![]() |
|
د. حلمي القاعود |
خطفت الأبصار والأسماع حوادث شمال العراق في الأسابيع الماضية، وتدخلت القوى الكبرى والإقليمية لتوقف حربًا محتملةً بين تركيا وحزب العمال الشيوعي في كردستان العراق، بعد أن قام الأخير بعدة تفجيرات في مدن تركية أهمها: أزمير.
أسفرت التفجيرات الكردية عن مقتل العشرات من الأتراك وإصابتهم إصاباتٍ بالغة، وهو ما استدعى إعلان الطوارئ على الحدود التركية العراقية، وإبلاغ البرلمان التركي لأخذ موافقته على استخدام القوة العسكرية للقضاء على الخلايا المقاتلة لحزب العمال الشيوعي الكردستاني.. وهو ما جرى بالفعل، حيث أعطى البرلمان التركي موافقةً مفتوحةً للجيش التركي كي يتخذ ما يراه مناسبًا في شمال العراق!
ويسعى حزب العمال الشيوعي الكردستاني لتحقيق مطالب قومية تهدف في نهاية الأمر إلى تكوين دولة كردستان التي تشمل أكراد العراق وتركيا وإيران وسوريا، فضلاً عن العائلات الكردية المنتشرة في الأردن ولبنان وبعض الجمهوريات الآسيوية الوسطى؛ وهذا الهدف يعمل عليه منذ زمنٍ بعيد، قادة الغرب الصليبي الاستعماري، في سياق تقسيم العالم الإسلامي وتفتيته، وزرع الإحن والعداوة والبغضاء وشن الحروب بين أجزائه ليبقى ضعيفًا مستباحًا بلا حولٍ ولا طول.
وكان أكراد العراق طليعة العمل الانفصالي منذ الخمسينيات، وقاد زعيمهم الملا مصطفى البارزاني، عمليات القتال ضد الحكومة العراقية، واستعان بالشيوعيين السوفيت والإيرانيين في عهد الشاه، واليهود الغزاة في فلسطين، فضلاً عن دول الغرب ذات الصلة بالمنطقة، وفي مقدمتها بريطانيا التي احتلت العراق ردحًا من الزمان في النصف الأول من القرن العشرين.
وبعد موت الملا مصطفى، خلفه ابنه مسعود البارزاني، الذي يحكم الآن ما يُسمى بجمهورية كردستان العراق، ويستقل بها استقلالاً شبه تام، بعد أن أتاح له الحصار الأمريكي للعراق عقب تحرير الكويت فرصة الحركة الآمنة، وفرض شروطه على حكومة بغداد الضعيفة، ثم جاء احتلال الأمريكان والحلفاء الصليبيين الغزاة للعراق، ليدعم أكراد العراق دعمًا بلا حدود، وفضلاً عن بروز دور الخبراء اليهود والموساد في الهيمنة على عقلية الحكومة الكردية وتوجيهها وتشجيعها لتحقيق غايات استعمارية واقتصادية.
وصار للأكراد العراقيين حكومة وبرلمان وجيش ونشيد وعلم- بعد أن أنزلوا العلم العراقي- وبعثات لدى بعض الدول.
وراح حزب بارزاني، مع حزب طالباني، يقتسمان الغنائم في كردستان، ويعملان على الانفصال الكامل عن العراق، من خلال دستورٍ وضعه الأمريكيون في المنطقة الخضراء، يُكرِّس استقلال الأكراد، ويمنحهم نصيبًا فوق ما يستحقون من بترول العراق، ويساعدهم على ضم كركوك (التركمانية) إلى دولتهم المستقلة، وهي غنية بالنفط، بالإضافةِ إلى ضمِّ معظم محافظة الموصل إلى هذه الدولة.
ويُلاحظ أن الحزبين المسيطرين على كردستان (بارزاني وطالباني) شيوعيان، أو كانا كذلك قبل أن يتحالفا مع الأمريكان نظير إقامة الدولة الكردية على أشلاء العراق، ويُلاحظ أنه حتى الآن لم تجر أية عمليات مقاومة ضد الغزاة الصليبيين في كردستان، كما يُلاحظ أن الشيوعيين الكرد كانوا يُلاحقون وما زالوا، الحركات الإسلامية في كردستان، وتضع أمريكا قادة هذه الحركات على قائمة المطلوبين ومنهم الملا "كريكار"، لسببٍ بسيط جدًّا، وهو أنهم يرفضون احتلال العراق، ويُطالبون الغزاة الصليبيين بالرحيل.
