محمد السروجي تجاوز السجال الفكري حول برنامج الإخوان المساحات والقضايا المطروحة وانتقل من مربع الأفكار والرؤى السياسية حول نقاط الضعف وسلبيات الطرح من وجهة نظر المتناولين إلى مربعات ومساحات أخرى تتعلق بالجماعة نفسها على مستوى الثوابت والأفكار والمبادئ والأهداف والبرامج والممارسات، وتم استدعاء نقاط خلافية تجاوزتها الجماعة على مستوى الفكر والممارسة لتصل إلى ميدان الاتفاق الواسع مع كافة ألوان الطيف السياسي لجمع الشمل حول مشروع إصلاح وطني ينهض بالبلاد من حالة الانسداد السياسي والمعاناة المعيشية التي فرضت على واقعنا المعاش!

بل إن هناك مؤسسات سيادية وجهات أمنية داخلية وخارجية تسعى جاهدةً لإقصاء الإسلاميين عن الساحة السياسية بحججٍ كثيرةٍ وبهدفٍ واحدٍ يخدم أجندة المصالح المشتركة بين الداخل الفاسد المستبد والخارج الطامع المهيمن.
شبهات جديدة
يأتي في مقدمتها ما طرحه الدكتور عمرو الشوبكي تحت عنوان (الجماعة الدعوية والتنظيم السياسي.. المشكلة الأزلية للإخوان)، والذي يؤكد فيه أن مكمن الخلل في بنية الجماعة يعود للتداخل بين الدعوي والسياسي، وطالب بإصلاح الجماعة لدمجها في المعادلة السياسية كحزبٍ سياسي منفصل عن الجماعة الدينية، كما أكد أن العالم العربي وعلى عكس ما يتصور كثير من حكامه بحاجةٍ إلى جماعةٍ دينيةٍ بحجم الإخوان المسلمين، تنصح في أمور الدنيا والدين، وتحافظ على ثوابت الأمة، وتدعو الناس إلى التمسك بالقيم الدينية والأخلاقية، بعد أن امتهنها كثير من موظفي الأزهر الذين يرغب "حزب" الإخوان في تعيينهم أوصياء على الشعب المصري.
وما طرحه أيضًا الباحث خليل العناني تحت عنوان (إخوان مصر من المراهقة إلى الرشد)، والذي قدَّم فيه ما أسماه بكشف الحساب للجماعة وأخذ عليها التردد وانعدام الحسم واللاتوازن وتدني وغموض الخطاب والاهتمام بالشكل دون الجوهر، وأخيرًا الرعونة وسوء التقدير!!
منطلقات لا ردود
* سيبقى الاختلاف في الرؤى قائمًا لبقاء أسبابه (والتي هي من طبيعة الأشياء، وهذا أمرٌ مقبول ومتوقع) ومنها:
- المرجعية الفكرية والعقدية للتناول
- المناخ السياسي والأمني غير المستقر ولا الآمن
ولكن غير المقبول أن يفرض لون أو طيف سياسي بعينه مرجعيته على غيره تحت أي مسمى حتى ولو كان إصلاح الآخر لدمجه في المعادلة السياسية أو تقديم كشف حسابٍ ممن لا يدفعون ثمنًا أو يقدمون عملاً
* الإخوان يؤمنون بأن الإسلام نظامٌ شاملٌ يتناول مظاهر الحياة جميعًا ولا يعرفون هذه التجزئة بين الدين والسياسة، كما يؤكدون أنهم ملتزمون بهذا الفهم، ولن يتنازلوا عنه ولا يلزمون غيرهم به وفي الأخير الخيار للشعب مصدر السلطات.
* قد يختلف المجال الدعوى عن السياسي في ميادين العمل والممارسة والوسائل والإجراءات ولغة الخطاب، ولكن يبقى أن كلاهما يرتبط بمنظومة ومشروع إصلاحي واحد ذي مرجعية واحدة هي الإسلام.
* الإسلام نسيج متميز ومستقل لا يُقاس ولا يُقيَّم إلا من خلال معاييره هو، وقد تتفق معه بعض المذاهب والفلسفات الأخرى أو تختلف هذا شأنها، ولكن على أبناء الحركة الإسلامية الاعتزاز كل الاعتزاز بمنهجهم الإسلامي ومشروعهم الإصلاحي (البشري)، معتبرين كل نصحٍ ونقدٍ أخذًا بالتوصية النبوية (الحكمة ضالة المؤمن).
* ينبغي ألا يخضع بعض رموز الجماعة للابتزاز الفكري والسياسي الحادث والمرحلة تستدعي التحفظ والحذر والحيطة في ظل نظامٍ إعلامي غير آمن.
* ميدان القول غير ميدان العمل والممارسة، فالأول لغير الإخوان بلا سقف، والأول والثاني للإخوان سقفه متحرك حسب المناخ السائد وطبيعة المرحلة, والمسئولية الوطنية والشرعية قد تستوجب على قيادات الإخوان مواقف وإجراءات قد لا يرضى عنها الآخرون، وهذا أيضًا وارد ومتوقع.
وأخيرًا:
على قواعد الإخوان أن تُدرك أنها مستهدفة في فهمها وثقتها بمشروعها وقيادتها، بل أكثر من ذلك بإقصائهم عن العمل والإصلاح السياسي بحجة أن رجل السياسة غير رجل الدعوة، وستباح كل الوسائل والأدوات الممكنة, ومع ذلك فالسجال القائم فرصة جيدة للارتقاء بالوعي والأداء السياسي لقواعد الإخوان لمستوى يليق بمكانة وحجم وتأثير جماعتهم العريقة والبديل النوعي القادم.
-----------
* مدير مركز الفجر للدراسات والتنمية