يعتز الإخوان المسلمون بانتمائهم للإسلام بمفهومه الشامل، الذي لا يفصل بين الدين والدولة، بين الدعوي والسياسي، وهذا ما أكد عليه وعلَّمَنا إياه إمامنا الشهيد حسن البنا، حين قال في رسالة (التعاليم): "وإسلامنا دين ودولة، مصحف وسيف، حكم وقضاء، كسب وغنى، ثروة وقوة، عبادة وشريعة"..
ينتقد بعض العلمانيين برنامج الإخوان المسلمين، ويعترضون على المنطلق والمرجعية الإسلامية للإخوان المسلمين، وهذا وضع طبيعي لأنهم يقولون (لا دين)، والإخوان يقولون لا بد أن نرجع للإسلام في كافة مناحي الحياة.
ولكن لا أفهم.. لماذا يحذو بعض الإسلاميين ورموز الحركة الإسلامية حذوَهم في بعض القضايا، مثل فصل الدعوي عن السياسي، الدين عن الدولة، والإسلام والحكم؟ فهل انحرفت في أيدي هؤلاء البوصلة وبعدوا عن الهدف؟ هل تأثروا بأفكار بعض العلمانيين والليبراليين بحكم أن الإنسان كائن اجتماعي يؤثر ويتأثر؟ لا مانع أن يتأثر الإنسان ولكن إيجابيًّا.
هل الضغط الأمني الداخلي والحصار الإقليمي والعداء العالمي للإخوان المسلمين الدافع الرئيسي لهذه التصريحات؟!
أرى أن صاحب هذه التصريحات يسيء أولاً إلى الإسلام وإلى الإخوان المسلمين ثانيًا وإلى نفسه ثالثًا.
إن علامة ارتباط الرمز بتياره تقدَّر بقدر ما يعبِّر هذا الرمز عن ثوابت وأفكار ومنطلقات ورؤى ومرجعية هذا التيار، هل يظن هؤلاء أن تحسين صورتهم الشخصية أمام النخب السياسية يكون بنعتهم معتدلين، مع الاعتذار لهذا اللفظ الذي صار يُستخدم في غير معناه، فصار بمعنى التفريط ويطلق على (المفرطين).
وصار معنى الأصولي صاحب المرجعية الذي يرجع إلى ما قال الله وقال الرسول ومسائل الإجماع (متشدد)، وأصبح التمسك بالثوابت (غلوًّا)، وهل من مصلحة الإسلام والإخوان أن يقسمنا البعض إلى (حمائم وصقور)؟!
ثم لماذا نتحرَّج من إعلان مرجعيتنا الإسلامية؟! ونقولها بكل وضوح: لست علمانيًّا ولا شيوعيًّا ولا ليبراليًّا.. نحن إسلاميون، ننطلق من الإسلام، ونستهدف رضاء الله عنا، وهدفنا إصلاح الدنيا بالدين، كما قال ربعي بن عامر: "نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله الواحد القهار ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة".
ما هي القضايا المطروحة؟
المرأة..
أعلن الإخوان المسلمون أن المرأة تكافئ الرجل في كافة الحقوق والواجبات، ومن حقها اعتلاء جميع المناصب عدا الولاية العامة (رئاسة الدولة)، وأسَّس الإخوان رأيهم انطلاقًا من حديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "لن يفلح قومٌ ولَّوا أمرهم امرأة"، فقال الفقهاء "ولوا" من الولاية والمقصود بها "الولاية العامة"؛ لأن المرأة تولت "ولاية"، خاصة في عهد عمر بن الخطاب و"لن" للتأبيد، ولا يقولن أحدٌ إن الحادثة خاصة، فالأصل عموم اللفظ لا خصوص السبب، ويستخدم بعض العلمانيِّين هذا الموقف فيقول بأن الإسلام ضد المرأة!!
وأقول لماذا لم يهاجم العلمانيون موقف الكنيسة من المرأة التي لم تعط المرأة حتى الآن حقَّها أن تكون رئيسة دولة أو حتى رئيسة الكنيسة "بابا"، وإذا قال البعض إن رئاسة الكنيسة منصب ديني والمنصب الديني مهمته "إقامة الشعائر وحراسة الدين وإمامة الصلاة لا يصلح لها إلا رجل"، وكذلك في الإسلام؛ حيث إن مهمة الحاكم "حراسة الدين وسياسة الدنيا"، ولا يصلح لذلك إلا رجل.
ونقول أيضًا: لماذا لم يهاجم العلمانيون موقف الكنيسة من عدم اعتلاء المرأة منصبًا دنيويًّا، وهو رئاسة المجلس الملّي وهو مجلس علماني؟!
في المسيحية إذا صدر حكم قضائي من المحكمة بالتفريق بين زوج وزوجة لا تعترف الكنيسة بالحكم القضائي، وتُوقف تنفيذه، أي أنها فوق القانون؛ استنادًا إلى المادة الثانية من الدستور "الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع".. أرأيتم أن الشريعة في صالح الأقباط، وأن تحوُّل مصر إلى بلد علماني بدون مرجعية للشريعة الإسلامية يضرُّ أيضًا بالمسيحيين؟!
أعلن الإخوان موقفهم في برنامج الحزب، أن شروط الحاكم ورئيس الدولة في برنامج الحزب أن يكون مسلمًا ذكرًا بالغًا كشروط رئيسية؛ فلا يصح حسب رؤية الإخوان المسلمين المستمدة من الإسلام لا ترشيحًا ولا انتخابًا غير مسلم ذكر بالغ عاقل، يختاره الشعب ويحقق مصلحة الدنيا والدين.
أما الموقف من الكيان الصهيوني، فقدم الإخوان المسلمون الغالي والرخيص، قدموا أنفسهم وأموالهم، حُلَّت جماعتهم.. قُدِّم أئمتهم إلى أعواد المشانق.. تحدَّوا الثالوث البغيض (الاستبداد الداخلي والكيان الصهيوني العدو الإقليمي والاستكبار العالمي).. يعلن الإخوان المسلمون بوضوح: لن نعترف بما يسمَّى "إسرائيل" (ولن) على سبيل التأبيد، ولن نعترف بالمحتل؛ لأن هذا الاعتراف ضد الدين وضد الحق، ولأن صراعنا مع اليهود صراع وجود لا حدود، ولن نتحرَّج من إعلان هويتنا ومرجعيتنا الإسلامية.
لن نتحرَّج أن نقول قال الله وقال الرسول، وننطلق من خير دين وهو الإسلام..
لن نفصل بين الدعوة والسياسة؛ فالاثنان من مشكاة واحدة.. ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقاَلَ إِنَّنِيْ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ﴾ (فصلت: من الآية 33) ﴿وَأَمْرُهُم شُوْرَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: من الآية 38) ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ (المائدة: من الآية 118).
لن يختلف برنامج الحزب مع ثوابت الجماعة؛ فالاثنان منطلقهما واحد، وهدفهما واحد، ومرجعيتهما واحدة، وإلا كان برنامج الحزب يعبر عن جماعة أخرى غير الإخوان المسلمين، وهذا بإذن الله لن يكون.
---------
* المركز المصري للإعلام والثقافة والتنمية.