أما حزب العمال الشيوعي الكردستاني- زعيمه السجين الشهير عبد الله أوجلان- فيتخذ من البيئة الجبلية في شمال العراق مقرًّا لمعسكراته وأماكن تدريبه، ويلقى دعمًا عسكريًّا من بارزاني وطالباني، فضلاً عن أمريكا وقوات التحالف واليهود، ويتصور بارزاني رئيس كردستان العراق أنه درعه الواقي مع البيشمرجة أو البطلة التي تُمثِّل جيش الدولة الكردية وهي لا تخضع لحكومة بغداد، ويضع أفرادها على صدورهم العلم الكردي ويتكلمون اللغة الكردية، مثلما يتكلم بها قادة الدولة وموظفوها، فقد صارت الكردية لغةً رسميةً ولغة التعليم في المدارس الأساسية والعليا بمنطقة كردستان.
ويذكر التاريخ أن صلاح الدين الأيوبي، كان كردي الأصل نشأ في الشام وتربَّى، وجاء إلى مصر، ليتولى سدّة الحكم، ويقود جيوشها ليُحرّر القدس من الغزاة الصليبيين بعد احتلالٍ ظلَّ أكثر من سبعين عامًّا، وليُسجل في التاريخ أروع صفحاتِ الشرف والبطولة والإخلاص، فضلاً عن الإيمان والزهد، وليُثبت أن المسلمين يتسامون فوق أعراقهم وطوائفهم من أجل مجد الإسلام وعزة المسلمين.
وعندما نقارنه بالشيوعي مسعود بارزاني رئيس دولة كردستان العراق، أو الشيوعي جلال طالباني الذي يرأس دولة العراق المحتلة، نجد الفارق كبيرًا جدًّا، فشتَّان بين مَن يسخر من دينه ويعده مجرد أوراق صفراء جاء بها محمد- صلى الله عليه وسلم- على جملٍ أجرب، ويوالي أعداء الله والإسلام والمسلمين، وبين مَن يُحقق عزة أمّته، ويسعى لحمايتها والذوّد عنها والجهاد في سبيلها مهما كان الثمن غاليًا وفادحًا.
هذه المقارنة ضرورية لندرك أي دورٍ تخريبي خياني يقوم به الشيوعيون الأكراد، وهم يحتمون بالغزاة الصليبيين واليهود، ويصل بهم الغرور إلى حدِّ الإعلان عن عدم السماح لجندي عراقي (غير كردي) أن تطأ قدمه أرض كردستان، بل يهددون عرب العراق ويمثلون (93%) من عدد السكان بالقتال والغزو إذا لم يستجيبوا لإرادتهم المدعومة بالاحتلال.
ومن الغريب الذي ليس غريبًا، أن البارزاني ومَن معه يتخلون فجأةً عن هذه العجرفة حين يرون العين الحمراء التركية، ويُعلنون أن كردستان جزءٌ من العراق، ويجب على العراق أن يدافع عنها، ويُطالبون بتنفيذ الاتفاقيات المُوقَّعة بين بغداد وأنقرة؛ وذلك لحمايتهم وحماية البيشمرجة وبقية الشيوعيين الخونة!
ومع أننا نحن المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها نتمنى أن تحل الأزمة دون قطرة دم واحدة، فإننا نأمل أن يستفيد منها ومن درسها، أولئك الذين باعوا أنفسهم للشيطان من أجل مصالحهم الخاصة، ولو جاءت على حساب الإسلام والمسلمين، ورب ضارة نافعة فلعل هذه الأزمة تمنع خطر تفتيت العراق الجريح، وليت الشيوعيين المصريين الذين ذهبوا إلى "أربيل" وباركوا الدولة الكردية المستقلة وأشادوا بها وبضيافتها، يستحون من مواقفهم المفضوحة التي لا يستفيدون من تكرارها، فقد سبق أسلافهم أن باركوا قيام الدولة الصهيونية، وهاجموا الجيوش العربية التي ذهبت للدفاع عن الفلسطينيين العُزَّل الذين يتعرَّضون للإبادة والتهجير.. والله غالبٌ على أمره.
---------
