أعلنت حملة "الحياة للقدس" عن تنظيم محاكمة شعبية لبلدية الاحتلال الصهيوني في مدينة القدس بتهمة "قتل مدينة"، ودعت إلى تصعيد الاحتجاجات ضد البلدية لمواجهة إجراءاتها العنصرية بحق المقدسيين.
جاء ذلك في المؤتمر الصحفي الذي نظَّمته حملة "الحياة للقدس" أمس في أحد فنادق القدس المحتلة، بحضور عددٍ كبيرٍ من رؤساء وأعضاء المؤسسات الوطنية والأهلية المقدسية، والذي شهد اقتحام رجال مخابرات الاحتلال الصهيوني للفندق.
واستهل راسم عبد الواحد- المنسق الإعلامي للحملة وعريف المؤتمر- اللقاء بكلمة أكد فيها أن مدينة القدس تشهد تصعيدًا خطيرًا بالانتهاكات اليومية ضد القدس وسكانها وقطاعاتها ومقدراتها، في ظل استغلال سلطات الاحتلال الوضع الفلسطيني والعربي والإقليمي في محاولةٍ لفرض أجندتها وتصوراتها وفق سياسة فرض الأمر الواقع، مما دفع المقدسيين إلى التحرك الميداني للوقوف بوجه هذه السياسات.
وفي كلمته أكد الدكتور عبد الفتاح درويش- منسق الحملة- أن مدينة القدس تواجه تدهورًا غير مسبوقٍ في أوضاعها في ظل تصعيد الإجراءات الهادفة لحسم القدس كعاصمة موحدة للكيان الصهيوني، وكذلك في سياق الجهود لاتخاذ إجراءات استباقية على الأرض تؤثر على سيناريوهات التفاوض بشأن القدس وتتحول القدس العربية إلى أحياء معزولة للفقر والتدهور الاجتماعي وترتفع فيها معدلات البطالة والفقر وتأخذ مؤشراتها المعيشية والصحية والثقافية منحنًى سلبيًّا.
وقال إن "حملة الحياة للقدس" تبدأ مبادرتها للعمل الجماعي المبني على أساس الرؤيا الواضحة والتخطيط والشفافية بهدف تمكين المقدسيين من الصمود في المدينة وتحقيق العيش الكريم.
ولفت إلى أن المبادرة ستتم عبر مراحل متعددة منها: العمل الأهلي في القدس، وتضافر وتوحيد جهود المقدسيين، والسعي لتحسين الأداء الفلسطيني فيما يتعلق بالقدس، والتحرك لتفعيل الدعم العربي الرسمي والشعبي للقدس، وتعزيز التضامن الدولي في مواجهة الحصار والاضطهاد.
![]() |
|
الشرطة الصهيونية تحاصر الحرم القدسي |
وقرأ عبد الفتاح البيان الصادر عن الحملة وتضمن الإعلان عن تصعيد الاحتجاجات ضد بلدية الاحتلال، وإطلاق حملة دولية يتم من خلالها التوجه لكافة بلديات العالم والاتحادات البلدية الدولية وكافة الهيئات الدولية لمقاطعة بلدية القدس باعتبارها غير شرعية وعنصرية، وتنظيم محاكمة شعبية لبلدية الاحتلال تُعقد في القدس بتهمة "قتل مدينة"، والتوجه إلى الحكومات الأوروبية والأمريكية لاتخاذ قرار بتصنيف العصابات الاستيطانية العاملة في القدس باعتبارها غير قانونية ومنع تقديم الدعم المالي لها من هذه الدول وخصوصًا الولايات المتحدة، ويتم في هذا السياق ترتيب الاتصالات اللازمة والممكنة مع البرلمانات والمؤسسات.
كما تضمن إعلان حملة "الحياة للقدس" تشكيل لجنة إعلامية ومكتب إعلامي أهلي بالقدس تكون مهمته كشف وفضح الممارسات العنصرية بصورةٍ مستمرةٍ وتوثيق التغييرات الجغرافية والديموجرافية التي تقوم أجهزة الاحتلال بإجرائها في القدس.
وطالب بيان الحملة منظمة التحرير والسلطة الوطنية الفلسطينية بإعلان ميزانية محددة لمدينة القدس وتحديد بنودها وآليات صرفها وبرنامجها الزمني، والعمل على إجراء انتخابات في كافة المؤسسات المقدسية الرئيسية لضخ دماء جديدة في عروق المؤسسات المقدسية.
كما طالبت الحملة، في بيانها، بتشكيل وفد للاتصال مع الدول العربية لتفعيل الدعم العربي الرسمي والشعبي للقدس ودعم حملة الحياة للقدس وتعزيز التواصل بين القدس والعواصم العربية ومطالبة الدول العربية بافتتاح مراكز ثقافية في القدس من خلال وتحت مظلة مؤسسات مقدسية لتعزيز التعاون الثقافي والإنساني في بيت المقدس وعمقه العربي.
