د. يحيى الجمل

يوم الثلاثاء الماضي- أي منذ أسبوع بالتمام والكمال- ذهبتُ إلى الجامعة قاصدًا حضور مجلس قسم القانون العام بكلية الحقوق، وصعقتُ بمنظر الجامعة عندما اقتربتُ منها، الجامعة محاصرة من كلِّ جانبٍ بقوات الأمن، والجنود يلبسون ملابس الميدان، وللحظة تصورت أن غارةً قد وقعت على الجامعة من جهة معادية، وأن هؤلاء الأشاوس قد جاءوا لحماية الجامعة وإنقاذها من براثن المعتدين، ثم استرجعت أفكاري وأدركت أن هؤلاء "العساكر" الذين يقدر عددهم بالآلاف، وأن هذه السيارات المصفحة التي يُقدَّر عددها بالمئات، والتي تُحيط مباني الجامعة من كل جانب، إنما جاءت لتحاصر الجامعة ولتردع طلبتها، وتبث في نفوسهم الرعب وتحول بينهم وبين ما قد يقدمون عليه مما ينغص (الأمن العام والنظام).
وبحكم انتمائي لأعضاء هيئة التدريس في الجامعة سُمح لي بالدخول، وعندما دخلت كلية الحقوق واقتربت من قسم القانون العام على يمين الداخل، وجدت اثنين من شباب هيئة التدريس يجلسان وأمامهما أوراق، وتصورت- خطأ للمرة الثانية- أن هناك لجنةً من لجان امتحانات الدراسات العليا، وسألتهم فإذا بهم يقولون لي إنهم لجنة انتخاب وليسوا لجنة امتحان ولكنهم يجلسون من الصباح لا يعملون شيئًا؛ لأن الطلاب لم يحضروا، ولم يقبل أحد على الانتخابات، وهنا أدركتُ لماذا تُحاصر الجامعة.
هناك احتمال أن تجري انتخابات اتحادات الطلاب، وهناك احتمال أن تكشف هذه الانتخابات عن اتجاهات الطلاب الحقيقية، وهناك احتمال أيضًا أن تكون هذه الاتجاهات غير متطابقة تمامًا مع اتجاهات النخبة الحاكمة والحزب الوطني ولجنة السياسات ووزارة الداخلية، ومن أجل هذا الاحتمال جرى حصار الجامعة وجرى منع الطلاب من دخول الجامعة، ومنعهم من الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات، اعتمادًا على أن هناك مَن سيقومون عنهم بهذه المهمة، وسيدلون لهم بأصواتهم.
وتساءلت: إلى متى ستستمر هذه الممارسات المنافية لكل مبادئ الديمقراطية والحكم الرشيد؟! وتساءلت أيضًا: ولصالح من تستمر هذه الممارسات؟!
يقينًا ليس لصالح مصر تستمر هذه الممارسات.
يقينًا هذه الممارسات تريد في النهاية أن تدمر كل صوت حر في مصر، وتريد ألا تظهر إرادة الشعب الحقيقية سواء في الانتخابات الرئاسية أو الانتخابات التشريعية، أو حتى الانتخابات الطلابية.
لماذا؟
ببساطة لأننا نخاف من أن تظهر إرادة الشعب على حقيقتها، ونريد أن نعلن ما نريد أن نعلنه، لا ما يريد الشعب أن يُعبِّر عنه.
إن النخبة الحاكمة في مصر تدرك حقيقة عزلتها عن الشعب وحقيقة الفجوة التي تفصل بينها وبين الجماهير، وكان أمام هذه النخبة خياران:
الخيار الأول والأسلم هو أن تحاول الاقتراب من الشعب، وأن تحاول أن تفهم احتياجاته وهمومه ومتاعبه، وأن تحاول التخفيف منها، أيضًا أن تحاول هذه النخبة أن تعمل وسط الجماهير عملاً سياسيًّا يسعى لمعرفة مشاكل الناس من ناحية واجتذاب الناس بالاقتناع للاقتراب من سياسة الحكم من ناحيةٍ أخري، هذا هو الاختيار الأول، وهو وإن كان الاختيار الأسلم فإنه الاختيار الذي يحتاج جهدًا ويحتاج قيادات مؤمنة بالشعب ومستعدة للبذل والعطاء والتضحية بالجهد والوقت.
