التناقض القائم بين حق الأكراد في تقريرِ مصيرهم وبين حق الدول التي يعيشون فيها في المحافظة على وحدها الإقليمية برز إلى السطح عندما تفجَّرت المشكلة الكردية في أزمةٍ طاحنةٍ بين تركيا وحزب العمال الكردي في تركيا في أول أكتوبر 2007م.

 

فقد ارتبط الأكراد عبر العصور بالمناطق التي عاشوا فيها ولكنهم حافظوا على مقوماتهم كوحدةٍ عرقيةٍ وثقافيةٍ مختلفة, وربما أدَّى بسط الدولة العثمانية سلطانها على مساحات واسعة من البلاد التي يقطنونها إلى تأجيل البوح بما يشعرون به بشكلٍ ظاهر, وثم بدأ هذا الشعور يطفو كلما وجدوا مشاكل تجور على هويتهم داخل الدول التي يعيشون فيها.

 

ففي العراق حاولت النظم العراقية المتعاقبة أحيانًا دراسة أحوالهم ومعالجتها على نحو من الأنحاء، وكانت علاقة صدام بهم علاقة دموية، وهي في الواقع حلقة مفرغة، فصدام يريد أن يرغم الأكراد على الطاعة والولاء للعراق شأن أي زعيم دولة أخرى, وهم يرون في أسلوبه جورًا وربما قسوة, وانتهى الأمر إلى قراراته الدموية ضدهم في الوقت الذي اشتدَّ فيه حرصه على وحدة الدولة العراقية ضد إيران خلال الحرب.

 

ولستُ مع الذين يبررون نزوع الأكراد إلى الاستقلال في العراق بتصرفاتِ صدام حسين وحدها, وإنما يجب أن نُذكِّر أيضًا أن الدول المجاورة استخدمت الأكراد ضد العراق خاصةً إيران الشاه, مثلما حرض العراق أكراد الدول المجاورة عليهم توترت العلاقات العراقية عنهم.

 

عندما غزت الولايات المتحدة العراق عام 2003م خصَّت الأكراد بمعاملةٍ خاصة استمرارًا لحظها الذي بدأ منذ عام 1991م بإنشاء مناطق حظر الطيران وشل يد الحكومة العراقية عنهم، وعن مناطقهم.

 

ولا شك أن ظهور آمال الحكم الذاتي والاستقلال في العراق في مناطق الأكراد قد أثار أشواقًا قوميةً طاغية لدى أكراد تركيا الذين كانوا دائمًا في صراعٍ مع حكومات أنقرة طوال العقود الأربعة الماضية؛ لأن نسبتهم في تركيا أعلى من غيرها من الدول الأخرى، وكلما برزت مظاهر هذه الرغبة, اشتعل الشعور القومي الكردي في تركيا بالذات؛ مما أدَّى إلى هذه الأزمة الحادة بين تركيا وأكرادها الذين يلقون الملاذ والمساندة من أكراد العراق.

 

معنى ذلك أن الأكراد يشعرون بأنهم أمة حُرمت عبر العصور من أن تلتئم في دولة, والشعور بالأمة مع الحرمان من الدولة يُثير الحق في تقرير المصير, كما يطرح بشكل ٍدقيقٍ تعريف الأمة مرةً أخرى, فالفئات العرقية أو الثقافية وأحيانًا الدينية كاليهود تقول إنها أمم, وما دام من حقِّ الأمة أن يكون لها دولة تطبيقًا لحق تقرير المصير, فإنهم يتساءلون كيف يمكن التوفيق في ظل النظام الدولي القائم بين حق تقرير المصير وإقامة الدولة, وبين حرص هذا النظام على وحدة الدول القائمة وعدم تفتيتها, وكيف يمكن تفسير الموقف الأمريكي إزاء إقليم كوسوفو الذي يطالب باستقلاله, وربما الموقف الأمريكي أيضًا من دارفور.

 

بل كيف تفهم رؤية الولايات المتحدة لآثار مساندتها لأكراد العراق، خاصةً أن ذلك كان مفهومًا أنه محاولةٌ لتقويض نظام صدام حسين, فكيف تُفسِّر هذا الدعم بعد زوال هذا النظام, وهل تُدرك واشنطن غموض موقفها من أكراد تركيا الذي يخاطر على الأقل بزعزعة التحالف التركي مع واشنطن, هل هذه النتيجة هي ما تريده واشنطن, وهل تدرك واشنطن أن موقفها من أكراد العراق يشعل الروح القومية الكردية دون أن تكون الرؤية جاهزةً فيما يتعلق بمستقبل أكراد هذه المنطقة؟ وهل تملَّكت واشنطن الرغبة في تمزيق العراق دون أن تدرس مخاطر هذا التمزيق على استقرار المنطقة؟

 

إن الأكراد الآن في اضطرابٍ شديد, فهم يتوقون إلى فكرة الأمة, ويجدون مستحيلاً أن تقع هذه الأمة في دولةٍ، كما أنهم يرون أن تمزيق الدول القائمة لصالح تقرير المصير أمر انتقائي, يمارس في مناطق, ويحظر على مناطق أخرى, فهل باحت واشنطن بأسرار هذه الأسئلة المرتبطة بحيرة الأكراد والمراقبين للأكراد أنفسهم أم أن العبث الأمريكي بأقدار الشعوب لم ينج منه حتى أكراد العراق الذين ساعدوا الغزو الأمريكي وكثيرًا ما تصدوا للجيش العراقي الوطني بتحريضٍ إيراني, ولكنهم لا يذكرون إلا جرائم صدام حسين ضدهم في هذا المسلسل الدامي؟
إن هذه القضية تحتاج إلى حلولٍ عادلةٍ في ظل الأوضاع الإقليمية السائدة, كما تحتاج إلى حلٍّ فكري عند المنظرين للقومية العربية في ثوبها الجديد, بعد أن تتم مراجعة الفكر القومي السابق في صدد الأقليات العرقية والدينية ومع اتساق وجودها مع العروبة, خاصةً أن واشنطن في حربها ضد كل ما هو قومي شجَّعت هذه الأقليات.

 

واعتبرت أن ممارسات النظم القومية مثل البعث هو الجانب الأهم في التعبير عن القومية فدفعت القومية ثمن تلاعب بعض الحكام واستغلالهم لها, ولا يزال الكثيرون يعتقدون الكثير من المقولات حول الحرب العراقية الإيرانية وغيرها مما يحتاج حقًّا إلى مراجعةٍ عاقلةٍ ربما بعد أن ينفض السامر في العراق ويستقر الغبار, وليكن فيما ورد بدستور العراق الذي وضعه الاحتلال دلالةً ورمزًا لما نقول؛ إذ أكد أن العرب في العراق هم السنة وحدهم، وأما الشيعة فيبدو أنهم جنسية أخرى, وأن هؤلاء السنة هم الذين ينتمون دون غيرهم إلى الأمة العربية, أي أن العراق ليس عربيًّا ما دامت أغلبية سكانه ليسوا في التصنيف الأمريكي من العرب.