الأمر جدُّ خطير!! إن ما يحدث سنويًّا من تسلُّط النظام على الطلبة في انتخاباتهم له آثارُه الوخيمة على شباب الوطن على المدى القريب وعلى المدى البعيد، فما يحدث الآن ضد الطلبة يمكن أن يكون سببًا في أن يزرع في نفوسهم مبدأ: البقاء للأقوى، بمعنى إن كنت تريد أن تنجز مهمةً ما فعليك أن تستخدم القوة، دون النظر إلى أن تكون على حقٍّ أو على باطل، ويستمر هذا الإحساس لدى الشاب لينقلب إلى شخصية منحرفة، ثم يصبح بالتدرج إرهابيًّا، وبعد فوات الأوان نتساءل: ما أسباب ظاهرة الإرهاب؟!!

 

ويمكن أن تكون هذه الأحداث سببًا في زرع الجبن والسلبية والإحباط واللا مبالاة لدى العديد من الشباب، فقد رأوا أن من يعترض أو يعلن رأيه المخالف، فمأواه السجن أو مجلس التأديب، وغيرهم وجد فرصته الضالة في اعتماد أسلوب التملُّق والنفاق والوصولية لتحقيق مآربه، ومجموعة مختلفة عما سبق سوف يسيطر عليها الاكتئاب والتردد وضعف الشخصية.

 

إن معظم هؤلاء الطلاب متفوِّقون دراسيًّا، والخوف كل الخوف أن تَبُثَّ هذه الأحداث في قلوبهم كراهية الوطن، ويتملَّكهم الشعور بأن هذه البلد ليست بلدهم، ثم تُتَرْجم هذه الكراهية من المشاعر إلى الأفعال، فيتركوا البلاد، ويهاجروا إلى الخارج، والطامة الكبرى إذا اختاروا الهجرة إلى "إسرائيل"، وقد ينقلبون إلى جواسيس لصالح دولٍ معادية.

 

بهذا الأسلوب الإرهابي في التعامل مع الطلبة، فإنهم لن يجدوا القدوة الصالحة أو المثل الأعلى في حياتهم، وغدًا قد يكون هذا الطالب أو ذاك وزيرًا أو محافظًا أو من المسئولين الكبار في الدولة، فكيف سيكون تصرفه في مثل هذه المواقف، وقد رأى من قبل رئيس جامعته يروي الأحداث على غير الحقيقة أو عميد كليته يساير الأمن في تجاوزاته؟! هؤلاء الشباب هم نصف الحاضر وكل المستقبل كما يقولون، فكيف ندمِّرهم بأيدينا؟! وكيف نذبحهم بتصرفاتنا الحمقاء؟!

 

لا بد من أن نتعاون جميعًا لإنقاذ هؤلاء الطلاب من الضياع، وإيجاد الحلول الجادَّة لمشاكلهم العديدة، بأسلوب علمي، من خلال الارتقاء بالعملية التعليمية برُمَّتها، وكذلك الارتقاء بالوسائل الأخرى، وإبراز دور المؤسسات التربوية المساندة- كما يقول علماء التربية- كالأسرة والمسجد والنادي ووسائل الإعلام والفن الهادف، وكذلك المعسكرات والمخيمات والرحلات والمتاحف ومراكز البحوث والدراسات، وإلا سنستمر في تخلُّفِنا في القرن القادم كما كنا في القرن الماضي!.

 

فالتربية الحقيقية عند العلماء هي التي تكون قادرةً على تشكيل الإرادات، واكتشاف المواهب والطاقات، والتعرف على الميول، والتزويد بالمهارات التي تجعل الإنسان قادرًا على التعامل مع الواقع، والنهوض به إلى مستويات المثل الأعلى والأهداف الممكنة.

 

وقد يستغرب الكثير منا أن أمريكا التي تنفرد بقيادة العالم اليوم، عندما سُبقت إلى ارتياد الفضاء من  الاتحاد السوفيتي، اعتبرت السبب فساد النظام التربوي التعليمي، وعجزه عن إخراج المبدعين، فشكَّلت اللجان المتخصصة لإنقاذ ما أسمته (الأمة معرَّضة للخطر).

 

أما النظام في مصرنا المحروسة، فإنه يشعر بأن هؤلاء الطلاب المتفوقين هم مصدرُ الخطر في بلادنا، ويجب أن ُيكَمِّمَ أفواهَهم، ويقيِّدَ أيديَهم، ثم يَزُجَّ بهم فى السجون مع المجرمين والمنحرفين، فهل نفيق قبل أن نندم في وقت لا ينفع فيه الندم؟!!