أما الاختيار الثاني فهو الاختيار الأمني، ومعنى هذا الاختيار أن (رجال الأمن) يقدرون على كل شيء، يقدرون على مواجهة كل المشاكل وحلها.
وتقديري أن هذا الحل، وإن كان في المدى القصير يبدو الحل الأسهل، فإنه في الحقيقة أكثر الحلول قصورًا وأقلها حصافةً.
لا أحد يقول إن "الأمن ورجاله"، غير ضرورين أو لازمين، الذي يقول ذلك يبدو مخرفًا، ولكن الذي يمعن في الخرافة أكثر هو الذي يتصور أن (الحل الأمني) يكفي وحده لمواجهة كل المشاكل.
والذي يبدو أن النظام في مصر اختار الحل الأمني لكي يواجه به كل مشاكل مصر، المشاكل السياسية والمشاكل الاقتصادية والمشاكل الاجتماعية كلها تواجه مواجهة أمنية، ولا شيء غير المواجهة الأمنية.
والذي لا شبهةَ فيه لدى أي عاقلٍ ينظر خطوتين إلى الأمام أن المعالجة الأمنية وحدها لن تقضي على مشكلةٍ واحدةٍ من مشاكل مصر، وأن علاج هذه المشاكل في جملتها أو في جزئياتها يحتاج إلى درسٍ وبحثٍ وحلول وسياسات وحوار ويحتاج إلى اقترابٍ حقيقي من الناس ويحتاج معرفة بمواقف الناس واتجاهاتهم وآرائهم.
بعبارةٍ أخرى: إن الحلول الحقيقية للمشاكل تعتمد على العمل السياسي بكل صوره، وتعتمد على إطلاق حرية العمل السياسي في كل صوره التي تعرفها نظم العالم الرشيدة.
لا بد أن يدرك الحزب الوطني الحاكم في مصر أن يده الأمنية وحدها قد تُرهب الناس وتسكتهم وتخمد حركتهم فترةً، ولكنها غير قادرة على قهر الناس إلى الأبد، ودليل ذلك هذا الحجم المتزايد من الإضرابات والاختناقات والتوترات والمصادمات التي تتصاعد كل يوم، والتي يستطيع الأمن أن يحاصرها ولكنه لن يستطيع أبدًا أن يعالجها.
ليت الحزب الوطني الحاكم يدرك في مؤتمره المقبل أنه حتى يكون حزبًا حقيقيًّا لا بد أن يتخلى عن توحده مع أجهزة السلطة، ليته يدرك ضرورة أن يقف على ساقيه وليس على حراب الأمن وسياراته ورجاله، وليته يدرك قبل ذلك كله وبعد ذلك كله أن مظلة الرئيس هي التي تحميه، وهي التي تُعطيه ما يتصور أنه قوة حقيقية للحزب، وهي في الحقيقة قوة مستوردة أو مستعارة، وليست قوة أصيلة ذاتية.
وعندما يدرك الحزب الوطني ذلك سيدرك في نفس الوقت مسألة أخرى، وهي ضرورة أن تقوم في مصر إلى جواره أحزاب حقيقية تنشأ نشأةً حقيقيةً، تعيش حركة حرة غير مقيدة ولا مكبلة بالأغلال الأمنية، عندئذٍ سيحدث في مصر حِراك سياسي حقيقي، وعندئذ ستكون الحلول السياسية هي التي ستواجه مشاكل مصر، وتتصدى لها، وتقترب من حلها حلولاً حقيقيةً.
وعندئذٍ سيدرك الناس أنه لا حلَّ دون الديمقراطية.
والديمقراطية نظام واضح وبسيط.
تعددية سياسية حقيقية.
سيادة للقانون واستقلال للقضاء.
انتخابات حقيقية تظهر إرادة الناس.
تعدد السلطات واستقلالها عن بعضها وتعاونها في ذات الوقت.
تداول للسلطة بحيث لا تكون حكرًا دائمًا على حزبٍ أو شخص.
هذه هي الديمقراطية.
وليت الحزب الوطني (الديمقراطي) الحاكم في مؤتمره المقبل ينحاز إلى الحلول السياسية، وليس إلى الحلول الأمنية، بعبارةٍ أخرى: ليته ينحاز إلى الديمقراطية.
------------------
* نقلاً عن "المصري اليوم" 29/10/2007م