وأوضح البيان أن إعلان القدس عاصمة الثقافة العربية هو حدث مهم يجب العمل على تحقيق مجموعة أهداف نضالية للقدس من خلاله، وأكدت الحملة دعمها لاستثمار هذه الاحتفالية لإعادة بناء القطاع الثقافي في القدس، وكل ذلك يجب أن يتم على أرضية أن القدس مدينة محتلة تناضل من أجل التحرر.
جنود صهاينة أمام مسجد قبة الصخرة بالقدس

من جهته، استنكر ديمتري دلياني، رئيس التجمع الوطني المسيحي، اقتحام مخابرات الاحتلال لقاعة المؤتمر الصحفي، وقال: "إن هذا يدلل على إرهاب حكومة إسرائيل ضد المواطنين المقدسيين، وخاصةً ضد الذين يعملون في إطار العمل الأهلي القانوني، وإن مثل هذه الأعمال والتحركات ما هي إلا جزء من العقبات الأساسية التي تضعها سلطات الاحتلال بين الشعبين في المنطقة ثم قرأ البيان باللغة الإنجليزية".
أما حازم غرابلي- رئيس التجمع المقدسي للمؤسسات الوطنية- فأكد أن هذه هي المرحلة الثانية من حملة الحياة للقدس التي تؤكد منذ بدايتها وحتى نهايتها على عروبة القدس وعدم شرعية الاحتلال في مدينة القدس وعلى عدم قانونية بلدية صهيونية في هذه المدينة؛ وذلك وفق 78 قرار دولي صدر عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي منذ تاريخ احتلال إسرائيل لفلسطين.
وأكد أن سلطات الاحتلال تمارس أبشع أنواع التطهير العرقي والعنصري من خلال سياسة هدم المنازل في القدس وتحاول إخراج أكبر عددٍ ممكن من المواطنين المقدسيين خارج مدينتهم، وقال إن "إسرائيل" تسببت بمعاناةٍ إنسانيةٍ للكثير من العائلات الفلسطينية؛ وذلك بتمزيق أوصالها وابتعادها عن بعضها البعض بفعل جدار الضم العنصري الذي عزل المدينة عن محافظة القدس، وعن الريف المقدسي المحيط بها؛ مما أدى إلى فصل مواطنين مقدسيين وعائلاتهم عن مؤسساتهم الثقافية والاجتماعية والصحية والتعليمية.
ولفت إلى أن حقوق الإنسان الفلسطيني تنتهك على الحواجز والمعابر العسكرية المقامة ضد المقدسيين، وأن المقدسي يُحرم من أبسط حقوقه في التعليم في أن يكون له بيت يعيش فيه، وبالتالي حولت إسرائيل هذه المدينة من مدينة رمز للتعايش إلى مدينة طمس للتعايش والسلام المحبة حولتها إلى مدينة ترمز للاضطهاد والعنصرية.
أما الشيخ يعقوب الرجبي، فأكد أن الحملة تسعى إلى تحقيق جملة من الأهداف وتكون رافعة في العمل الوطني المقدسي لرفع الظلم ووقف انتهاكات سلطات الاحتلال في المدينة.
![]() |
|
الشيخ عكرمة صبري |
من جهةٍ أخرى أكد الشيخ الدكتور عكرمة صبري- رئيس الهيئة الإسلامية العليا في فلسطين- أن سلطات الاحتلال الصهيونية لا تزال مستمرةً في إجراء خطوات عملية جديدة لتهويد مدينة القدس، وقال إن من أبرز وأبشع هذه الخطوات هو مصادرة آلاف الدونمات من الأراضي في الضفة الغربية، وبناء مستعمرات جديدة عليها، وتوسعة المستعمرات القائمة بإقامة مئات الوحدات الاستيطانية التي تنتشر كالسرطان وبخاصة في محيط مدينة القدس، من الجهتين الشرقية الجنوبية، والغربية الشمالية، بحيث تتم محاصرة مدينة القدس وإحكام الطوق حولها بالإضافة إلى الجدار العنصري الذي مزق البلاد وشتت العباد.
وأضاف في خطبة صلاة الجمعة بالمسجد الأقصى المبارك أمس أن سلطات الاحتلال لم تكتف بذلك؛ بل تخطط إنها لضم المستعمرات المحيطة بالقدس إلى المدينة حتى تزيد من إعداد اليهود فيها، وبالمقابل فإنها تخطط لسلخ عدة أحياء عربية من القدس لضمها إلى السلطة الفلسطينية لإيهام العالم بأنها قد تنازلت عن أراض فلسطينية، وإنها تريد السلام لإظهار حسن النوايا كما يدعون.
وأوضح أن الأحياء المقترح سلخها عن القدس تضم ما يزيد عن مائة وخمسين ألف مقدسي سيخسرون مواطنتهم المقدسية وسيحرمون من الوصول إلى المسجد الأقصى المبارك وإلى كنيسة القيامة، وأن الادعاء بأن ضم هذه الأحياء إلى الأراضي الفلسطينية بمثابة مقدمة إلى انسحاب الاحتلال عن مدينة القدس هو ادعاء يتناقض مع تصريحات عشرات المسئولين الصهاينة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، والذين يؤكدون فيها بأن القدس هي مدينة موحدة، وهي عاصمة "إسرائيل" الأبدية وأنها لا تخضع للمفاوضات.
![]() |
|
الجرافات الصهيونية تواصل الهدم قرب الأقصى |
وقال إن التصريحات الصهيونية تركز على ما أسموه بالحوض المقدس الذي يشمل البلدة القديمة من مدينة القدس، بالإضافة إلى بعض الأحياء المحيطة مثل: سلوان والطور والشيخ جراح وواد الجوز والمستعمرات التي تقع داخل القدس وحولها.
وتساءل: ما الفائدة المرجوة من سلخ هذه المناطق عن مدينة القدس؟ وقال: إن سلبيات هذا السلخ أكثر بكثيرٍ من إيجابياته، إن كانت له إيجابيات، وإن لهذه المقترحات محاذير كثيرة، منها: أنها تهدف إلى التقليل من عدد سكان القدس العرب بحيث تصبح نسبتهم أقل من 20% من مجموع السكان، وعليه فإن نسبة اليهود ستزيد عن 80%، وستنشأ محاولات صهيونية محمومة لانتزاع اعترافٍ دولي وعربي بشرعية احتلال مدينة القدس، ومحاولة لحصول على مكاسب تتعلق بحائط البراق، وحرمان ما يزيد عن 150 ألف مقدسي من الوصول إلى المسجد الأقصى المبارك وكنيسة القيامة، بالإضافة إلى حرمان أهالي الضفة الغربية وقطاع غزة من دخول مدينة القدس ومنعهم بالتالي من الصلاة في المسجد الأقصى المبارك، فضلاً عن محاولة إضفاء الشرعية على المستعمرات، والتي نعتبرها غير شرعية حيث أُقيمت على أراض مغتصبة.
وشدّد الشيخ صبري على أن مدينة القدس هي قلب فلسطين، وهي جوهر الصراع، وهي أيضًا جزء لا يتجزأ من الأراضي الفلسطينية المحتلة، وإن ما يجري على الأراضي المحتلة يجري عليها، وقال إنه لا يجوز عزل القدس عن سائر المناطق الفلسطينية، كما لا يجوز تقسيم المدينة وتجزئتها، فالانسحاب ينبغي أن يتم عن مدينة القدس بما في ذلك البلدة القديمة التي تضم المسجد الأقصى المبارك وسائر المقدسات العربية.
وأكد أن مدينة القدس هي أمانة في العرب والمسلمين في أرجاء المعمورة؛ لأنها تمثل جزءًا من إيمانهم وعقيدتهم، ودعا أهل بيت المقدس وأكناف بيت المقدس التضامن وتوحيد الجهود والمواقف من أجل حماية مدينتهم ومقدساتها، وحذَّر من محاولات تسريب البيوت والعقارات، وأكد أهمية المحافظة عليها بإشغالها وترميمها وصيانتها.
وذكَّر بالفتوى الشرعية التي صدرت قبل 73 سنةً عن علماء فلسطين وعلماء العالم الإسلامي بتحريم بيع الأراضي والعقارات أو السمسرة لها، وإن الذي يقوم بذلك يكون تاركًا للدين مفارقًا لجماعة المسلمين: لا يُغسَّل ولا يكفن ولا يُصلَّى عليه، ولا يُدفن بمقابر المسلمين، فهذه المدينة الطاهرة المقدسة تلفظ الخبث والخيانة والعمالة.
ولفت الشيخ عكرمة صبري إلى تلقي عدد من سكان حي بيت حنينا في القدس المحتلة أمس الأول إخطارات جديدة بهدم منازلهم من قبل بلدية الاحتلال في القدس، وبموجبها يُلزم أصحاب البيوت بإخلائها خلال عشرة أيام، وقال: إن هذه الإخطارات وكأنها جاءت ردًّا على المسيرة الحاشدة التي قام بها أهالي القدس يوم الثلاثاء الماضي، والتي عبَّر فيها المواطنون عن رفضهم لسياسة هدم المنازل، مؤكدًا أنها سياسة عنصرية غير إنسانية وطالب المؤسسات الحقوقية والقانونية والإنسانية الوقوف بحزم ضد سياسة الهدم.
وأكد مجددًا أن المسجد الأقصى المبارك، بجميع مرافقه وساحاته وجدرانه أسمى من أن يخضع لأي مفاوضات ولا لأي مساومات ولا لأي تنازلات، وأن الأقصى يُمثِّل خطًّا أحمر لا مجال لتجاوزه شرعًا.


